مشاريع التفتيت.. قراءة مقاصدية في واقع العالم العربي

في خضمِّ ما تشهده بعضُ الأقطار العربية من نزاعات داخلية ممتدّة، يشيع تفسير سياسي اختزالي يُرجع المأساة إلى تقلبات السلطة وصراعات النخب، ويغفل أن ما يجري في جوهره أبعد من أزمة حكم، وأخطر من فشل إدارة؛ إذ هو انتقال منظَّم من الاختلاف المشروع إلى التنازع المفضي للفشل، ومن ضعف الدولة إلى تفتيت الكيان، بل هو جرح عميق في جسد الأمة كلّها، تتداعى آثارُه على أمنها ووحدتها ورسالتها الحضارية، فالتفتيت هنا لا يقع حادثة مفاجئة، بل يُصاغ مساراً متدرّجاً يبدأ بإضعاف الداخل، ثم يُستثمر في مشاريع أوسع تعيد تشكيل الجغرافيا والهوية معاً.

ومن المنظور الشرعي المقاصدي، فإن هذه التحولات لا تُقرأ بوصفها شأناً سياسياً محضاً، بل باعتبارها إخلالاً جسيماً بأصول قررتها الشريعة لصيانة الاجتماع الإنساني؛ إذ جعلت الاعتصام فريضة جماعية تحفظ وحدة المرجعية والمصير، ونهت عن التنازع لما يفضي إليه من فشل وذهاب ريح، وربطت بين وحدة الصف وحفظ المقاصد الكبرى للدين والحياة، ومن ثمّ فإنّ مشاريع التفتيت المعاصرة –مهما تلونت بشعارات محلية أو مطالب جزئية– تمثّل خيانة صريحة لروح الشريعة ومقاصدها، وانقلاباً على واجب حفظ الأمة من التمزّق والضياع.

«الاعتصام» في القرآن.. فريضة بنائية وضرورة اجتماعية

لا يَعرض القرآن الكريم للاعتصام بوصفه قيمة أخلاقية نظرية، أو نداء وجدانياً مجرداً، بل يقرّره فريضة بنائية تُنشئ الاجتماع وتحفظ تماسكه، وتضبط حركة الأمة في أزمنة السلم والفتنة معاً، فالاعتصام -في دلالته القرآنية الجامعة- يعد وحدة مرجعية تحتكم إليها الأمة في تصوّرها وقيمها، ووحدة مصير تشترك فيها في السراء والضراء، ووحدة قرار عام تمنع تشظّي الإرادة وتنازع الاتجاه، ومن هنا كان الاعتصام شرطاً في قيام الجماعة، لا سطراً في كمالها.

«الفشل» لا يعني الهزيمة العسكرية فحسب بل حالة انهيار داخلي تتفكك فيها الثقة وتتعطّل المؤسسات

ويجيء الأمر الإلهي الصريح: (وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ) (آل عمران: 103) بصيغة جازمة، تدلّ على الوجوب الجماعي، لا على الاستحباب الفردي؛ إذ خوطبت به الأمة بصفتها كياناً واحداً، لا أفراداً متفرقين، فالخطاب موجَّه إلى مجموع لا يَستقيم أمره إلا بالاجتماع، ولا يتحقق مقصوده إلا بتلازم أجزائه، وليس الاعتصام هنا حالاً روحية فحسب، وإنما التزام عملي يترجم في السياسات العامة، والخيارات المصيرية، وإدارة الخلاف داخل الإطار الجامع.

أما قيد «جميعاً» فليس حشواً بلاغياً، ولا توكيداً إنشائياً، بل هو قيد مقصدي حاكم، يُخرج الاعتصام الناقص، والاصطفاف الانتقائي، والتحالفات الإقصائية من دائرة الامتثال، فكل اعتصام لا يستوعب الجماعة، ولا يمنع التنازع المؤدّي للفشل، يبقى صورة مفرغة من روح الأمر القرآني، ويؤول –وإن رُفع اسمه– إلى نقيض مقصوده.

التنازع المفضي للفشل.. من التحذير القرآني إلى الواقع المعاصر

يقدّم القرآن الكريم في قوله تعالى: (وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) (الأنفال: 46) صيغة سننية دقيقة، لا تقف عند حدود الوعظ الأخلاقي، بل ترسم مساراً سببياً متدرّجاً يربط بين التنازع الداخلي ونتائجه الحضارية والسياسية، فالنهي هنا ليس عن مجرّد اختلاف في الرأي، ولا عن تنوّع في الاجتهاد، وإنما عن تنازع يفتّت الإرادة الجماعية، ويحوّل الخلاف إلى صراع صفري يستنزف الداخل قبل أن يفتح الأبواب للخارج.

ويكشف ترتيب الألفاظ عن منطق سننيٍّ صارم؛ إذ إنّ «الفشل» لا يعني الهزيمة العسكرية فحسب، بل يعبّر عن حالة انهيار داخلي تتفكك فيها الثقة، وتتعطّل المؤسسات، ويتآكل الشعور بالمصير المشترك، فتغدو الجماعة عاجزة عن إدارة شؤونها أو حماية خياراتها، وهذا الفشل هو المقدّمة الطبيعية لما عبّر عنه القرآن بـ«ذهاب الريح»؛ أي فقدان السيادة والهيبة، وتبدّد القدرة على الفعل المستقل، وانكشاف المجال العام أمام التدخل والإملاء.

الميزان المقاصدي يقتضي التفريق الصارم بين المعارضة الإصلاحية المشروعة والمشاركة في مسارات التفتيت

ومن هنا، لا يُقرأ ما تشهده بعض البلدان العربية اليوم بوصفه طارئاً مفاجئاً، بل بوصفه مآلاً سُننياً لتنازع طال أمده، حتى تحوّل إلى مدخل للتدويل، ثم إلى بيئة صالحة للتقسيم وإعادة التشكل القسري، فحين يعجز الداخل عن إدارة خلافه، يُستدعى الخارج لإدارته عنه، وحين تفقد الجماعة ريحها، يصبح مصيرها بيد غيرها، وتغدو خرائطها قابلة لإعادة الرسم تحت عناوين شتّى.

التفتيت بوصفه تفريطاً في مقاصد الشريعة في حفظ الأمة

إذا انتقلنا من توصيف الظاهرة إلى ميزان الحكم الشرعي، تبيّن أن التفتيت لا يُعدّ مجرّد نتيجة سياسية مؤلمة، بل يعتبر انتهاكاً مقصدياً جسيماً يمسّ إحدى الكليات الكبرى التي قامت عليها الشريعة، وهو حفظ الأمة وأمنها الاجتماعي بوصفها كياناً جامعاً، فهذا المقصد لا يُستفاد من نصّ واحد بعينه، بل يُستقرأ من مجموع التشريع الإسلامي الذي ربط بين وحدة الجماعة، وصيانة الدين، وحفظ العمران، ومنع أسباب الهلاك العام، ومن ثمّ، فإنّ كل مسار ينتهي إلى تفكيك الاجتماع، وتمزيق الدولة، وإلغاء المجال العام المشترك، يكون مناقضاً لروح الشريعة، ولو تزيّا ببعض الشعارات الجزئية.

ويظهر أثر التفتيت بجلاء في ضربه المتزامن لعدد من الضروريات؛ فهو يهدد حفظ الدين عبر تفتيت المرجعية وتمزيق المجال القيمي، ويستنزف حفظ النفس بحروب داخلية ممتدة تُدار بلا أفق، ويقوّض حفظ المال حين تتحوّل الثروات إلى وقود صراع أو غنائم نزاع، كما يعتدي على حفظ العقل بإشاعة التطييف، والتجييش الأعمى، وتطبيع خطاب الكراهية والانقسام.

حين تتفكك الدولة لا ينهار البناء السياسي وحده بل يتصدّع المجال الحيوي للأمة فتتبعثر الروابط الجامعة

ومن هنا، يقتضي الميزان المقاصدي التفريق الصارم بين المعارضة الإصلاحية المشروعة، التي تسعى إلى تصحيح المسار داخل الإطار الجامع، والمشاركة –الواعية أو غير الواعية– في مسارات التفتيت، التي تنتهي إلى هدم الكيان نفسه، فالأولى من مقتضيات الأمر بالمعروف وحفظ الأمة، أما الثانية فإعانة على إفساد عام، وإن لبست لبوس المطالب الجزئية، أو الشعارات العادلة في ظاهرها.

من المسؤول شرعاً؟ بين الفاعل المباشر والممهِّد والمتواطئ

يقتضي النظر الشرعي في ظاهرة التفتيت تجاوز الثنائية المريحة التي تُحمِّل الخارج وحده كامل المسؤولية، وتُبرِّئ الداخل برمّته من أي تبعة؛ فالمسؤولية في ميزان الشريعة لا تنحصر في الفاعل المباشر الذي يطلق الرصاصة أو يشعل المواجهة، بل تمتدّ إلى كل من مهّد، أو سوَّغ، أو وفّر الغطاء الذي جعل التفتيت ممكناً ومقبولاً، فالإثم هنا ليس فعلاً لحظياً، وإنما مسار تراكمي تتوزع أدواره بين أطراف متعددة، يلتقي بعضها عند النتيجة وإن اختلفت الدوافع.

وتبرز في هذا السياق خطورة بعض النخب السياسية والفكرية والإعلامية التي تُغذّي الانقسام، وتعيد إنتاجه في الوعي العام، إمّا بتأصيله دينياً عبر فتاوى مجتزأة أو خطابات إقصائية، وإمّا بتسويغه حقوقياً تحت عناوين انتقائية تعزل الجزئي عن الكلي، وتفصل المطلب المشروع عن مآلاته المدمّرة، فحين يتحوّل الخلاف إلى هوية، والنزاع إلى سردية، يصبح التفتيت خياراً متدرّجاً لا حادثة طارئة.

ومن هنا، يستحضر الميزان الشرعي مفهوم (وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) (المائدة: 2) في بعده المقاصدي الواسع؛ فالإعانة لا تكون بالفعل وحده، بل بالكلمة، والتبرير، والصمت المضلِّل، وتوفير الغطاء المعنوي لمسارات الهدم، وكل مشاركة –مباشرة أو غير مباشرة– تُسهم في تمزيق الاجتماع، وتسهيل التدخل الخارجي، تَدخُل في دائرة المسؤولية الشرعية، بقدر أثرها في تعجيل الفشل وإضاعة المقاصد العامة للأمة.

التفتيت ليس فشل دولة فقط بل إهدار أمة ورسالة

يميل الخطاب السياسي المعاصر إلى حصر التفتيت في كونه إخفاقاً لدولة بعينها أو انهياراً لنظام محدّد، غير أنّ المنظور الشرعي أوسع من هذا التوصيف الضيّق؛ إذ ينظر إلى الدولة لا بوصفها صنماً سياسياً يُدافَع عنه لذاته، ولا مجرّد جهاز إداري قابل للاستبدال، بل باعتبارها وعاءً مقاصدياً تُصان من خلاله وحدة الجماعة، وتُدار به شؤون الدين والحياة، وتُحفظ به المصالح العامة، ومن ثمّ، فإنّ انهيار هذا الوعاء لا يعني سقوط سلطة فحسب، بل تفكك الإطار الذي تنتظم فيه الأمة وتُمارس فيه رسالتها.

وحين تتفكك الدولة، لا ينهار البناء السياسي وحده، بل يتصدّع المجال الحيوي للأمة؛ فتتبعثر الروابط الجامعة، وتضيع الأولويات المشتركة، وتُفتح المساحات أمام الولاءات الجزئية والهويات المتصارعة، وفي هذا السياق، يتحوّل التفتيت من مأساة محلية إلى أزمة أُمِّيَة، تتجاوز حدود الجغرافيا لتصيب منظومة الأمن، والاقتصاد، والثقافة، والوعي العام في محيط أوسع.

إنقاذ الأوطان لا يكون بإلغاء الخلاف ولا بقمع التنوّع وإنما بضبط الخلاف داخل الإطار العام الجامع

والأخطر من ذلك، أن التفتيت، متى تحقّق في بلد ما، لا يبقى حدثاً استثنائياً، بل يتحوّل إلى سابقة قابلة للتكرار، ونموذج يُستنسخ بآليات متشابهة في بيئات مختلفة، فحين تُكسر حرمة الكيان، ويُطبّع مع تمزيق الدولة، يغدو كل بلد مرشّحاً للدور نفسه متى توفّرت شروط الإضعاف والتنازع، وتنتقل العدوى من حالة إلى أخرى في غياب وعي جامع يحول دون استنساخ المأساة.

الاعتصام اليوم فريضةُ وعي لا مجرد نداء وحدة

يَخْلُصُ النظر المقاصدي في واقع التفتيت المعاصر إلى أنّ الاعتصام اليوم لم يعد مجرّد شعار وحدوي يُرفع عند الأزمات، ولا نداء أخلاقياً يُستدعى في مواسم الخطاب، بل غدا فريضة وعيٍ مركّب، تتقدّم فيها البصيرة على التحالفات، والمنهج على الاصطفافات، والمقاصد على الشعارات، فالاعتصام الحقّ يبدأ بإدراك طبيعة الصراع، وتمييز الاختلاف المشروع من التنازع المدمِّر، وفهم السنن التي تحكم صعود الأمم وسقوطها، قبل الانتقال إلى أي صيغ عملية أو ترتيبات سياسية.

ومن هذا المنطلق، فإنّ التنازع الذي يُدار خارجياً –ولو رُفع له غطاء داخلي أو زُيّن بشعارات مطلبية– يأخذ حكمه الشرعي من مآلاته، لا من لافتاته؛ إذ إنّ كل مسار ينتهي إلى إضعاف الداخل، واستدعاء التدخل، وتمكين مشاريع التفتيت، يقع في دائرة التحريم المقاصدي، لما يفضي إليه من فشل عام وإهدار للمصالح الكلية، فلا عبرة بخطاب يطالب بالحقّ، إذا كان مساره يهدم الكيان الذي تُصان فيه الحقوق.

وإنّ إنقاذ الأوطان، في الميزان الشرعي، لا يكون بإلغاء الخلاف ولا بقمع التنوّع، وإنما بضبط الخلاف داخل الإطار الجامع، وردّه إلى مقاصد الشريعة في حفظ الأمة، وصيانة الاجتماع، وحفظ الأمن الاجتماعي، ومنع الانزلاق إلى مسارات التمزّق والضياع؛ فحيث يُدار الخلاف بوعي مقاصدي، يتحوّل من معول هدم إلى أداة إصلاح، وحيث يُفقد هذا الوعي، يغدو الخلافُ نفسه بوابة التفتيت مهما حسُنت النيّات.

اقرأ أيضاً:

تفتيت الدول العربية والإسلامية.. من سايكس- بيكو.. إلى أمريكا

ما يجري في السودان جزء من مؤامرة كبرى

الرابط المختصر :

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة