مقدسات فلسطين.. ذاكرة أمة وأمانة أجيال
ليست أخطر
الأخبار تلك التي تحمل أكبر الأرقام، بل تلك التي تكشف، إذا وضعت إلى جوار بعضها،
صورة لم نكن نراها ونحن نقرأ كل خبر منفردًا، ففي الوقت الذي تتواصل فيه
الاقتحاماتُ والطقوس في المسجد الأقصى، أُغلق الحرم الإبراهيمي أمام المصلين
الفلسطينيين، ودخله مستوطنون، واقتحمه وزيرُ الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن
غفير، وقبل ذلك بيوم كان بن غفير نفسه قد دخل المسجد الأقصى.
هذه وقائع موثقة
في 28 و29 سبتمبر 2026، لكن قيمتها بالنسبة إلينا ليست في إضافة خبر جديد إلى سجل
طويل من الأخبار، وإنما في السؤال الذي تفرضه: هل ما زال من الصواب أن نفهم كلَّ
مقدس مهدد وحده، وكل واقعة في زمنها، ثم ننتظر الواقعة التالية لنبدأ الوعي من
الصفر؟
لعل الوقت قد
حان للانتقال من فقه الحادثة إلى فقه الأمانة؛ من متابعة ما وقع اليوم إلى بناء
وعي طويل النفس بما ائتُمنتْ عليه الأمة، ومن الانفعال بكل اقتحام إلى امتلاك تصور
متكامل للمقدسات: منزلتها، وتاريخها، وأهلها، ومحيطها، وسبل الوصول إليها،
والتحولات الواقعة فيها، وما يهدد وظائفَها وهويتها؛ فالأمة التي لا تستيقظ على
مقدساتها إلا ساعة الاعتداء عليها تظل محكومةً بتوقيت المعتدي؛ هو يختار اللحظة،
وهي ترد، وهو ينقل المعركة، وهي تنتقل وراءه. أما استعادةُ زمام المبادرة فتبدأ من
تحرير الوعي من أسر الخبر.
مقدسات فلسطين ليست نقاطًا على الخريطة
ليس الأقصى
مسجدًا في القدس فحسب، ولا الحرم الإبراهيمي مسجدًا في الخليل فحسب؛ فالمكان
المقدس في التصور الإسلامي يجمع الجغرافيا بالعقيدة، والعبادةَ بالتاريخ،
والإنسانَ بالعمران، ولذلك لم يقل القرآن عن مسرى رسول الله - صلى الله عليه وسلم
- إنه مكان انتهت إليه رحلة ليلية وحسب، بل قال: (إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا
حَوْلَهُ) (الإسراء: 1)؛ وربط الأرض المقدسة بإبراهيم وذريته وسلسلة
الأنبياء، فقال في إبراهيم ولوط عليهما السلام: (وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي
بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ) (الأنبياء:
71).
ومن هنا يمكن أن
نصوغ مفهومًا نحتاج إليه اليوم: شبكة المقدسات. وليس المقصود به اختراع حكم شرعي
جديد، وإنما طريقة في الوعي: أن نرى المسجد المقدس متصلًا بالمساجد الأخرى،
وبالأرض التي تحيط به، وبالناس الذين يعمرونه، وبالتاريخ الذي صنع مكانته، وبالطرق
والأسواق والأوقاف والمؤسسات التي تحفظ وظيفته، فإذا استُهدف جزء من هذه المنظومة
لم نتعامل معه باعتباره شأنًا موضعيًا صغيرًا، بل قرأناه داخل الصورة الكبرى.
وهنا يكتسب
الحرم الإبراهيمي قيمةً أخرى في وعينا؛ فهو ليس «ملف الخليل» في مقابل «ملف
القدس»، إنه مسجد ارتبط بخليل الرحمن إبراهيم عليه السلام ومدينة عريقة تحمل اسمه،
ومصير ما يقع فيه ينبغي أن يكون حاضرًا في وعي الأمة لا بوصفه خبرًا محليًّا، بل
بوصفه جزءًا من سؤال أوسع: كيف نحفظ الحضور الإسلامي الحي في المقدسات، لا مجرد
أسماء المقدسات في كتب التاريخ؟
الخليل ذاكرة ينبغي أن نتعلم منها
وهنا تظهر فائدة
أخرى لضم الحرم الإبراهيمي إلى التفكير في الأقصى: أن التاريخ يمكن أن يتحول من
مادة للرثاء إلى أداة للإنذار المبكر.
فالحرم
الإبراهيمي يحمل تجربة تاريخية قاسية في إعادة تنظيم المكان والعبادة والوصول بعد
مجزرة 1994 وما أعقبها من ترتيبات قسمت استعمال المكان، وفرضت قيودًا واسعة على
الفلسطينيين؛ ولذلك فإن دراسة تجربته ليست استدعاءً آليًّا للقول إن كل ما وقع
هناك سيقع حتمًا في الأقصى؛ فالمكانان مختلفان في أوضاعهما الدينية والقانونية
والسياسية، لكنها تمنحنا شيئًا أثمن: مختبرًا تاريخيًّا لفهم كيف يمكن أن تتحول
إجراءات توصف بالمؤقتة أو الأمنية إلى بنية طويلة الأمد تعيد تشكيل حياة المقدس
وأهله.
وهذه هي وظيفة
التاريخ التي نحتاج إليها: ألا يخبرنا فقط بما وقع، بل يساعدنا على اكتشاف ما
ينبغي ألا نسمح بتكراره، وقد قرر الإمام الشاطبي قاعدة تصلح منهجًا لهذا النوع من
الوعي حين قال: "النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعًا"، فالعقل
المقاصدي لا يقف أمام الواقعة ويسأل: ما حجمها الآن؟ وإنما يضيف سؤالًا آخر: ماذا
لو استمرت؟ وماذا لو تكررت؟ وأي بنية يمكن أن تنشأ منها؟
من حماية الحجر إلى حماية الوظيفة
وثمة نقلة ثانية
يحتاج إليها وعينا: المقدّس لا يُحمى بحفظ حجاره فقط، وإنما بحفظ وظيفته، فقد يبقى
المسجد قائم الجدران والقباب، لكنّ المصلين يمنعون منه؛ وقد يبقى اسمُه على
الخرائط، لكن الأذان يُقيّد أو يُمنع؛ وقد تبقى أبوابه في مواضعها، لكن أصحاب
الأرض يعجزون عن الوصول إليها، وهنا نفهم عمق قول الله تعالى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ
مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَا) (البقرة:
114)، فالآية جمعت بين المنع والخراب؛ بما يلفت النظر إلى أن تعطيل وظيفة
المسجد وضرب عمارته التعبدية وجه بالغ الخطورة من وجوه الاعتداء عليه.
ومن ثم ينبغي أن
تتغير مؤشراتُنا في متابعة أحوال المقدسات، لا نسأل فقط: هل هُدم شيء؟ بل: هل
يستطيع الناسُ الوصول؟ كم صلاة مُنعت؟ كم مرة عُطل الأذان؟ كيف تغير عدد المصلين؟
ماذا جرى للأوقاف؟ ماذا حدث للأسواق والأحياء المحيطة؟ ما الذي تغير في حرية
الحركة؟ بذلك ننتقل من عدِّ الاعتداءات إلى قياس أثرها في حياة المقدس، وهذا مجال
يمكن أن تتحول فيه النصرة من العاطفة وحدها إلى معرفة مؤسسية منتجة.
نحتاج إلى مرصد للمقدسات لا إلى أرشيف للأخبار
ومن هنا أصل إلى
فكرة عملية أراها جديرة بأن تصبح مشروعًا: لماذا لا تكون لدى الأمة خريطة معرفية
حية للمقدسات المهددة، لا تقتصر على الأقصى والحرم الإبراهيمي، تجمع التاريخ
والوقف والقانون والعمران والتحولات الميدانية والوثائق والصور والشهادات
والإحصاءات؟
نحن نملك آلاف
الأخبار، لكن كثرة الأخبار لا تعني بالضرورة وفرة المعرفة، فالخبر يقول إن مسجدًا
أغلق اليوم؛ أما المعرفة فتخبرك كم مرة أغلق خلال عشر سنوات، وكيف تغيرت مدة
الإغلاق، ومن اتخذ القرار، وما أثره على المصلين، وما السابقة التي استند إليها،
وكيف تطورت القيود من سنة إلى أخرى: الأرشيف يخزن الحوادث؛ أما المرصد فيكشف
الاتجاهات.
وهذه ثغرة يمكن
أن يجتمع عليها علماءُ الشريعة والمؤرخون والقانونيون والمتخصصون في العمارة
والجغرافيا الرقمية والإعلام والبيانات، فتكون لكل مقدس «سيرة حية»: لا نعرف فقط
من بناه ومن عمره، وإنما ماذا يجري له الآن، وكيف يتغير محيطه، وأين تقع نقاط
الخطر، وما الأدوات الممكنة لحفظه.. إن النصرة في عصر البيانات تحتاج إلى ذاكرة لا
تنسى بقدر حاجتها إلى صوت لا يصمت.
من موسمية النصرة إلى دوام الصلة
وهناك تحَوُّلٌ
ثالثٌ أشدُ أهمية: ألا تكون علاقتُنا بالمقدسات موسميةً، كالمواسم التي تُستهدف
فيها، فمن المفارقات المؤلمة أن يكون لدى من يريد تغيير واقع المقدس تقويمٌ سنوي،
وبرامجُ ومؤسساتٌ ودراساتٌ وتمويل وتراكمُ خبرةٍ، بينما يتحول اهتمامُ كثيرٍ منا
إلى موجة ترتفع مع الحدث ثم تنحسر بانحساره، والمقدسات لا يحفظها وعيٌ موسمي؛
لأنها أمانة دائمة.
وقد قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: "لا تُشَدُّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد
الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى"؛ متفق عليه، فصلة الأمة بالأقصى ليست
صلة طوارئ، وإنما صلة عبادة واعتقاد وذاكرة، وهذا المعنى يمكن توسيعه في تربيتنا
العامة: أن يعرف الطفل المقدسات قبل أن يسمع بخبر الاعتداء عليها، وأن يدرس الطالب
تاريخها قبل أن يحتاج إلى الدفاع عن هويتها، وأن يتناولها المنبر والجامعة
والإعلام في أيام الهدوء كما يتناولونها أيام الأزمات؛ فأقوى حماية للمقدس أن يسكن
الوعي قبل أن يحتل شاشة الأخبار.
لكل علمٍ نصيبُه من نصرة المقدسات
وإذا فهمنا
المقدسات باعتبارها أمانة مركبة، اتسعت كذلك أبواب نصرتها، فليست النصرة فعلًا
واحدًا يكرره الجميع؛ يستطيع الفقيه أن يؤصل، والمؤرخ أن يحفظ الذاكرة، والقانوني
أن يوثق الحقوق، والمهندس أن يرصد التحولات العمرانية، وخبير الخرائط أن يوثق تغير
المكان، والإعلامي أن يكسر التعتيم، والمترجم أن يحمل القضية إلى لغات العالم،
والباحث أن يبني قواعد البيانات، والمعلم أن ينقل المعرفة إلى جيل جديد.
وهنا يتحول
السؤال من العبارة العامة: ماذا نستطيع أن نفعل؟ إلى سؤال أكثر إنتاجًا: ماذا
يستطيع تخصصي أن يقدم؟ وهذه نقلة ضرورية؛ لأن القضايا الكبرى تضعف حين تتحول إلى
مسؤولية الجميع بمعنى أنها ليست مسؤولية أحد على وجه التحديد، وتقوى حين تتحول
الأمانة العامة إلى وظائف متخصصة قابلة للإنجاز والقياس والتراكم.
أن نستعيد زمام الزمن
لعل أعمق ما
ينبغي أن نتعلمه من تزامن ما يجري في القدس والخليل هو ألا نبقى أسرى لتوقيت
الحدث، ليس المطلوب أن ننتظر موسمًا جديدًا لنعيد الكلام نفسه، ولا اقتحامًا
جديدًا لنستخرج البيانات القديمة، ولا إغلاقًا جديدًا لنتذكر أن للمسجد أهلًا حيل
بينهم وبينه.
نحتاج إلى أن
نستعيد زمام الزمن: أن ندرس قبل الحدث، ونوثق أثناءه، ونحلل بعده، ثم نبني على
التحليل عملًا يمتد إلى ما بعد انطفاء الخبر، وهكذا يُصبح كلُّ اعتداء ــ بدل أن
يستنزفنا في دورة متكررة من الصدمة والغضب والنسيان ــ مادة تزيد معرفتنا، وتحسن
أدواتنا، وتوسع دوائر الوعي، وتقوي مؤسساتُ الحفظ والنصرة.
وعندئذٍ فقط
نكون قد انتقلنا من رد الفعل إلى صناعة الفعل، ومن ذاكرة الخبر إلى ذاكرة الأمة،
ومن نصرة المقدسات ساعة الخطر إلى حمل أمانتها في كل حين.
فالأقصى والحرم
الإبراهيمي لا يحتاجان منا أن نحفظ أخبارَ ما يقع لهما فحسب؛ بل أن نفهم من
خلالهما معنى المقدّس نفسه: أن له حجرًا ينبغي أن يُصان، ووظيفةً ينبغي أن تُحفظ،
وأهلًا ينبغي أن يَبقوا، وذاكرةً ينبغي ألا تمحى، وطرقًا ينبغي ألا تُقطع، وحقائقَ
ينبغي ألا تُزوّر، وأجيالًا ينبغي أن تتسلم الأمانة وهي أعرفُ بها وأقدر على حملها
منا.
ولعل هذا هو
المعنى الذي ينبغي أن يبقى بعد أن ينتهي «عيد العرش» وتغادر أخباره العناوين:
المواسم تنتهي، أما الأمانة فلا تنتهي؛ والحادثة تمر، أما الوعي الذي ولد منها
فينبغي أن يبقى، وينمو، ويتحول إلى علم وعمل ومؤسسات.
فليكن سؤالنا
بعد كل خبر عن مقدساتنا، لا: ماذا حدث؟ فقط، بل: ماذا فهمنا؟ وماذا حفظنا؟ وماذا
بنينا؟ وماذا سنفعل قبل أن يأتي الخبر القادم؟
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً