ملفات إبستين.. لماذا يسقط المشاهير في فخ الجنس؟!

مصطفى عاشور

08 فبراير 2026

566

ملفات إبستين.. لماذا يسقط المشاهير في فخ الجنس؟!

«بمجرد السماح بفكرة أن الناس يمكن أن يكونوا سلعاً، فإن كل شيء يتآكل»، عبارة أوردتها الكاتبة والصحفية البريطانية لوبيز بيري في كتابها عن الثورة الجنسية في القرن الحادي والعشرين، تلك الكاتبة التي توصف بالرجعية نظراً لآرائها الرافضة للحرية الجنسية، والانفصال بين الجنس والإنجاب، وتسليع الجنس.

الحقيقة أن الفضائح التي تكشفها الوثائق الأخيرة عما ارتكبه، الملياردير الأمريكي الراحل جيفري إبستين في جزيرته الشيطانية، حيث اتُّهم بالاعتداء الجنسي على 36 قاصراً، يزكم الأنوف، لاعتبارات متعددة، منها أن كثيراً من زوار تلك الجزيرة هم من الطبقة الأولى في عالم السياسة والمال والثراء، وهؤلاء هم الممسكون بمفاتيح التأثير في العالم سياسياً واقتصادياً وإعلامياً وتكنولوجياً.

أغلب زوار جزيرة إبستين من الطبقة الأولى بعالم السياسة والمال والإعلام الممسكين بمفاتيح التأثير في العالم

حالة غضب غربي وأمريكي تجاه جرائم ذلك اليهودي إبستين الذي توفي منتحراً في زنزانته عام 2019م، رغم وجود رفض لتلك الرواية وتزعم أنه نُحر ولم ينتحر، وهناك تساؤلات تطرح نفسها بخصوص تلك الفضائح، التي ما زالت تتكشف، ومنها: هل هذا الغضب ذو دوافع أخلاقية، لإدانة وقوع المشاهير في براثن الجنس، أم أنه غضب ذو دوافع قانونية لوقوع قرائن استغلال لقاصرات وإجبارهن على ممارسة الجنس؟ وهل هناك علاقة بين الشهرة والانفلات الجنسي؟ وهل ما فعله إبستين حالة شاذة، أم أنه شيء متكرر في التجربة العلمانية المادية؟

المشاهير والجنس

في البداية، هناك ملاحظتان؛ الأولى: وهي أن الكثير ممن أدينوا بانتهاكات جنسية كبيرة في المجتمع الغربي في العقد الأخير كانت غالبية ضحاياهم من القاصرات والأطفال، والثانية: أن جزءاً كبيراً من هؤلاء المدانين أو الذين اتهموا باعتداءات جنسية كانوا كباراً في السن، وأن جزءاً منهم كان نتاج ما سمي بـ«الثورة الجنسية» في الستينيات من القرن الماضي.

معظم الذين اتُّهموا باعتداءات جنسية كانوا كباراً في السن ونتاج ما سمي بـ«الثورة الجنسية» في الستينيات

والمعروف أن تلك الثورة تحدت الأعراف والتقاليد والقيم الخاصة بالجنس في المجتمع الغربي، وكان شعارها التحرر الجنسي، والقبول بعلاقات جنسية خارج إطار الزواج، وتشجيع الشذوذ، وجاء ذلك مع انتشار حبوب منع الحمل، وهو ما فصل نسبياً الجنس عن الإنجاب، وكذلك شيوع التعري العلني، وكل أشكال الجنس غير المألوفة، مع إقرار بعض الدول لتشريعات الإجهاض.

ومن ثم حدث تغير جذري في مفهوم الجنس في العقل الغربي، وتحول ليكون شيئاً مقبولاً وطبيعياً، فزالت وصمة العار عن الجنس، وتحول الجنس إلى عملية تجارية، وأصبحت النساء اللاتي يمارسن الدعارة يوصفن بأنهن «عاملات جنس»، وتأسست في تلك الفترة في الولايات المتحدة منظمة «كويوت» (COYOTE) عام 1973م، وهي منظمة تُعنى بحقوق العاملات في الجنس، وعملت على إلغاء القوانين التي تُجرم الدعارة، وكان النهج حينها إزالة وصمة العار عن الجنس التجاري، وكان الشعار المرفوع «تخلوا عن أخلاقكم القديمة البالية».

طغت الروح الجنسية لدى الشباب الصغير في تلك الفترة، الذي تحول مع مرور السنين ليكون هو قوام النخبة في المجتمع الغربي، وهؤلاء كان الجنس لهم أشبه بالنار التي لا تخمد ولا تنطفئ، وكانت شهرتهم ستاراً لممارستهم المنحرفة وانتهاكاتهم المروعة، كما أن شهرتهم سهلت لهم الاقتراب من ضحاياهم.

ومن أبرز مشاهير الذين أدينوا بانتهاكات جنسية، وهم منتشرون في كافة المجالات والأنشطة الفنية والرياضية والسياسية:

1- مايكل جاكسون: المغني الشهير حيث اتهم بارتكاب جرائم جنسية ضد الأطفال والقصّر عام 2002م.

2- جيمي سافيل: أحد أكثر البريطانيين اعتداء جنسياً (توفي عام 2011م)، وهو مذيع وإعلامي بريطاني شهير، واتهم بعد وفاته بعشرات الاعتداءات الجنسية على الأطفال والقصّر والنساء، وقدرت عدد ضحاياها بأكثر 300 ضحية، حتى إنه تستر وراء الأعمال الخيرية، وهو ما أتاح له الاعتداء الجنسي على موظفي ومرضى مستشفى للأمراض النفسية طيلة عقود، وقُدم ضده 450 بلاغاً، ومن بين ضحاياه 28 طفلاً أعمارهم تقل عن 10 سنوات، وأكثر من 63 فتاة قاصراً، وكان 75% من ضحاياه من القاصرات.

الكثير من المشاهير بالمجتمع الغربي ساهموا في إرساء ثقافة الانحلال وخلخلة الأسس التقليدية للنظام الأخلاقي

3- رولف هاريس: المغني والكاتب والموسيقي والمذيع الأسترالي الذي توفي عام 2023م، عن 93 عاماً، بعد إدانته بالكثير من جرائم الاعتداء الجنسي، منها 12 اعتداء ثبتت أدلتها، والذي قضى 50 عاماً كنجم تلفزيوني شهير في برامج الأطفال، وكان قد سجن 5 سنوات ثم أطلق سراحه عام 2017م، لكنه لم يعتذر لضحاياه، وصفته الشرطة بأنه «منحرف وشرير»، وقال له القاضي: «لم تُبدِ أي ندم على جرائمك على الإطلاق!».

4- ماكس كليفورد: أحد كبار خبراء الدعاية البريطانيين، توفي عام 2017م، اتهم بـ8 اعتداءات جنسية على قصّر لا تتجاوز أعمارهم 15 عاماً.

5- غاري غليتر: المغني البريطاني الشهير، الذي حكم عليه بالسجن 16 عاماً بتهم اعتداء على فتيات قاصرات.

6- بيل كوسبي: الممثل الكوميدي الأمريكي الشهير البالغ من العمر 89 عاماً، وجهت إليه عشرات الاتهامات بالاعتداءات الجنسية.

ولكن لماذا يرتكب هؤلاء المشاهير تلك الاعتداءات الجنسية؟ إن كثيراً من المشاهير في المجتمع الغربي منذ الستينيات ساهموا في إرساء ثقافة الانحلال، وساهموا في خلخلة وتدهور الأسس التقليدية للنظام الاجتماعي والأخلاقي.

ويلاحظ أن نمط حياة المشاهير رسم صورة ذهنية لهؤلاء بأنهم ذوو نشاط جنسي مفرط، وأن هذا الانحلال مقبول في بعض الأوساط وبخاصة في الوسط الفني؛ ولذا، فإن الشخص عندما يضع قدمه على أعتاب الشهرة يظن أن الجنس جزء أساسي من مكوناتها، نضف إلى ذلك أن هناك هوساً جماهيرياً بمتابعة أخبار المشاهير الجنسية وانحرافاتهم، من الأسباب كذلك:

1- قلة الموانع: المشاهير لهم سلطان ونفوذ كبير، ولديهم القدرة للوصول لضحاياهم واستغلالهم بسهولة سواء بالابتزاز أو بالمال، فكثير من هؤلاء المشاهير يعانون من توترات نفسية عميقة، ويظن هؤلاء أن الجنس إحدى وسائل التهدئة، وفي أحيان أخرى يظنون أن الإشباع الجنسي بوابة للإبداع والتفرد، وفي أحيان أخرى يكون السعي للجنس أزمة وجودية ينتفي معها الإحساس بالإشباع من خلال الجنس الطبيعي، فالجنس عندهم أزمة وجودية لن تطفئها الممارسة الطبيعية.

2- طبقة فوق القانون: يظن الكثير من المشاهير أنهم طبقة فوق القانون والمساءلة، وهذه الحصانة تسول لهم الانغماس في تلك الانحرافات، وممارستها بكل بشاعة، ويظن هؤلاء أن بريق الشهرة يوفر لهم حماية، وبالتالي يستغلون نفوذهم للإيقاع بالضحايا، وبخاصة القاصرات.

الملأ.. والمترفون

من الضروري أن نشير إلى مفهومين في القرآن الكريم قد يساهمان في فهم أزمة الانحرافات الجنسية التي أثارتها «وثائق إبستين»، وهما مفهوم «الملأ»، ومفهوم «المترفين».

1- «الملأ»: مصطلح تكرر في القرآن الكريم 22 مرة، جاء أغلب استخدامه القرآني في أشراف الناس الذين يملؤون الأعين مهابة إذا حضروا، أو هم «النخبة» بمفهومنا الحديث، هذا المصطلح يشير إلى الجماعة المتغلبة ذات النفوذ والمال والمكانة وذات التأثير في صناعة القرار والمحيطة بالحاكم، وهؤلاء في أغلب الاستخدام القرآني كانوا معاندين لدعوات الأنبياء، وهؤلاء طبقة عنيدة مستكبرة منغمسة في الترف والشهوات، وهو ما يصعب انقيادها للحق.

قطب: المترفون إذا لم يجدوا من يضرب على أيديهم عاثوا في الأرض فساداً ونشروا الفاحشة في الأمة وأشاعوها

وإذا طبقنا مفهوم «الملأ» على إبستين وزواره، نجد أن هذا الملأ هو الذي يمتلك جزءاً كبيراً من ثروة العالم، وقريب من دوائر صنع القرار، ولا تعنيهم القيم والأخلاق، فهم طبقة مستكبرة مستغنية بما عندها تريد تأبيد سيطرتها واستمتاعها، والجنس بانحرافاته وابتزازه على جزيرة إبستين هو ما يحقق لها هذا الوهم والإشباع الزائف.

2- المترفون: وهؤلاء طبقة تحدث عنها القرآن الكريم في سورة «الإسراء» في قوله تعالى: (وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً) (الإسراء: 16)؛ يقول الإمام الفخر الرازي: في تفسيره: أي أكثرنا فسَّاقها.

أما سيد قطب فيقول عن تلك الطبقة المترفة: «والمترفون في كل أمة هم طبقة الكبراء الناعمين الذين يجدون المال ويجدون الخدم ويجدون الراحة، فينعمون بالدعة وبالراحة وبالسيادة، حتى تترهل نفوسهم وتأسن، وترتع في الفسق والمجانة، وتستهتر بالقيم والمقدسات والكرامات، وتلغ في الأعراض والحرمات، وهم إذا لم يجدوا من يضرب على أيديهم عاثوا في الأرض فساداً، ونشروا الفاحشة في الأمة وأشاعوها، وأرخصوا القيم العليا التي لا تعيش الشعوب إلا بها ولها.. ومن ثم تتحلل الأمة وتسترخي».

وهذا ما فعله إبستين!



اقرأ أيضاً:

ملفات إبستين.. مقاربة شرعية

كيف حدَّثنا القرآن عن فضائح «إبستين»؟

ماذا لو كان «إبستين» مسلماً؟! في فضح ازدواجية المعايير

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة