مليشيات الاحتلال في غزة.. مصيرها في ضوء منطق التاريخ
عبر التاريخ، لم يكن الاستعمار يعتمد على
قوته العسكرية وحدها، بل حرص دائمًا على إيجاد أدوات محلية موالية تعمل لصالحه من
داخل المجتمعات التي يحتلها. وقد اتخذت هذه الأدوات أشكالًا متعددة؛ لكن مصيرها
كان السقوط، مهما بدا نفوذها قويًّا في لحظة تاريخية عابرة.
يُعدّ المعلم يعقوب مثالًا بارزًا على
التعاون المحلي مع الاستعمار؛ إذ لعب دورًا مباشرًا في خدمة الاحتلال الفرنسي
بقيادة نابليون بونابرت، ونال دعم قادة الحملة، وكوفئ بتعيينه جنرالًا على رأس
مليشيا قبطية موالية للمحتل. غير أنّ هذه المكانة المصطنعة لم تحمه من المصير
المحتوم؛ فقد نبذه المصريون، وتبرأت منه الكنيسة. وعندما هُزمت الحملة الفرنسية
عام 1801م، هرب مع المحتل، ومات في البحر بعد أيام من الإبحار.
في الجزائر، شكّل الاستعمار الفرنسي
مليشيا الحركيين، الذين خدموا في صفوفه وحاربوا ضدّ المقاومة. وقد قيل إن عددهم
بلغ نحو 200 ألف شخص، انتهى بهم الأمر إلى الهروب مع الجيش الفرنسي. وحتى اليوم،
لا يزال الحركيون وأبناؤهم منبوذين في فرنسا والجزائر معًا. وقد لخّص الجنرال شارل
ديغول مصيرهم بكلمة شهيرة قال فيها: «هؤلاء لعبة التاريخ، مجرد لعبة»، في توصيف
بالغ الدلالة لعاقبة العمالة.
«روابط القرى» وجيش لبنان الجنوبي.. الانهيار أمام الصمود
في الضفة الغربية، أنشأ الاحتلال
الإسرائيلي «روابط القرى» لفرض قيادة بديلة عن منظمة التحرير الفلسطينية، بهدف
تفكيك الحركة الوطنية الفلسطينية، ولا سيما منظمة التحرير (قاطرة المقاومة آنذاك)،
وخلق أدوات محلية تخدم مصالحه السياسية والعسكرية والأمنية.
وفي قرية دورا في الخليل، أسّس مصطفى
دودين أول رابطة قرى عام 1978، ثم جرى تعميم روابط القرى في أنحاء الضفّة الغربية،
وتُوِّجت بتشكيل «اتحاد روابط القرى» عام 1982، ومقرّه في رام الله.
وقد قُدّمت الروابط بواجهة «تنموية»
وخدماتية، ومُنحت صلاحيات وأموالًا وسلاحًا؛ لكن الفلسطينيين واجهوها بالمقاطعة
الشعبية والمقاومة المسلحة، وتعرّض عدد من قادتها للتصفية.
كما كانت الروابط عرضةً للتقلبات
السياسية الإسرائيلية؛ فمع استقالة أريئيل شارون من منصب وزير الدفاع، ومناحم بيغن
من رئاسة الوزراء، فقد مشروع روابط القرى أهمّ السياسيين الإسرائيليين الداعمين
له، حتى تلاشت التجربة بالكامل مع اقتراب الانتفاضة الأولى.
وفي جنوب لبنان، لم يكن مصير «جيش لبنان
الجنوبي» مختلفًا؛ إذ انهار مع انسحاب الاحتلال عام 2000، وهرب أفراده إلى الكيان،
خوفًا من انتقام المقاومة اللبنانية وأهالي الجنوب. وفي عام 2004، أصدر أنطوان لحد
مذكّراته بعنوان «في عين العاصفة: 50 عامًا في خدمة وطني» باللغة العبرية، عبّر
فيها عن غضبه الشديد من انسحاب الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان؛ لأن ذلك أدّى، كما
يقول، إلى «اجتثاث جيش لبنان الجنوبي من أرضه بصورة مذلّة».
الفشل الأمريكي في فيتنام.. برنامج «هاملت» والهروب الكبير
اعتمدت الولايات المتحدة، خلال حرب
فيتنام، على برنامج هاملت الاستراتيجي (1962)، القائم على إنشاء مجتمعات جديدة من
«القرى المحصّنة»، ونقل القرويين إليها بهدف الحدّ من تأثير جبهة التحرير الوطني
المدعومة من فيتنام الشمالية.
وبحسب البرنامج، كان يجب توفير الحماية
والدعم الاقتصادي والمساعدة للفلاحين الريفيين من قبل الحكومة، وبالتالي تعزيز
العلاقات مع حكومة فيتنام الجنوبية، وهو ما كان مأمولًا أن يؤدّي إلى زيادة ولاء
الفلاحين تجاهها. غير أنّ البرنامج لم يأخذ في الاعتبار الديناميكيات الاجتماعية
والثقافية المعقّدة للحياة الريفية الفيتنامية.
وقد نُقِل العديد من القرويين قسرًا، ما
أدّى إلى تعطيل أسلوب حياتهم التقليدي وممارساتهم الزراعية، وأثار هذا الترحيل
القسري استياء السكان، الذين شعروا بالنقمة على حكومة فيتنام الجنوبية وداعميها
الأميركيين، الأمر الذي جعل البرنامج عاملًا معزّزًا للمقاومة بدل إضعافها، لينتهي
بالفشل بحلول منتصف الستينيات.
انتهى تراكمُ إخفاقاتِ الاحتلال الأمريكي
باندحاره عن فيتنام عام 1975؛ فسقطت حكومةُ فيتنام الجنوبية تحت ضربات ثوّار
«الفيت كونغ». وعندها فرّ الآلاف من الفيتناميين المتخابرين، عسكريين ومدنيين، وقد
تعلّقوا بأذيال طائرات الهليكوبتر وطائرات النقل العسكرية، تمامًا كما تكرّر
المشهد لاحقًا في كابول عام 2021. ورغم نجاح عددٍ كبيرٍ منهم في الهروب خارج
فيتنام بطرقهم الخاصة، ونقل نحو مئة ألف لاجئ إلى الولايات المتحدة، فإن آلافًا
غيرهم وقعوا في الأسر لدى «الفيت كونغ»، التي عاملتهم بوصفهم خونة.
أفغانستان.. حين تسقط الأدوات أسرع من مشغليها
بعد هجمات 11 سبتمبر 2001م، وفي ظلّ
التفرد الأمريكي بقيادة النظام الدولي، قررت الولايات المتحدة غزو الشرق الأوسط
والعالم الإسلامي، سعيًا إلى رسم «شرق أوسط جديد» وفق رؤيتها، معتمدةً الغزو
العسكري والهندسة الاجتماعية في أفغانستان والعراق، على أمل تعميم التجربة لاحقًا
على بقية دول المنطقة.
أُزيحت حركة طالبان عن حكم أفغانستان
لمدة عشرين عامًا، وحلّت محلّها أدوات الاحتلال الأمريكي التي جاءت على ظهر
الدبابة الأميركية. وقد وفّرت واشنطن لهذه الحكومة كلّ أشكال الدعم السياسي
والعسكري والمالي، لتكون بديلًا ووكيلًا مستدامًا عنها في حال انسحابها.
ولأن صاحب الأرض أبقى من مُحْتَلِّيه،
فقد رحل الاحتلال وسقطت بسقوطه كل أدواته، بسرعة تدعو للتساؤل: أيهما كان أسرع
سقوطًا، الاحتلال أم أدواته؟ حتى وُصف مشهد الهروب الأميركي من كابول بأنه أسوأ من
نظيره في فيتنام، معلنًا نهاية حقبة الاحتلال الأميركي لأفغانستان بعد عشرين
عامًا.
والمفارقة اللافتة أنّ الحكومة التي
خلّفها الاتحاد السوفييتي في أفغانستان عام 1989 صمدت ثلاث سنوات كاملة، ولم تنتصر
عليها مجموعات المجاهدين إلا بعد تفكك الاتحاد السوفييتي وتوقّف الإمدادات
العسكرية عنها، في حين أنّ الحكومة التي تركتها الولايات المتحدة انهارت واستسلمت
قبل أن تستكمل واشنطن انسحابها العسكري.
«الصحوات» العراقية.. ورقة وظيفية انتهت بالصلاحية
بعد الغزو الأميركي للعراق، وتصاعد حالة
المقاومة في المناطق السنيّة، وتصاعد الحديث عن الورطة الأميركية في «المستنقع»
العراقي، وبروز الصراع الطائفي، استثمرت واشنطن، في نهاية عام 2006، في تشكيل
مليشيات قبلية في محافظة الأنبار عُرفت باسم «أبناء العراق» (الصحوات)، بذريعة
التصدّي للإرهاب وقتال تنظيم القاعدة.
وسرعان ما توسّعت الصحوة إلى صحوات،
عددًا وتسليحًا، بفعل التمويل والتسليح الأميركيين، حتى بلغ عدد أفرادها نحو 72
ألفًا، وفق شهادة الجنرال ديفيد بترايوس، واعتُبرت خيارًا أقلّ كلفة من الخسائر
العسكرية الأميركية. وعلى حدّ تعبير أحد الصحفيين الأميركيين: «نحن نشتري حياة
جنودنا، وسيكون أي ثمن يُدفع لتلك القوات العشائرية أقلّ بكثير من قيمة ما يفجّره
المتمرّدون» (قيمة دبابة أبرامز ستة ملايين دولار).
ساهمت الصحوات في إعادة بسط سيطرة قوات
الاحتلال على عدد من مناطق المواجهة الساخنة، وفي مقدّمتها محافظة الأنبار، عبر
ملاحقة فصائل المقاومة العراقية بمختلف توجّهاتها، مثل كتائب ثورة العشرين، والجيش
الإسلامي، وجيش الراشدين، والنقشبندية، ونفّذت عمليات اغتيال واعتقال واسعة تحت
عنوان «مكافحة الإرهاب». ورافق ذلك خطاب إعلامي مكثّف شيطن المقاومة، وصوّر
التخلّص منها بوصفه حلًّا لمشاكل السنّة في العراق.
وبمجرّد تراجع أنشطة جماعات المقاومة
العراقية، تراجع الدعم الأميركي، وسلّمت واشنطن ملفّ دفع رواتب عناصر الصحوات
لحكومة بغداد مع نهاية عام 2008. وفي المقابل، لاحقت حكومة نوري المالكي قادة
الصحوات، فيما تعرّض آخرون لأعمال انتقامية من تنظيم الدولة الإسلامية. كما دمجت
الحكومة العراقية أقلّ من 20% من عناصر الصحوات في الجيش والشرطة، أو عيّنتهم في
وظائف حكومية هزيلة، لتنتهي التجربة إلى التفكك والتلاشي.
لقد حقّقت هذه الأدوات الوظيفية
للاحتلال، في بعض المحطات، نتائج كبيرة. والمفارقة الأخطر أنّ بعض هذه الحالات
الخيانية، لم تقتصر على مجرد كونها عصابات أو مليشيات، بل تحوّلت من خيانة
فردية أو فئوية إلى حالة مؤسسية وأنظمة حكم، جرى فيها قلب المفاهيم والمعايير،
فصار المتعاون مع العدو هو «الشرعية والممثل للحالة الوطنية»، فيما وُصم المعارض
بالخيانة، في تجسيد واضح لمصطلحات الحديث النبوي: يُخوَّن الأمين، ويُؤتمن الخائن،
ويتكلم الرويبضة، والواقع المعيش يتحدث عن نفس بأبلغ لسان وأوضح بيان. غير أنّ ذلك
كله لا يغيّر من حقيقة أن الاستعمار يعيد إنتاج الأدوات لا النتائج.
والسؤال الذي يفرض نفسه بعد عرض هذه
التجارب الخيانية ومآلاها عبر التاريخ: هل سيتخلف منطق التاريخ مع عملاء الاحتلال
شرق الخط الأصفر؟ وهل سيكون مصيرهم مختلفًا عن أسلافهم؟
يمكن النظر إلى أسباب فشل أو انتهاء
مشاريع الاستعمار السابقة، لاستقراء مصير هذه الميليشيات، إلا أن القاسم المشترك
بينها جميعًا هو افتقادها للشرعية الوطنية، وارتهانها الكامل لقوة الاحتلال،
والتحول إلى أداة قمع داخلية ضد أبناء المجتمع نفسه.
ويمكن إرجاع فشل هذه المشاريع أو
انتهائها إلى الأسباب التالية:
1- تجاهل البنية الاجتماعية والثقافية
للمجتمعات المحتلة.
2- المقاطعة الشعبية والمقاومة المسلحة.
3- تخلي الاحتلال عن أدواته عند انتهاء
الحاجة الوظيفية إليها، وتركها تواجه مصيرها.
4- تبدّل أولويات قيادات الاحتلال نفسه.
5- فساد أدوات الاحتلال، وهو فسادٌ
بنيويٌّ ووظيفيّ، لا يمكن مقارنته بأيّ خلل أو فسادٍ داخل الأطر الوطنية، مهما بلغ
حجمه.
مليشيات غزة اليوم.. قراءة في مقومات الانهيار
ولا يُبشّر استقراء التاريخ بنهاية «أكثر
حظًا» لمليشيات الاحتلال شرق الخط الأصفر، ليس فقط لأن كثيرًا ممن صاروا أدوات
للاحتلال انتهت قصصهم بالخزي والسقوط، بل لأن نماذج سابقة كانت تملك من مقومات
البقاء أكثر منها بكثير. فـ«روابط القرى» كانت أداة إدارية يقودها مصطفى دودين،
الذي كان وزيرًا للشؤون الاجتماعيّة الأردنيّة، وسفيرًا لعمان في الكويت،
و"جيش الأحد" كان ذراعًا عسكرية، و«الصحوات العراقية» انطلقت بمباركة
شيوخ العشائر السنية، كما أنّ حكومة فيتنام الجنوبية، وحكومتي كرزاي وغني في
أفغانستان، مثّلت أنظمة حكم مكتملة الأركان. في حين أنّ المليشيات الحالية ليست
سوى خلايا أمنية، يقودها لصوص وعملاء وتجار مخدرات، بلا أي شرعية وطنية.
ومما يجعل قياس تجربة هذه المليشيات على
صحوات العراق قياسًا مع الفارق -على حد اصطلاح الفقهاء- أن فصائل المقاومة متجذّرة
في المجتمع، تحمل العادات والتقاليد المجتمعيّة نفسها، فهي ليست وافدة من الخارج،
تسعى لفرض عادات أو ثقافة وافدة من مناطق أخرى. إضافة لذلك، فإن بوصلتها واضحة
تجاه المحتل، ولا تسعى لاحتكار العمل المقاوم، بخلاف تنظيم الدولة الإسلامية، كما
لا توجد في فلسطين مساحة للمفاضلة بين عدوين والانحياز لأحدهما ضدّ الآخر،
فالاحتلال عدو للشعب الفلسطيني.
كذلك، فإن الثقافة السائدة في بلادنا، هي
تخوين من يتعاون مع المحتل، ونبذه، وصولًا إلى تصفيته. ناهيك عن تقلّب السياسة
الإسرائيلية، التي اعتادت التخلّي عن أدواتها عند انتفاء الحاجة إليها، كما حدث في
تجربتي "روابط القرى" و"جيش لبنان الجنوبي" (اختراع الإدارة:
ما الذي تحاول "إسرائيل" فعله في غزّة؟ لأحمد مولانا).
كل ذلك يقود إلى خلاصة مفادها: إن
محاولات استنساخ تجربة «الصحوات» أو ما شابهها في غزة تصطدم بتحديات بنيوية عميقة،
تُرجِّح الحكم عليها بالفشل.
وفي المحصلة، فإن هؤلاء العملاء -في أحسن
أحوالهم- محكومون بأحد احتمالين: نجاحٌ مؤقّت يعقبه تخلّي الاحتلال عنهم كورقةٍ
محروقة، أو فشلٌ مبكّر قبل بلوغ الأهداف؛ وفي كلا الحالين، فمآلهم واحد: السقوط في
وادٍ سحيق في الدنيا قبل الآخرة.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً