هل تحل منصات الذكاء الاصطناعي محل مجامع الفتوى؟
في 12 و13 أغسطس
الماضي، احتضنت القاهرة «المؤتمر العالمي العاشر للإفتاء»، تحت عنوان «صناعة
المفتي الرشيد في عصر الذكاء الاصطناعي»، الذي نظّمته دار الإفتاء المصرية، والأمانة
العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم؛ لمناقشة مستقبل صناعة الإفتاء في ظل الثورة
التقنية وتحديات الذكاء الاصطناعي.
وقد صدر عن
المؤتمر «وثيقة القاهرة»، كأول ميثاق شرعي وأخلاقي لاستخدام الذكاء الاصطناعي في
الفتوى، والمحددات والأطر التي يعمل المفتي من خلالها، والضوابط التي يجب على
مستخدم الذكاء الاصطناعي أن يراعيها، سواء ضمانات مهنية أو أخلاقية أو تشريعية؛
للحفاظ على الدقة العلمية والمنهجية من خلال المزاوجة بين العنصر البشري والتقنيات
الحديثة.
ضرورة ملحة
والحقيقة أن هذه
الوثيقة فتحت الباب واسعًا لمناقشة هذه القضية المستحدثة، والمعقدة في الوقت ذاته،
بعد التحوّل اللافت بشأن تراجع أعداد طالبي الفتوى من مراجعها البشرية التقليدية،
والحصول عليها من منصّات «الذكاء الاصطناعي»، بشكل ميسر وخال من التعقيد أو الإحراج،
فضلًا عن توافر الخدمة على مدار الساعة.
هذا للمستفتي،
أما بالنسبة للمفتي فيستخدمها كمرجع سريع للآراء والأدلة، والترجمة والتعريب،
وكقاعدة بيانات ضخمة تسهّل له تنظيم وتحديث معلوماته الشرعية، كما تمنح فتواه
زيادة الوصول والانتشار.
ولهذا، اعتبر
عدد من «مجامع الفتوى» الذكاء الاصطناعي ضرورة ملحة، كأداة مساعدة للمفتي؛ لمواكبة
التطور التكنولوجي الحديث، في عالم تتسارع فيه الأحداث وتضيق أوقات الإنسان
المعاصر، ومراعاة لأسلوب الجيل الرقمي الجديد، الذي اعتاد البحث الفوري عن
الإجابات الموجزة عبر محركات البحث ووسائل التواصل الاجتماعي.
الفتوى الرقمية
الفتوى، في علم
أصول الفقه، ليست مجرد نصوص أو أحكام جاهزة، بل هي إخبار عن حكم الله تعالى في
واقعة من الوقائع؛ ما يتطلب: فهم السياق، ومراعاة مقاصد الشريعة، وحساب نتائج
الفتوى على المستفتي والمجتمع، وهو ما يتطلب عقلًا مدربًا وروحًا يقظة، لا مجرد
استدعاء أحكام معلّبة.
وهناك أيضًا
البُعد النفسي والأخلاقي للفتوى، وهو ما لا يتوافر في «الفتوى الرقمية»، التي
يحوّلها «الذكاء الاصطناعي» من فعل إنساني إلى مجرد خدمة معلوماتية.
ولأن للإفتاء
مقامًا عظيمًا في الشرع، باعتباره مقام التوقيع عن الله تعالى، ولأنه لا يجوز لأي
أحد الإفتاء في دين الله إلا بشروط حدّدها علماء الأمة؛ فإن هناك اتفاقًا على عدم
جواز إحلال تطبيقات الذكاء الاصطناعي في مجال الفتوى الشرعية محل المفتين
البشريين، لأسباب عدة، منها:
1- أنها لا
تضاهي المرونة الذهنية، والقدرات التحليلية، التي يتمتع بها المفتي البشري، وذلك
لاختلاف الفتوى بحسب المكان والزمان، وظروف كل حالة على حدة.
2- المفتي
البشري يعتمد في فتواه على ورعه، وفهمه للواقع، وموازنة المصالح والمفاسد، والذكاء
الاصطناعي مهما بلغ من تطور لا يمكنه استيعاب ذلك، ولا قراءة نية المستفتي.
3- الخوارزميات
لا تتحمل نتائج الفتوى، وما يشكّله ذلك من افتقاد الأهلية والمصداقية، كما أن
الاعتماد عليها وحدها يفكك المرجعية التقليدية، ويتبنى طرقًا إحصائية رياضية قد
تؤدي إلى إصدار فتاوى غير منضبطة وفوضى فكرية.
أخطار شرعية
وفضلًا عما سبق،
فإن الاعتماد على منصّات «الذكاء الاصطناعي» في الفتوى، يحمل أخطارًا عدة، منها:
1- جهالة
المصدر: فالذكاء الاصطناعي يجيب حسب المصادر المتوفرة له على الشبكة العنكبوتية،
على اختلاف توجهاتها، وربما كانت مصادر غير إسلامية، أو معادية، فهو مقلِّدٌ أعمى
ينقل كل ما يصادفه.
2- الانحياز
البرمجي: إذ تعتمد هذه التطبيقات على أكثر المعلومات تداولًا على الشبكة، بغض
النظر عن صحتها؛ ما يكرّس فتاوى خاطئة، ظاهرها الدقة والموضوعية، وهي في الحقيقة
مختلقة لا أصل لها.
3- إساءة توظيف
التقنية: إذ يمكن تغذيتها بمحتوى مغلوط أو متحيز؛ لتشويه صورة الإسلام، عبر
التزييف العميق للأفكار، وللشخصيات الإسلامية، وأحداث التاريخ والسيرة.. إلخ.
4- غياب روح
الشريعة وإدراكاتها المقاصدية: حيث يعتمد «الذكاء الاصطناعي» على البيانات
والأنماط اللغوية، وبشكل سطحي، دون الفهم العميق للغايات الشرعية ومقاصدها.
أداة مساعدة للمفتي والمستفتي
يظل «الذكاء
الاصطناعي» وسيلة داعمة تحسّن البحث والفهم والتواصل بين المفتي والمستفتي، وأداة
مساعدة تكمِّل العقل البشري، لا بديل عنه، فهو لا يفتي، ولا يتحمَّل مسؤولية الحكم
الشرعي، أما المرجع النهائي فهو العالِم المؤهل، القادر على الاجتهاد والتنزيل على
الواقع، ويمكن أن يستفيد المستفتي من منصات الذكاء الاصطناعي في فهم أصل المسألة
ومصطلحاتها، وتوضيح المسائل المعقدة، وتوسيع دائرة فهمه حولها، ويمكنه الاستفادة
منها في مراجعة روابط الفتاوى المعتمَدة.
ويمكن أن يكون
«الذكاء الاصطناعي» أداة مساعدة للمفتين في مراحل الفتوى الأولية، كالوصول إلى
المصادر، والجمع والتصنيف والتحليل والتوثيق، والتحقق من الضوابط والقيود، ومعالجة
اللغة، ويمكنه تقديم اقتراحات أولية للمفتي قبل إصدار الفتوى، التي يجب أن تتواكب
مع نمط حياة المستفتين، وخاصة الفئات الشابَّة منهم.
مصداقية الفتاوى
العلاقة بين
«الذكاء الاصطناعي» و«مجامع الفتوى» ليست صراعًا بين الإنسان والآلة، بل فرصة
لإعادة تعريف الطريقة التي تقدّم بها الفتوى في العصر الرقمي، والتكامل أن يظل
المفتون البشريون هم أصحاب القرار والمسؤولية الشرعية، بينما يظل «الذكاء
الاصطناعي» أداة تقنية مساعدة تقدِّم الدعم في جمع المعلومات، وتحليل النصوص،
وتسريع الوصول إلى المعرفة، لتقديم فتوى متوافقة مع الشريعة الإسلامية، مناسبة
لتحديات العصر الرقمي.
وعليه، يجب على
المجامع أن تقوم بواجبها كضابط لمصداقية الفتاوى، وسلطة شرعية لها القدرة على
مكافحة ظاهرة الفتاوى العشوائية والمضللة، ويجب عليها تطوير حضورها الرقمي، بإتاحة
منصات رقمية رسمية تتيح للمستفتين الوصول إلى الفتاوى الموثوقة بسهولة، وعليها
تعليم وتدريب مفتيها في بيئة رقمية، بضوابط شرعية وأخلاقية واضحة، وعلى المجامع
مجتمعة تعزيز التعاون فيما بينها في هذا المجال المهم.
اقرأ
أيضاً:
دار الذكاء
الاصطناعي.. فتاوى بلا مُفتٍ!
الإفتاء في الزمن الرقمي
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً