الإنسان والجسد.. نظرات دينية وفلسفية (1)

كيف واجه الإسلام الشهوة الجنسية؟

كيف واجه الإسلام الشهوة الجنسية؟

لن نخالف المفكر الراحل محمد قطب رحمه الله حين جزم في ‏كتابه «الإنسان بين المادية والإسلام» بأن سيغموند فرويد لم ‏يكن سليم القصد حين عزا الأخلاق الإنسانية إلى الغريزة ‏الجنسية، وقال: إنه ما عزاها إلى الغريزة إلا لهدم قداستها في ‏النفوس، ليزول أثرها ككابحة لجماح الإنسان عن السفول إلى ‏حمأة الانحلال، فيسهل استعباده واستحماره لخدمة «شعب ‏الله المختار».‏

لكن تبقى، مما قاله فرويد، دلالة تأبى التجاهل، وهي أن ‏لهذه الغريزة أثراً عظيماً في أخلاق الناس ومسالكهم، ولهذا ‏الأثر الكبير فهي خليقة بأن تكون موضع اعتناء، ولها ‏اعتبارها الكبير عند تناول الأخلاق الإنسانية من حيث ‏تحليلها وتشريحها وبلورة المنهاج الموائم لها.‏

ولقد عني الإسلام بتلك الغريزة أيما عناية، وتناولها كمكون ‏من مكونات الفطرة التي أودعها فيه خالقه، فأقر بوجودها ‏ولم ينكرها؛ (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ) (آل عمران: 14).‏

وهذا الإقرار من الإسلام يرفع عمن يدين به حرجاً عظيماً؛ ‏لأن إنكار وجودها، ولوم الإنسان على مجرد الشعور بها، ‏يخلق كبتاً يخلف قلقاً واضطراباً قد يبلغ حد الداء النفسي ‏المضني لصاحبه، وهو ما حصل لأتباع ديانة قال كثير من ‏كبارها بقذارة تلك الغريزة، وانحطاط من يستجيب لها، ولو ‏بمسلك شرعي محمود كالزواج.

وهذا عين ما قال به فرويد، ‏وقرر أن الكبت المفضي إلى المرض النفسي لا يحصل من ‏قمع الغريزة، بل من استقباحها وإنكار الإحساس بها.‏

وحين أقر ديننا الحنيف بهذه الغريزة، شرع لها مسرباً شرعياً، ‏حرم على أبنائه أن يتجاوزوه؛ فجعل الزواج سُنة فيه محبذة، ‏وحض بنيه عليه، وجعل لهم فيه السكينة والقرار، بل وشرع ‏التعدد لمن ابتلي بشطط في تلك الرغبة، ويسّره، وأمر فيه ‏بالتيسير حتى يقدر عليه العائلون وذوو الفاقة، فبغّض ‏التغالي في المهور، وبارك التيسير فيها.‏

ووضع في حسبانه بعد ذلك، أن طائفة من بنيه قد لا ‏يقدرون عليه رغم كل ذلك التيسير، فحضّ هؤلاء على ما ‏يكسر سورة الشهوات في نفوسهم، من صيام يكون وجاء ‏‏(وقاية)(1) لهم منها ومن قبل ذلك كله، أخذ من التدابير ‏والاحتياطات ما يحول دون تحريك هذه الرغبة وثورانها؛ ففيه ‏عبادات إن أتاها من أتباعه آت؛ أنبتت فيه من الإيمان ما ‏يجعله في عفة وسمو عن التجاوب معها أو الإصغاء لها، ‏وهيأ له من حوله طهارة تعينه على تلك العفة وهذا السمو.‏

فحرم كل ما من شأنه أن يثير الرغبة أو يوقظها من ‏مكمنها؛ فلا اختلاط، ولا خلوة، ولا إظهار للزينة، ولا خضوع ‏في القول، مع غض للبصر، وإقلال من خروج المرأة للعمل ‏إلا لحاجة ذات إلحاح.‏

وبعد كل هذه الاحتياطات، لم يغب عنه أن أتباعه ليسوا ‏سواء؛ فمنهم من يعنو جبينه خضوعاً والتزاماً، ومنهم المعتل ‏ذو القلب المريض، المتجاوز للحدود متى عنت له فرصة ‏للتجاوز، ولمثل هؤلاء شرع العقوبة الرادعة؛ جلداً لغير ‏المحصن، وللمحصن الرجم حتى الموت، وهي عقوبة لها ‏ضرورتها؛ لأن التجاوز من دونها يسهل ويهون، فإنه كما ‏شاع القول: «من أمن العقوبة أساء الأدب».‏

هكذا عالج الإسلام، بحكمة، أخطر ما في هذا الإنسان، ‏والتزم الوسطية في المعالجة؛ فلا هو سحق رغبة جسدية لا ‏حيلة للإنسان في نشوئها، ولا ترك الحبل على الغارب في ‏إنفاذها، بل جعل لها مسلكاً متوازناً يمضي مستقيماً بسالكه ‏بين عوج الإفراط والتفريط.

وقد أثمرت حكمة الإسلام في ‏تلك المعالجة، فتتابعت الأجيال من أمته في سلام نفسي ‏واستقامة في السلوك، حتى ندر في تاريخها من الجرائم ما ‏عجت به تواريخ أمم غيرها، كما سنرى في قادم المكتوبات، ‏إن أذن الكريم ويسر.‏

اقرأ أيضا

الشباب والكبت الجنسي

ماذا عن حق الجنس الحلال

الهوامش
  • 1 كلمة «وجاء» معناها أن تدق عروق الخصيتين ‏حتى تذبل، بهدف قطع الشهوة عند الحيوان، وقد استعمل ‏اللفظ في حديث النبي صلى الله عليه وسلم وأريد منه المعنى المجازي، وهو كسر ‏سورة الشهوة بالصيام.‏
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة