من وحي الحرم الشريف..
من أجل الأمة يتألم الكبار
آمال الأمة
كبيرة وكثيرة كما أن آلامها كبيرة وكثيرة، وقد تشترك الآمال والآلام في مسألة
واحدة في أمور تخص الأمة، وفي أمور تخص الأفراد كذلك فتربية الأبناء، مسألة تشغل
كل من عنده شعور بالمسئولية من ولاة الأمر والمصلحين والآباء والأمهات، ولم لا؟
وأولادنا أكبادنا تمشي على الأرض، وهم الامتداد الحقيقي للإنسان «إذا مات ابن آدم
انقطع عمله إلا من ثلاث منها «ولد صالح يدعو له» والأولاد ملح الأمة ففي الغد يكون
منهم الأمير والخفير والطبيب والمهندس، فإذا صلحوا وهم صغار أصلحوا وهم كبار،
والعكس صحيح فزوال الأمم بزوال أبنائها عن الطريق الصحيح (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى
يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) (الرعد: 11)، ومن هنا يتضح أن الأنبياء
كانوا مصدر أمل لأممهم حين عملوا على تغيير واقعها السيء القبيح إلى واقع صالح
حسن.
من هذه الحقيقة
كان تألم الكبار في الحرم المكي، وفي هذا المكان كان الألم يعتصر قلب إمامنا-
الشيخ سعود بن إبراهيم الشريم- في صلاة الفجر من السابع والعشرين من شهر شعبان حيث
قرأ من سورة هود حتى وصل إلى قوله تعالى: (وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ
ارْكَب مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ {42} قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ
يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاء قَالَ لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِلاَّ
مَن رَّحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ) (هود)، فلم يستطع أن يكمل من شدة بكائه، فقلت في نفسي: وهكذا
الكبار يتألمون حين يرون أجيالاً من هذه الأمة يعصف بها التغريب في أخلاقها وقيمها
وسلوكها ومعاشها ليدفع بهم إلى الفرق على حين يناديهم أهل الإصلاح وينادون الأجيال
معهم: يا أبناءنا اركبوا معنا.
وفي غرة رمضان
يصعد على المنبر لصلاة الجمعة صاحب القلب الكبير الشيخ سعود ليتكلم عن استقبال
رمضان، ويذكر جانبًا من ضياع تربية الأبناء، فيصومون وليس لهم من صيامهم إلا الجوع
والعطش، ثم يطيل في بيان ذلك ليذكر بعد ذلك الركن الكبير في العملية التربوية الأم
فهي مدرسة الأجيال:
الأم مدرسة إذا
أعددتها أعددت شعبًا طيب الأعراق
وبلغة جميلة
يبين مكانة المرأة في العملية التربوية في المجتمع فيقول «المرأة نصف المجتمع وهي
تلد النصف الثاني»، نعم إنها المجتمع ومحضن الأجيال المسلمة، فالمرأة نبع حنان
يفيض، وإذا كان في الرجال من يفيض على غيره بالمودة والرحمة، فإن صاحب الفضل عليه
بعد الله من هذا الخلق العظيم امرأة هي «أمه».. هل ترجع المرأة إلى مهمتها
الأساسية في تربية الأبناء؟ وهي مهيأة لذلك فقد خلقت المرأة لتكون أمًا!
والمتتبع لأقوال
الشهيرات في ميادين التهتك والفجور الذي يسمونه فنًا، هؤلاء كلهن يقلن بعد أن يصلن
إلى سن الأربعين خذوا ما عندنا وأعطونا بيتًا وزوجًا وأبناء وهكذا حنين المرأة
للابن لتمارس معه مهمتها الأساسية «أن تكون أمًا».
وفي ليالي رمضان
بقيامها يقرأ الشيخ سعود حفظه الله من سورة آل عمران فيصل إلى قوله تعالى: (فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ
رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ
الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ
وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) (آل عمران: 36)، وعند هذه
الآية يتأثر الشيخ فيبكي في الآية التي بعدها!
ولِما لا يكون
هذا التأثر وهو يتعلق بالصنف الثاني من أجيال الأمة «البنت»؟
وهكذا تكتمل
المسألة التربوية الأم والأبناء والذكور والإناث، إنها قضية الألم والأمل في أهم
جزء من حياة الإنسان بعد تقوى الله وطاعته وفي هذا الذي ذكرنا شواهد كثيرة نراها
في الحرم، فالآباء من كل بقاع الأرض جاءوا بأولادهم إلى العمرة وأرض الحرم،
وتكلفوا مشقة المال والسفر من أجل أن يطهروا نفوسهم ويأخذوا بأيديهم إلى طاعة
الله، وكذلك الدعاة من كل البلاد اصطحبوا شباب الصحوة حيث القلوب تتعلق بما عند
الله، وكل واحد منهم يريد البناء الإيجابي لهذه الأجيال ولسان حالهم يقول: (إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ
مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّه) (هود: 88).
وهناك في زاوية
في المسجد الحرام رأيت إنسانًا ينظر إلى مئذنة وإلى جموع الطائفين والراكعين
والقائمين والساجين وتدمع عيناه بدموع حارقة، فقربت منه وحاورته عن سبب أحزانه
فقال نحن -المغتربين- خرجنا من ديارنا قهرًا ونحن شباب إلى بلاد الغرب وتعلمنا
واشتغلنا، واكتسبنا الأموال وشاركنا في الحياة فمنا أستاذ الجامعة ومنا التاجر
ومنا صاحب المؤسسة، ولكن هذا لا قيمة له عند مئذنة يراها أولادنا ويتربون تحت
قبتها في مجتمع عربي مسلم ونحن على استعداد لأن نضحي بنصف ما نملك وما نكتسب لنجد
عملاً في بلاد المسلمين والله المستعان.
وهكذا أحبتي
يتألم الكبار، فالتربية هي العاصم بعد الله من الفتن كلها فمع كل الجنسيات التي
كنا نلتقي معها في الحرم كان الطلب الوحيد أن تهتم الحركات الإسلامية بالتربية من
بعد ما غرقت في بحر العمل السياسي والجماهيرية الحماسية، فهذا الصوت تسمعه من
القادمين من تونس الجريحة وليبيا الضائعة والجزائر المحترقة ومن أرض الصومال
المشتتة، وإفريقيا المنهكة، ومن أرض الكنانة مصر ومن أرض الخليج المنفقة، وهكذا
الحرص على التربية في كل وقت ومكان فليس هناك زمن تنتهي فيه الحاجة للتربية.
وهكذا يتألم الكبار إذا ضاعت العملية التربوية وضلت طريقها وهي تبحث عن منهج غير الإسلام الذي يجب الاعتصام بحبله والاستمساك بمنهجه وحده وطرح ما عداه([^1]).
للمزيد:
- إثيوبيا تسعى لفصل جزء جديد من الصومال في الجنوب الغربي
- السقوط المدبَّر.. هندسة التفتيت من التقسيم إلى خرائط الدم.
- كيف تُدار «حروب الوكالة» لتدمير سيادة الدول العربية؟
- مشاريع التفتيت.. قراءة مقاصدية في واقع العالم العربي.
- أرض الصومال على وشك السقوط في المستنقع الصهيوني!
- تفتيت الدول العربية والإسلامية.. من سايكس- بيكو.. إلى أمريكا- بيكو!