من أنفاق البراق إلى الانتخابات.. رسائل نتنياهو في موسم الأعياد
لم تكن الأعياد اليهودية في القدس مجرد مناسبات دينية في حسابات الأحزاب «الإسرائيلية» والمؤسسات
الرسمية وجماعات «الهيكل»، ولكنها تبرز عاماً بعد آخر كأدوات سياسية وأمنية لإعادة
تشكيل المكان والزمان في القدس المحتلة؛ عبر تكثيف الاقتحامات، وتوسيع الدعم
الشرطي، وفرض القيود على وصول الفلسطينيين، وإبراز الرواية التوراتية في الفضاء
العام، ثم تقديم كل ذلك بوصفه تعبيراً عن السيادة «الإسرائيلية» وحرية العبادة.
وفي هذا السياق،
نشر رئيس وزراء دولة الاحتلال بنيامين نتنياهو وزوجته مقاطع لجولته في أنفاق حائط
البراق وأدائه لصلوات «السليخوت» قبيل «يوم الغفران»، قائلاً: سنبقى هنا للأبد،
وبالتأكيد لا يمكن قراءة هذا الحدث كبعد شعائري ولكنها جزء من معادلة خطيرة تجمع
بين الحشد الديني والاقتحامات والطقوس داخل «الأقصى»، والرسالة السياسية التي
يطلقها نتنياهو من الأنفاق التي يؤكد فيها على البعد العملي فوق الأرض وتحتها في
محاولة أيضاً لربط الرواية الدينية بالسيادة الميدانية، كما أن دمج الأعياد
الدينية بالحفريات يساهم في خلق تعبئة سياسية.
نتنياهو في أنفاق البراق.. زيارة محمّلة بالرسائل
استخدم نتنياهو
كلمة البقاء إلى الأبد في القدس في رسالة من داخل الأنفاق لتحويل التواجد في
مناسبة دينية إلى إعلان سياسي يتعلق بالبقاء والسيادة الدائمة على القدس، فضلاً عن
تسييس الحفريات التي كان يتم تقديمها على أنها بهدف تطوير المواقع الأثرية ولكن ما
يحصل هو ربط هذه العملية بالرواية التوراتية التي تخدم فكرة السيادة وتشبع غرائز
المستوطنين.
لعل إرسال
الرسالة من داخل أنفاق تحت حائط البراق رسالة تتعلق بأن مشروع التهويد ليس فوق
الأرض فحسب، بل تحت الأرض أيضاً ويمتد إلى الحفريات.
من جانب آخر،
قام نتنياهو بأداء صلاة «السليخوت» عشية «يوم الغفران»، وهي أدعية يهودية للتوبة
وطلب المغفرة، تُتلى قبيل «يوم الغفران» وفي الأيام السابقة له، غالباً ليلاً أو
قبيل الفجر، أمّا نتنياهو فحوّل مشاركته فيها عند حائط البراق إلى مشهد سياسي رمزي
يربط بين التدين، وادعاء السيادة «الإسرائيلية» على القدس، وحشد ناخبي اليمين قبل
الانتخابات.
وبالطبع، قيام
نتنياهو بنشر مقطع مصور لتوظيف كل هذه المكونات الدينية والسياسية والقومية في
إطار حملة دعائية قبل الانتخابات من جهة، ويبدو للأسف أن نتنياهو تجاوز فكرة
اختبار حدود الرد الدولي والفلسطيني على هذه الأحداث إلى مزيد من الخطوات التي
تشمل دخول وزراء ونواب برلمان إلى «الأقصى» بعدما كان دخول آريل شارون في سبتمبر
2000م كفيلاً بإشعال انتفاضة عارمة وتضامن دولي كبير.
الأعياد اليهودية.. موسم لإعادة تشكيل إيقاع القدس
توظف «إسرائيل»
مواسم الأعياد لتكثيف الاقتحامات والإغلاقات ورفع الحضور الاستيطاني في «الأقصى»
والبلدة القديمة، ولا يقتصر الأمر على زيادة عدد الداخلين، بل يتصل بالسيطرة على
إيقاع المدينة؛ من يدخل ومن يُمنع؟ أي بوابات تبقى مفتوحة؟ متى تتحول ساحات «الأقصى»
إلى مساحة طقوس يهودية؟ وما حجم الانتشار الشرطي الذي يقيّد الفلسطينيين؟
في موسم رأس
السنة العبرية، الذي بدأ في 12 سبتمبر، اقتحم 593 مستوطناً «الأقصى» في جلسات
صباحية ومسائية تحت حماية الشرطة، وفق معطيات محافظة القدس، ورافقت ذلك قيود على
وصول المصلين الفلسطينيين، مع حصر دخولهم في بوابتين وفرض قيود عمرية غير معلنة،
ما أجبر بعضهم على الصلاة عند البوابات، وكلما أصبح الدخول الجماعي تحت الحماية
الأمنية مشهداً اعتيادياً، تحوّل الاستثناء إلى ممارسة منتظمة، وصار التراجع عنه
أكثر كلفة سياسياً على أي حكومة «إسرائيلية» مقبلة.
ما بعد 7 أكتوبر.. القدس في خطاب «المعركة الوجودية»
تبدو خطورة
الموسم الحالي أكبر من المواسم السابقة لأربعة أسباب مترابطة؛ أولاً: لأنه موسم
متصل لا مناسبة واحدة؛ بدأ برأس السنة العبرية، ويستمر مع «يوم الغفران» في 21
سبتمبر، ثم «عيد العرش» من 26 سبتمبر إلى 2 أكتوبر، وينتهي بـ«بهجة التوراة» في 3
أكتوبر، وهذا التتابع يتيح تراكماً سريعاً للاقتحامات والطقوس واختبار ردود الفعل.
ثانياً: لأنه
يقع قبل أقل من 6 أسابيع على انتخابات الكنيست في 27 أكتوبر، وتشير استطلاعات
حديثة إلى تنافس حاد وعدم وجود كتلة قادرة على بلوغ أغلبية 61 مقعداً بسهولة؛ ما
يجعل الأصوات اليمينية الدينية والقومية أكثر أهمية في تشكيل الحكومة المقبلة، وفي
هذا المناخ، يصبح «الأقصى» مادة تعبئة انتخابية وميدان مزايدة بين نتنياهو، وبن
غفير، وبقية مكونات اليمين.
ثالثاً: لأن
مرحلة ما بعد 7 أكتوبر وسّعت حضور خطاب المعركة الوجودية داخل «إسرائيل»، فاليمين
المتطرف يربط الأمن والهوية والقدس في رواية واحدة؛ «إسرائيل» مهددة، والسيادة يجب
أن تُمارس بلا قيود، والحرم جزء من اختبار قوة الدولة، ولا يعني ذلك أن الاقتحامات
تعوض عسكرياً عن إخفاقات الحرب، لكنها تقدم مكسباً رمزياً سريعاً في لحظة يتعذر
فيها تحقيق حسم سياسي وأمني شامل في غزة أو على الجبهات الإقليمية الأخرى.
رابعاً: لأن
مستوى الدعم الشرطي والسياسي للاقتحامات أصبح أكثر علنية، فبن غفير دخل «الأقصى» مراراً
منذ توليه منصبه عام 2023م، وقدرت عدد زياراته بنحو 14 زيارة، في سياق ترافق مع
إغلاقات واسعة وقيود غير مسبوقة على المصلين، بينها إغلاق كامل للمسجد لمدة 40
يوماً.
الأقصى في «مزاد» الانتخابات
تتحول الأعياد،
في ظل اقتراب الانتخابات إلى منصة تعبئة ومزاد سيادي للأحزاب اليمينية، فـ«الأقصى»
يقدم مادة سياسية عالية الرمزية ومنخفضة الكلفة نسبياً في الحسابات الانتخابية
المباشرة؛ صورة وزير داخل الحرم، أو صلاة علنية، أو تصريح عن «الهيكل»، أو إغلاق
بوابات أمام الفلسطينيين، يمكن أن يُقدَّم للناخب اليميني بوصفه دليلاً على الحزم
والدفاع عن الهوية اليهودية.
لكن الكلفة
الحقيقية ليست منخفضة، فالتغيير المتدرج في «الأقصى» يمس أحد أكثر الملفات حساسية
في فلسطين والمنطقة، ويهدد بتفجير مواجهات في القدس والضفة، ويحرج الأردن في دوره
المرتبط بالأوقاف والمقدسات، ويمنح القوى الإقليمية المعادية لـ«إسرائيل» مادة
تعبئة إضافية، كما أنه يقوض أي حديث عن استقرار سياسي أو تسوية مستقبلية في القدس.
ولا ينفصل ذلك
عن مسارات أوسع؛ توسيع الاستيطان في الضفة، وتكثيف القيود على الفلسطينيين،
والخطابات الداعية إلى التهجير أو تغيير التوازن الديموغرافي، لذلك فإن ما يحدث في
«الأقصى» لا ينبغي قراءته كملف ديني منفصل، بل كجزء من سياسة أوسع لإعادة تعريف
السيادة والهوية والوجود الفلسطيني في القدس.
إن الجمع بين
موسم أعياد دينية متصل، وحملة انتخابية شديدة التنافس، وبيئة سياسية «إسرائيلية»
مشبعة بخطاب الأمن والهوية بعد السابع من أكتوبر، يخلق ديناميات أكثر خطورة في
المسجد الأقصى والقدس، فالأعياد لم تعد مجرد مناسبات للعبادة أو الذاكرة، بل تحولت
إلى أدوات منظمة لزيادة الحضور اليهودي، وتطبيع الطقوس، وتوسيع السيطرة الأمنية،
وفرض وقائع تتراكم من موسم إلى آخر، وكل ما سبق يستدعي تحركاً جماعياً حقيقياً
ضاغطاً لمنع تغيير الوقائع في القدس.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً