من أي الأبواب نستثمر شهر رمضان؟

د. مجدي سعيد

22 فبراير 2026

465

من أي الأبواب نستثمر شهر رمضان؟

في شهر رمضان من كل عام يستقبل المسلمون الشهر بتشوق آملين أن يتعرضوا لنفحات الله فيه، من رحمة ومغفرة وعتق من النيران، وقد سألت نفسي بأي نفسية وبأي حال ومن أي باب ندخل هذا الشهر الفضيل؟

في بداية رحلة التزام الإنسان على طريق الله وبعد أن يقطع شوطاً في هذا الطريق، ومع اختلاطه مع غيره ممن هم في الطريق مثله، قد يغفل الإنسان عن أنه في هذه الدنيا مختبر، أو مبتلى بالتعبير القرآني؛ (وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً) (الأنبياء: 35)، وأن استمراره في السير إلى الله لفترة لا معنى له إلا أنه لم يختبر بمادة صعبة عليه بعد، أو أنه ربما مر بهذه المادة لكنه غفل عن أنه يتم اختباره فيها.

وكل منا له بعض المواد التي يكون فيها ضعيفاً جداً، ومواد هو فيها ضعيف، ومواد يكون فيها جيداً، وهكذا، وأنه لا محالة كبني آدم سوف تعثر قدماه هنا أو هناك، مع تقلب الأحوال وتصاريف القدر في حياته، وتنوع أشكال ومواد الامتحانات، فـ«كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون».

ومن ثم فإنه ليس عليه أن يغتر بطاعاته، ولا أن تجعله تلك الطاعات ينظر من علٍ إلى غيره من المؤمنين، الذين ربما يرى من أحوالهم ما يدعوه لذلك الاغترار، فكما جاء في الأثر: «رب معصية أورثت ذلاً وافتقاراً خير من طاعة أورثت عزاً واستكباراً»؛ لذلك فإن أول باب يدخل منه العبد إلى ربه هو باب الافتقار إليه، مصداقاً لمعنى «لا حول ولا قوة إلا بالله»، فكل توفيق في الطاعة من الله، وكل حول له عن المعصية هو من الله، وليس حذقاً أو مهارة منا.

الخطأ الآخر الذي قد يقع فيه الإنسان في بداية التزامه على طريق الله أن يظن أنه سيستطيع ارتقاء السلم إلى الله، ويظن أنه لو ارتقاه فلن يعود إلى الذنب، وأنه سوف يتحصل على التقوى، وعلى الثبات فيها من أول أمره، وأنه سيستطيع الثبات على الدرج، ظاناً أنه إذا ارتقى درجة، لن يعود وينزلها؛ بمعنى أن يظن أن رحلته إلى الله كلها صعود، غافلاً عن أنه «لا يومن لحي فتنة»، فقد تزل قدمه بتقصير أو ذنب حتى بعد أن يذوق حلاوة الدرج الصاعد، وعليه ألا ييأس حينها من إعادة الكرة، مرة تلو المرة.

المداومة على الطاعة

وفي باب العلاقة مع الله والاستثمار في شهر رمضان، يأتي الدوام والمحافظة كأدوات معينة يجب أن يحرص عليه المؤمن؛ والدوام والحفاظ هنا يكون على عدة أشياء:

أولاً: الصلاة المفروضة، وهذه لا تهاون فيها، يضاف عليها ما يستطيع الحفاظ عليه من السنن.

ثانياً: قراءة القرآن أو الاستماع إليه، وهنا لا بد من أن يجعل الإنسان لنفسه ورداً يومياً منه ما يستطيع الحفاظ عليه أيضاً.

ثالثاً: الدعاء فهو العبادة، وهو مخ العبادة، مصداقاً لقولنا كل صلاة: (وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) (الفاتحة: 5)، فلا تجعل حالاً تحتاج فيها إلى عون، أو شيئاً ترجوه أو تخشاه، إلا وتستعين فيه بالله بالدعاء.

رابعاً: الاستغفار؛ فكما مر علينا نحن دائماً نقصر ودائماً نذنب، ثم نستغفر؛ (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً) (نوح: 10).

خامساً: ذكر الله، فقد علمنا النبي صلى الله عليه وسلم لكل حال ذكراً خاصاً، وفي كل صباح، وكل مساء أذكاراً، فاحرص على أن يكون لك من الذكر نصيب، حتى تصبح من «الذاكرين الله كثيراً والذاكرات».

وعليه أن يدرك في كل ذلك أن أساس الإيمان بالله، الثقة به، والثقة به تعني الثقة بصفاته، والثقة تدعو إلى إسلام الإنسان نفسه لربه وخالقه؛ (وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ) (التغابن: 11)، فيربيه إذا قصر أو أذنب، ويربت على قلبه إلى حزن، ويفرح بتوبته إذا تاب أو اجتهد.

المعاملات مع الناس

الباب الثاني الذي تدخل منه إلى الله في رمضان علاقتك مع الخلق من البشر، أو حتى من غيرهم، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الراحمون يرحمهم الرحمن»، ويقول: «من لا يرحم لا يرحم»، ومن مقتضيات تلك الرحمة في سلوكنا التي نرجو بها رحمة الله ألا يكون المؤمن قاسياً، غليظ القلب، وإلا فلتنظر في سورة «الماعون»: (أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ {1} فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ {2} وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ) (الماعون).

وتلك الرحمة التي أودعها الله قلب المؤمن لا تجعله عاقاً لوالديه، ولا قاطعاً لأرحامه، ولا مؤذياً لجاره، ولا ظالماً معتدياً على الأموال والأعراض، وتبلغ به الرحمة مبلغاً أن يرحم الخلائق كلها بما يستطيع، فيسقي كلباً (أو يطعمه) لأنه يدرك أن العطش (أو الجوع) يصيب الكائنات جميعاً، ولا يحبس هرة ليمنعها فلا يطعمها ولا يتركها تأكل من خشاش الأرض، وهكذا.

وهو في كون الله سائر وناظر ومتفكر في عظيم خلق الله، فالله سبحانه يدعوه إلى ذلك بذكره لآياته في السماوات والأرض، وفي الطير، والأنعام، وفي النحل، وفي النمل والعنكبوت، وكل ما أودعه الله في الكون من مخلوقات، فكل كائن في الكون له وظيفة، يتحقق بها التوازن في الكون، وتتحقق به ديمومة الحياة واستدامتها، وعلى الإنسان ألا يخل بهذا الميزان الرباني؛ (أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ {8} وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ) (الرحمن). 



اقرأ أيضاً:

رمضان.. كيف نبدأ؟

خيام الشهوات في رمضان!

تجليات صوم رمضان إيماناً واحتساباً

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة