من الرمضاء إلى الهجير
من الرمضاء إلى الهجير
التفت إلى أبيه،
فراعه ما رآه عليه، فقد غشى سحنته الحزن حتى سكن جفناه عن الطرف، وأسند خده على
كفه في وجوم، تقدم إليه، وعلى مقعد قريب منه جلس، انتبه له، فاعتدل في جلسته،
وتنهد بعمق، ونظر إلى ولده دون أن يتكلم، فسأله عن سر ولهه وحزنه، حدق به قليلًا،
وأجابه: «كأنك تجهل ما بي، فتسألني»، قال: «لست جاهلًا بما أهمك يا أبتي، إنما هو
سؤال المشفق الراثي لحالك ولحالي، وكم وددت ألا يكون منك ما كان حتى لا نجترع
الأسى، مرًّا به القذى يشرق كل شارب».
أسند ظهره إلى
المتكأ، وقال: «يا بني، لا حاجة لي بتثريب لن يزيد النار في صدري إلا أوارًا، فدعه
عنك، فلا نفع فيه»، قال: «هو كما تقول يا أبتاه، إلا أن العاقل يجتر ما كان، لا
لينكأ الجروح، ولكن ليقبس نورًا من العبرة يستضيء به فيما هو آتٍ من صروف الدهر،
وأرى من الواجب علينا أن نقلب النظر فيما جرى، لا أن نشيح عنه في تجاهل.
إنك يا أبتي قد
ضربت الذكر صفحًا عن نصح كنت أسديه إليك، ألا تخلع ابنتك من عصمة الرجل الذي كان
بعلًا لها، ورجوتك أن تتمهل بالأمر، وأن تصبر قليلًا، لكنك أبيت إلا أن تعجل به».
اعتدل، وقال
مجيبًا: «كان رجلًا به وهن، وفيه رعونة تقدح في صلاحيته كزوج لها»، قال له: «أو
ترى الذي زوجتها له من بعده قد سلم من ذلك الوهن وتلك الرعونة؟»
هم أن يجيب،
لكنه أصابه العي، فثقل لسانه، فرد عليه: «إنما هو يتسربل بلباس القوة المزيف،
وينتفش انتفاشة الهر المدعي للمأسدة حين يحدثنا، وحين يحادث الكبراء من عوائل
البلاد يخنس كظبية تستجدي عطف وحش يهم بافتراسها، فهل هذا منه سوى الضعف والوهن؟»
أطرق إلى الأرض،
وتمتم بأنه كان قد بيّت النية أن يسطو على مالها وما نحلته لها من أرض وبيوت، رد
بسؤال: «هل شققت عن قلبه، وأبصرت ما به حتى تحكم حكمك هذا عليه؟»
قال: «ذلك عمل
الله، لا عملنا، لكنها بوادر بدت من فمه، وما يخفي صدره أكبر».
قال: «على أي
حال، لن أجادلك في قول لا يهضمه العقل مني، ولكن أسائلك عن زوجها الثاني: هل سلم
مالها ولا ضياعها من يده؟ فلم يعبث بشيء منها؟».
رفع وجهه، ولم
يجب، فأجابه بأنه قد سطا على مالها حتى أفناه، بل وأدانها بأموال أثقلتها، فنَاءت
بحملها، وليته ارعوى بعدها عن سفهه، بل راح يشري في ضياعها وبيوتها، وهي ترقب ذلك
في صمت أليم، لا حول لها ولا طول، ولا نحن بقادرين على نجدتها.
تململ في جلسته،
ثم حدج ببصره، وضاقت عيناه قليلًا، وعلا صوته مستنكرًا ما يقول ولده، وتساءل: «لم
أنت تستفرغ وسعك في المنافحة عن هذا الرجل؟ أما بان لك منه عيب يفتر عزمتك في
الدفاع؟»، ثم أكمل الكلام، مغلقًا الطريق عليه: «وهب أنه كما تزعم، أما له أهل
وعشيرة كانت بهم نزعة استعلاء واعتداد بالنفس جعلتهم يغمطون من سواهم، حتى ولو
كانوا من الجيرة أو الأقربين؟ أما اجتهدوا في صبغ عوائل البلدة بما يختمر في
رؤوسهم من أفكار بها شطط وغلو مقيت؟».
قال: «هب أنهم
كما تقول يا أبتي، أما ناوأناهم ووقفنا لهم بالمرصاد، بل إننا في حموة الغضب عدونا
كثيرًا عليهم وعلى ديارهم، ولم يمنعهم من بطشنا مانع؟ فهل يقدر أحد اليوم أن يدنو
من ديار عشيرة هذا الرجل؟ وقد أتوا من الشوائن أضعاف ما كان، أنت قد رأيت وقد علمت
مآل من جال بخاطره أن يدنو، فأي الفريقين أهون شرًّا؟».
رد عليه: «لعلك
قد نسيت عشيرة الرجل، وقد كانت غفيرة العدد، وبهم ومنهم كان يتملكنا الفزع، وهم
أداة بطشه المشرعة الكافية لإخراس كل ناطق بفم»، سأله على عجل: «لكن هل أخرسوا
أحدًا؟».
يا أبت، لا
يجرمنك شنآن الرجل على الحيف، لقد انطلقت الألسنة الحداد تنهش فيه وفي قومه، فما
أبقت لهم من عرضهم قيد شبر بغير أذى، واليوم نرى الخرس يلجم الأفواه، فأسلحة عشيرة
هذا الزوج قد تكفلت بهذا الإخراس، وعلا على إثر السكوت صوت التملق والزلفى
الوضيعة.
فيا أبتاه، كن منصفًا، وتحرّ الحق حتى لا تزل قدمك في الخطأ كما زلت فيما سلف».
«يا أبتي، خلاصة
الذي صنعت أنك استجرت بالهجير من الرمضاء، ولو أنك اصطبرت عليها لكان خيرًا لك،
فإنك حين أردت خلع الرجل خلعته، وأنجيت منه ابنتك كما توهمت، لكنك اليوم أراك
عاجزًا، ونحن معك عاجزون عن رفع الضيم والقهر عن ابنتك، ولا أرى غير الله قادرًا
على دفع الضر ورفع الضيم عن تلك المسكينة البائسة».
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً