...

من رصاصة الاغتيال إلى مشنقة الحرية.. أمريكا تنتحر!

الولايات المتحدة الأمريكية، هذه الكلمة التي تُقحم ذاتها في كل جملة اقتصادية أو سياسية وحتى السياق الاجتماعي ذاته لم ينجُ منها، مثلها كمثل قاطع الطريق، لا يهمه من أنت، ولا يكترث بحسن سيرك.. ما دمت تمرّ، فلا بد أن تدفع الثمن.

منذ نشأة الولايات المتحدة الأمريكية وهي تحمل بين طياتها مفارقة غريبة يصعب فهمها، دولة تقود العالم باسم الديمقراطية، وفي الوقت ذاته تحاول بشتى الطرق قمع الحرية داخل أسوارها، دولة تدّعي حمايتها للعالم، رغم أنها أكثر الدول اغتيالًا لرؤسائها!

والآن يتحول المشهد مع دونالد ترمب من اغتيال بالسلاح إلى اغتيال معنوي للمؤسسات، والدستور، والحريات، حتى الحزب الجمهوري تحول من حزب الأفكار، والمؤسسات، والخطاب القومي، والنزعة المحافظة، إلى حزب متمحور حول شخص واحد؛ دونالد ترمب!

أمريكا تحمي العالم لكنها عاجزة عن حماية رؤسائها

توجد 800 قاعدة عسكرية أمريكية في أكثر من 70 دولة حول العالم بحجة حماية هذه الدول من أي طغيان أو اعتداء، وتمتلك أمريكا 5177 رأسًا حربيًا نوويًا، إضافة إلى آلاف الطائرات، وأحدث الأسلحة والذخائر، بل وتصدر السلاح للعالم أجمع، وعلى الرغم من ذلك فإنها أكثر دولة في العالم شهدت اغتيالًا لرؤسائها وهم على كرسي الحكم!

ففي عام 1865م اغتيل الرئيس الأمريكي إبراهام لينكولن في مسرح فورد في العاصمة الأمريكية واشنطن أثناء مشاهدته مسرحية هو وزوجته، حيث تم إطلاق النار عليه ثم مات في اليوم التالي وهو في مطلع ولايته الرئاسية الثانية.

وفي عام 1881م اغتيل الرئيس الأمريكي جيمس غارفيلد في محطة قطار في واشنطن عندما كان في طريقه إلى نيو إنغلاند، وذلك بعدما أطلق عليه تشارلز يوليوس غيتو الرصاص مرتين من مسافة قريبة جدًا.

وفي عام 1901م، اغتيل الرئيس الأمريكي ويليام ماكينلي في بداية ولايته الرئاسية الثانية، وذلك أثناء زيارته لمعرض في نيويورك، حيث اقترب حينها ليون كولغوش من ماكينلي وأطلق عليه النار مرتين في صدره وبطنه، ومات ماكينلي بعد بضعة أيام.

وفي عام 1963م، اغتيل الرئيس الأمريكي جون كينيدي، حيث تم إطلاق الرصاص عليه وهو في سيارة مكشوفة رفقة زوجته في زيارة رسمية إلى مدينة دالاس بولاية تكساس.

ومن العجيب أن أمريكا هي الدولة الوحيدة التي اغتيل فيها هذا العدد من الرؤساء، إضافة إلى العديد من المحاولات الأخرى الفاشلة مثل محاولة اغتيال الرئيس أندرو جاكسون، وثيودور روزفلت، وفرانكلين روزفلت، وهاري ترومان، وريتشارد نيكسون، وجيرالد فورد، وجيمي كارتر، ورونالد ريغان، وجورج بوش الأب، وبيل كلينتون.. وغيرهم الكثير، فكل حادثة من هذه الحوادث لم تكن مجرد جريمة، وإنما تعبير عن أزمة هوية وصراع داخلي بين قيم الدولة التي تدّعي القوة وحماية العالم، ومصالح القوى المتصارعة فيها التي ما زالت تتصارع –وإن شهدت تعتيمًا إعلاميًا- حتى هذه اللحظة.

أمريكا الديمقراطية لم تعد كذلك

على الرغم من افتخار أمريكا الزائف بحريتها، والشعارات الواهية المتكررة في ساحات دول العالم بأن أمريكا هي النموذج الأمثل للديمقراطية، فإن الوضع لم يعد كذلك، والستار أصبح ينكشف رويدًا رويدا، فعلى الرغم من امتلاك أمريكا دستورًا محكمًا، ومؤسسات قوية، فإنها لم تستطع تحصين نفسها من التخبط السياسي، وقمع الحريات، فعلى سبيل المثال؛ وثّق الاتحاد الأمريكي للحريات المدنية (ACLU) استخدام الحكومة الأمريكية العديد من التقنيات للمراقبة الجماعية، مثل تتبع الهواتف والطائرات بدون طيار، للتجسس على متظاهرين ونشطاء سياسيين، دون الحصول على تصاريح أو أوامر قانونية، هذا السلوك يُعد خرقًا واضحًا للدستور الأمريكي الذي يكفل حرية التعبير والتجمع السلمي.

وفي ظل التوترات السياسية، تعرض صحفيون أمريكيون للاعتداء، ووصل الأمر في كثير من الأحيان إلى الاعتقال أثناء تغطيتهم للاحتجاجات أو التحقيقات المرتبطة بالسلطة، ووصف ترمب الإعلام بـ«عدو الشعب»، ومن الملاحظ خلال الفترة الأخيرة رفضه الإجابة عن الأسئلة الصعبة، وهذا في حد ذاته هز الثقة في الصحافة الحرة، بل في كثير من الأحيان يهاجم ترمب الصحفيين الذين يتمتعون بالشجاعة، ويبحثون عن الحقيقة، ويشككون في حديثه، وتصريحاته، وهذا يجعل من الديمقراطية الأمريكية غالبًا ديمقراطية مقيدة بقيد المصلحة الفردية، والحزب الحاكم.

ترمب من التخبط إلى الفوضى

بدأ الرئيس الأمريكي ترمب وفريقه بالانخراط في المجتمع الدولي حتى قبل توليه مهام منصبه! كما أرسل ممثلًا له للشرق الأوسط لإجبار رئيس الحكومة «الإسرائيلية» بنيامين نتنياهو على كسر السبت التقليدي، وعقد لقاء بشأن مفاوضات وقف إطلاق النار بغزة، على الرغم من أن ترمب لا يحق له ذلك، لأن رئيس أمريكا الرسمي حينها هو جو بايدن، وممثله بالفعل ما زال متواجدًا بالشرق الأوسط!

ناهيك عن تعامل ترمب مع مؤسسات الدولة كما لو كانت شركته الخاصة، فعيّن الموالين له –رغم انعدام خبرتهم- وأقال المعارضين، كما شكك في نتائج الانتخابات الرئاسية الأمريكية لعام 2020م، رغم تأكيد الجهات الرسمية صحتها.

كما حرض ترمب أنصاره على اقتحام الكونغرس في 6 يناير 2021م، في واحدة من أسوأ الأزمات الدستورية في التاريخ الأمريكي الحديث، حين اندفع مئات من أنصاره نحو مبنى الكابيتول لمنع المصادقة على فوز جو بايدن بالرئاسة، وجاء ذلك استجابة لتحريضه المباشر وادعائه أن الانتخابات سرقت منه، ومن العجيب أن ترمب فور عودته إلى البيت الأبيض أصدر عفوًا رئاسيًا عن هؤلاء وشمل أكثر من 1500 من المشاركين في اقتحام الكابيتول!

ناهيك عن التخبطات الأمريكية ذاتها كالانقسامات الحزبية الحادة بين الديمقراطيين والجمهوريين، والتصويت المتكرر على عزل الرؤساء (مثل نيكسون، وكلينتون، وترمب نفسه مرتين)، وتضارب السياسات الخارجية بين إدارة وأخرى، وتحول الحزب الجمهوري إلى حزب ناطق بلسان ترمب، والانحيازات غير المبررة للكيان الصهيوني، ودعم الإبادة الجماعية في قطاع غزة، ومحاربة للإسلام والمسلمين.

ومن ناحية أخرى، يسعى ترمب بكل ما أوتي من قوة لدعم الصهيونية وتلميع صورة نتنياهو داخليًا، خاصة في أوقات اشتداد محاكمته بقضايا فساد، من خلال خطوات سياسية استثنائية، لصرف الأنظار عن محاكمته، بل إن ترمب وصف نتنياهو بأنه «صديق لا يُقدّر بثمن»، رغم أن الأخير سرعان ما تخلى عنه بعد فوز بايدن؛ ما دفع ترمب لاحقًا إلى القول: «أنا من أنقذته من السجن»!

عقلية التوحش.. هكذا تمجد أمريكا السفاحين! |  Mugtama
عقلية التوحش.. هكذا تمجد أمريكا السفاحين! | Mugtama
بالرغم من المجازر والمذابح التي يقترفها الكيان ال...
mugtama.com
×

انتحار أمريكا على يد ترمب!

على الرغم من التخبط الشديد الذي شهدته أمريكا خلال الفترة الزمنية الأخيرة، وانكشافها إعلاميًا، فإن ترمب استطاع أن يحول هذا التخبط المتقطع إلى فوضى عارمة، لينصب لأمريكا حبل المشنقة لتنتحر إذا لم يرفع يده عنها، وإذا استمرت في الانهيار، فما يفعله ترمب الآن يختلف عن رصاص الاغتيال في الماضي، هو لم يقتل أحدًا، لكنه على وشك قتل روح الديمقراطية عبر تخويف المعارضين، وتفكيك الأعراف السياسية، وتحويل الدولة من كيان دستوري إلى أداة بيد الشخص الواحد، وتكليف أشخاص معدومي الخبرة بمناصب كبرى، لا شيء سوى لأنهم من أنصاره.

ما زالت أمريكا تواصل طريقها نحو الهاوية، من الاغتيالات إلى صناعة الفوضى تحت ستار القانون، ومن الديمقراطية إلى قمع الحرية، ومن المصلحة العامة إلى العنصرية والفردية، ومن العدالة المزعومة إلى الظلم والاضطهاد، فالديمقراطية الأمريكية لم تعد درعًا، بل غطاءً هشًا يُسدل على ممارسات شبيهة بتلك التي طالما أدانتها من قبل، والانحدار لم يعد مجرد انزلاق عفوي، بل صار سياسة شبه متعمدة.

لقد نجحت أمريكا مرات كثيرة في اجتياز الأزمات، لكنّ السؤال الآن: هل ما زالت الديمقراطية الأمريكية تمتلك المناعة الكافية لتنجو من رئيس يرفض قواعد اللعبة ويضرب بها عرض الحائط؟





_________________

1- https://n9.cl/8c7fu.

2- https://n9.cl/0jry8.

3- https://n9.cl/tzxxm.

4- https://n9.cl/34c18.

الرابط المختصر :

كلمات دلالية

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة