مواليد العالم الرقمي.. هل فقدوا براءة العمر؟
لعل أبرز ما
يميز الأطفال تلك البراءة الفطرية التي يولدون بها فيأتون للدنيا بقلب نقي ونفس
صافية وعقل خال من التعقيدات والأحقاد، فالأطفال بطبيعتهم أكثر ميلاً للصدق
والعفوية، وأشد استعداداً لحسن الظن بالآخرين، كما أنهم يعبرون عن مشاعرهم
وأفكارهم بتلقائية دون تصنع أو مراوغة.
كذلك تخلو
نفوسهم من الخبرات السلبية والانحرافات، فلا تتردد في التسامح ونسيان الخلافات وحب
الاستكشاف والتعلم والنظر للعالم بدهشة وفضول، بالإضافة إلى بعدهم عن الأحكام
المسبقة التي تفرق بين الناس.
وقد أقر الإسلام
هذه السمات الإيجابية فنظر للطفل بوصفه كائناً يولد على الفطرة السليمة، فقال
النبي صلى الله عليه وسلم: «كل مولود يولد على الفطرة..» (رواه البخاري)، كما رفع
عنه المسؤولية الشرعية في هذه المرحلة مراعاة لعدم اكتمال نضجه العقلي والإدراكي،
ففي الحديث الشريف: «رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ وعن الصبي حتى
يحتلم وعن المجنون حتى يعقل» (رواه الترمذي).
غير أن هذه
الصورة تبدو اليوم محل تساؤل في ظل التحولات الرقمية والانفتاح على الإنترنت؛ إذ
انعكس كل ذلك على واقع الأطفال فلم تعد الطفولة اليوم كما عرفتها الأجيال السابقة.
وعليه، فإذا
كانت هذه المؤشرات تكشف حجم الحضور المتزايد للأطفال في الفضاء الرقمي، فإن فهم
طبيعتهم يقتضي الوقوف عند مفهوم «الأطفال الرقميين» بوصفه أحد أبرز المصطلحات التي
فرضتها الثورة التكنولوجية مؤخراً.
الأطفال الرقميون
لم يعد إذن
مصطلح «الأطفال الرقميين» مجرد وصف إعلامي أو تعبير أدبي، بل أصبح مفهوماً متداولاً
في الدراسات المتخصصة للإشارة للأطفال الذين ولدوا ونشؤوا في بيئة رقمية بما
يميزهم عن الأجيال السابقة التي عرفت التكنولوجيا في مراحل متأخرة الذين كانوا
يكتشفون العالم تدريجياً عبر الأسرة والمدرسة والشارع والكتاب.
وقد كشفت
البيانات عن حجم الحضور الطاغي للتكنولوجيا في حياة هؤلاء الأطفال؛ إذ بات كثير
منهم يتعامل معها في سن مبكرة للغاية، حيث تشير دراسة جديدة لمجموعة «كومون سنس
ميديا» إلى أن نسبة معتبرة من الأطفال في أمريكا مثلاً تبدأ استخدامها قبل بلوغ
العامين، فيما أظهرت الدراسة أن حوالي 71% من الأطفال يمتلكون هواتفهم الذكية
بحلول سن الثانية عشرة، بينما يمتلك نحو 51% أجهزة محمولة قبل بلوغهم سن الثامنة.
وبحسب تقرير
صادر عن مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار المصري (حكومي)، فإن الأطفال والمراهقين
في العديد من الدول يقضون ما بين 4 و8 ساعات يومياً أمام الشاشات لأغراض التعليم
أو الترفيه أو التواصل، بينما ليس خافياً أن هذه المدة يمكن أن تمتد لدى بعضهم
لأكثر من 12 ساعة.
وبحسب منظمة «يونيسف»،
فإن أكثر من 175 ألف طفل يستخدمون الإنترنت للمرة الأولى في كل يوم يمر أي بمعدل
طفل جديد كل نصف ثانية.
وبالطبع، فإنه
في ظل هذا الوضع أصبحت هذه الشاشات شريكاً رئيساً للمؤسسات التقليدية في تشكيل
شخصية الطفل وتكوين وعيه، فلم يعد الطفل ينتظر الإجابة من والديه أو معلمه، بل بات
يحصل على المعلومات بضغطة زر، ويشاهد أحداث العالم لحظة وقوعها، ويتفاعل مع أشخاص
وثقافات وأفكار تبعد عنه كثيراً.
ورغم أن استخدام
الأطفال للتكنولوجيا له آثاره الإيجابية كتوسيع آفاق المعرفة وتنمية مهارات
التقنية، فإنه يحمل بين طياته تحديات كبيرة، فالانغماس المبكر في العالم الرقمي
أدى لتراجع بعض أنماط التفاعل الاجتماعي المباشر، وإلى اعتماد متزايد على الشاشات
في الترفيه والتعلم وقضاء أوقات الفراغ؛ الأمر الذي يعرضهم يومياً لآلاف الرسائل
والصور والمقاطع المرئية والإعلانات.
انتهاك البراءة والخصوصية
يمكننا إذن أن
نقول: إن من أبرز سمات هذا الجيل أنه يعيش حالة من الانكشاف المعرفي غير المسبوق،
وهو ما يشكل خطورة تكمن في أن المحتوى الذي يصل إليهم لا يتناسب مع أعمارهم أو
مستوى نضجهم النفسي والعقلي، فعلى الرغم من أن هؤلاء الأطفال كبقية فئات المجتمع
يعيشون بين الناس، فإن الجميع كان يحرص على أن ينأى بهم عن مطالعة حوادث العنف أو
المشكلات الأسرية أو وقائع الانحرافات السلوكية أو كل ما يؤثر على سلوكهم ويتعارض
مع بيئتهم الاجتماعية والدينية، لكن ذلك وبكل أسف قد تهاوى مع العالم الرقمي فأضحى
هؤلاء الأطفال أقل تحصيناً.
ويصبح الأمر
أكثر خطورة عندما نعلم أن عدد مستخدمي الإنترنت تجاوز 6 مليارات شخص عام 2025م،
وأن واحداً من كل 3 مستخدمين للإنترنت طفل أو مراهق؛ ما يؤكد أنهم باتوا جزءاً من
الفضاء الرقمي.
إزاء ذلك، فقد
كان السؤال الأكثر إلحاحاً الذي فرض نفسه على المتخصصين: إلى أي مدى تستطيع براءة
الأطفال الصمود أمام هذا الطوفان الرقمي الجارف؟ خاصة وأن المشكلة لا تتعلق بالوقت
الذي يقضيه الأطفال أمام الشاشات، ولا بعدد ما يأتيهم من رسائل مع خطورة ذلك،
وإنما بطبيعة ما يتعرضون له خلالها من محتويات وتجارب كانت في الماضي بعيدة عن
متناولهم أو مؤجلة إلى مراحل عمرية أكثر نضجاً.
ومن هنا جاءت
تحذيرات الخبراء من أن الثورة الرقمية لم تقتصر آثارها على تغيير أساليب التعلم
والتواصل بين الأطفال والترفيه، بل أعادت كذلك تشكيل مفهوم الطفولة ذاته؛ حيث جعلت
الحدود الفاصلة بين عالمي الأطفال والكبار أكثر هشاشة، وهو ما يفسر لنا انتهاج
الأطفال لسلوكيات لم تكن متوقعة منهم أو لارتكابهم لجرائم تحاكي ما يطالعونه عبر
العالم الرقمي.
يدعم ذلك دراسة
لـ«يونيسف» أشارت إلى أن الأطفال الذين يقضون أكثر من ساعتين يومياً أمام الشاشات
الرقمية معرضون بنسبة 30% أكثر لتدهور مهارات الإبداع والخيال، فيما أن الذين
يقلدون محتوى المؤثرين يبدؤون في فقدان القدرة على التفكير النقدي والابتكار
وتطوير مهاراتهم وشخصيتهم المستقلة والناتج فقدان البراءة.
كما أوضحت
الدراسة السابقة والصادرة عام 2022م أن أكثر من 40% من الأطفال بين 10 و14 عاماً
تعرضوا لمحتوى رقمي يحتوي على مشاهد عنف أو مواضيع للبالغين، معظمها عبر وسائل
التواصل الاجتماعي وليس التلفزيون أو الكتب كما في الماضي.
مواجهة التحدي الرقمي
إزاء ما سبق،
فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في منع الأطفال من استخدام التكنولوجيا أو عزلهم عنها،
فذلك أمر غير واقعي في عصر أصبحت فيه التقنية جزءاً أساسياً من الحياة اليومية،
وإنما يكمن في بناء وعي رقمي متوازن يتيح لهم الاستفادة من مزايا التكنولوجيا مع
تجنب أخطارها.
كما يتطلب الأمر
دوراً أكثر فاعلية للأسرة والمدرسة والمؤسسات الثقافية والدينية في توجيه الأطفال
وتعزيز قيمهم الأخلاقية والإنسانية وتمكينهم من التمييز بين النافع والضار وبين
الحقيقة والزيف، فضلاً عن الدور الملقى على عاتق كل دولة في سن التشريعات
والسياسات الكفيلة بحمايتهم من المحتويات الضارة، وتطوير برامج التوعية، وإلزام
المنصات بمراعاة المعايير المتعلقة بسلامة الأطفال وخصوصيتهم.
إن المعادلة
المطلوبة لا تقوم على حرمان الأطفال من أدوات العصر، ولا على تركهم فريسة لها،
وإنما على تحقيق التوازن بين الانفتاح والحفاظ على مقومات الطفولة، فالطفولة ليست
مرحلة زمنية فقط، بل هي رأسمال إنساني إذا فقد توازنه اختل مستقبل المجتمع كله.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً