نحو تعافي الوعي الديني في قطاع غزة

استهدف الاحتلال الصهيوني في قطاع غزة البشر والحجر والشجر، وأعلن حربه على كل المكونات الغزية، وكانت المكونات الدينية رأس حربة في هذه الصراعات، وقد تواترت التصريحات من قادة الاحتلال حول هذا المضمون، وصرح بعض قادته قديماً وحديثاً بهذه الحقيقة، ويحاول حشد الصهاينة في كل العالم لمساندته، مستنداً إلى روايات دينية محرَّفة، ويدرك أن قوة الفلسطينيين تنبع من العقيدة الراسخة، والوعي الديني الملهم لهم على الثبات، فعمل على استئصال الوعي الديني من جذوره.

ويتناول هذا المقال أهمية الوعي الديني في الصراع، وصور استهداف الاحتلال لهذا الوعي، وواجب الأمة اليوم في تعافي الوعي الديني.

لماذا الوعي؟

تناول القرآن الكريم دور أهل الوعي والفقه في المعركة، وأشار إلى أنَّ لهم نفرة كنفرة أهل السلاح، وجيَّشهم نفسياً عندما جعل منهم فرقة تخصصية للإنذار والبلاغ والبعث المعنوي، فقال سبحانه: (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) (التوبة: 122)، فالمجاهدون المقاتلون يحتاجون إلى وعي يحركهم في الإعداد للمعركة قبل وقوعها، ووعي متعلق بإدارة الحرب من حيث الأعداء الذين يقاتلون والخصوم الذين يحيدون، ووعي بتوقيتها ومكانها وتكتيكاتها، ووعي لاحق بعد انتهائها.

الاحتلال يدرك أن الوعي هو الباعث لرفض جرائمه ومقاومة سياسته في قتل الناس وتهجيرهم وتغيير اهتماماتهم

فإن كانوا منتصرين احتاجوا إلى فقه (وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ) (الأنفال: 10)، وإن كانوا مهزومين احتاجوا إلى فقه الاستدراك واستخلاص وعي (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَـذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ) (آل عمران: 165)، وإن كانت الحرب لم تحسم وكانت فيها جراحات متبادلة علَّموهم فقه (إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ) (النساء: 104).

ويدرك الاحتلال الصهيوني اليوم أن الوعي هو الباعث الأساسي لرفض جرائمه، ومقاومة سياسته في قتل الناس وتهجيرهم وتغيير اهتماماتهم وأولوياتهم، والأمناء على الوعي هم العلماء والدعاة والمدرسون والمثقفون والأكاديميون والإعلاميون، وكل هذه الشرائح استهدفها الاحتلال، واستهدف الأماكن التي تتحرك فيها، وهذه المحاولات تهدف لتزييف الوعي، وطمس الحقيقة، ومحاولة اجتثاث الباعث الحقيقي على المقاومة، ونسف رواية الحق المرابط على ثغور المدافعة والتبصير.

إن الوعي الديني محرك أساسي للصراع، وإصابة الوعي والإرادة أخطر من إصابة الجسد والبنيان، فالاغتيال المعنوي أشد من الاغتيال الجسدي، ويسعى الاحتلال لكَيِّ الوعي، وإحداث الصدمة، ليتراجع الشباب المقبلون على مدافعة الاحتلال، ويتحول الشعب الذي فقد أبناءه وأمواله ومساكنه ومقدراته إلى حارس للاحتلال، ويسعى لإشغال أهل غزة في البحث عن لقمة العيش، لإبقاء حالة التبعية والاستهلاك، وتغييب الوعي والثقافة؛ ليجعل العدو صديقاً والصديق عدواً، والجبن والعجز حكمة، والشجاعة والمقاومة تهوراً وتطرفاً، وهي وسيلة لتحييد الشعوب، وإخراجها عن الخدمة الدينية والوطنية، وجعلها منتهية الصلاحية الحضارية.

الوعي الديني محرك أساسي للصراع وإصابته أخطر من إصابة الجسد والبنيان فالاغتيال المعنوي أشد من الجسدي

إن المشروعات الكبرى تنطلق من أفكار ملهمة محركة لها في الميدان، وبالنظر إلى «طوفان الأقصى»، فإن هناك نظرية فكرية كان يتحرك بها المعدون لها، ظهرت بعض ملامحها في خطاباتهم، واكتمل ظهورها في استجابتهم يوم السابع من أكتوبر، لأجل هذا فإن الاحتلال لا يزال يستهدف صنَّاع الوعي وروافعه.

مظاهر استهداف الوعي

يظهر استهداف الاحتلال الصهيوني للوعي من خلال جرائمه المتكررة، التي منها:

1- تصفية الرأسمال البشري الشرعي، واغتيال القيادات الفكرية والمعرفية، الذين ساهموا في صناعة الوعي بالحق الشرعي والوطني في دفع العدوان، فاستهداف إدارات المؤسسات الدعوية والتعليمية والمجتمعية يحدث فراغاً قيادياً، يغيب معه إطلاق المبادرات، والقيام بالواجبات، وقد استشهد خلال الحرب أكثر من ألف من العلماء والأكاديميين والمدرسين والدعاة وأئمة المساجد.

تدمير نحو 1200 مسجد التي تمثل مركزاً اجتماعياً للتوجيه وبث الفضيلة وصناعة الجيل وتحفيظ القرآن الكريم

وممن اغتالهم الشيخ يوسف سلامة، وزير الأوقاف الأسبق، ود. سفيان تايه، رئيس الجامعة الإسلامية بغزة، التي هي من أعرق المؤسسات الأكاديمية، ود. تيسير إبراهيم، عميد كلية الشريعة السابق بالجامعة الإسلامية، واغتال د. وائل الزرد، ود. نائل مصران، وهما من أعلام الدعاة في قطاع غزة، واستهدف د. محمد السوسي، رئيس مركز دراسات الدعوة في كلية الدعوة الإسلامية.

واغتال، كذلك، عدداً كبيراً من أعلام مختلف المؤسسات الدينية والتعليمية الأخرى، وهذا يسبب شللاً فكرياً ومعرفياً، ويحرم المجتمع من كفاءاته في أشد اللحظات احتياجاً لهم، فيستبدل المجتمع بهذه القيادات بدائل منخفضة الجدارات القيادية، وفي البخاري: «إِنَّ اللهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعاً يَنْتَزِعُهُ مِنَ الْعِبَادِ وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤُوسًا جُهَّالًا فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا».

2- تدمير أكثر من 1200 مسجد؛ كلياً أو جزئياً، فالمساجد تمثل مركزاً اجتماعياً لتوجيه المصلين في خطبة الجمعة، والدروس الدعوية والعلمية بعد الصلوات المفروضة، ولها الدور الأكبر في بث الفضيلة، وصناعة الجيل، وتحفيظ القرآن الكريم، فقصف المساجد يسعى لاستهداف الدور الإصلاحي للمسجد، فهو من أبرز المنابر الحرة الصانعة لثقافة المجتمع، وهي العمق الإستراتيجي لحفظ الثوابت الشرعية والمعرفية، فالمقصود استهداف الرسالة وليس البناية.

3- استهداف المدارس والمعاهد والكليات الشرعية والمراكز العلمية والمؤسسات الدعوية، التي تصنع الجيل، وتنشر الثقافة؛ لتجميد الدور المعرفي والتأهيل التخصصي، ونشر سياسة التجهيل، كما دمَّر الاحتلال المكتبات؛ لتغييب الحقيقة، ومسح الذاكرة الوطنية، وتحييد تاريخ الصراع، والتغاضي عن مئات المجازر المرتكبة بحق الفلسطينيين؛ ما يوفر بيئة لرواج السردية الصهيونية الزائفة.

4- استهداف المحاكم الشرعية والنظامية، والمقرات التي تحوي أرشيفاً ضخماً فيه إثبات حقوق التملك في الأراضي والعقارات، وعقود زواج، وحجج وقفية، وإثباتات قضايا المنازعات والحقوق، فغياب المحاكم وأرشيفها يزيد النزاعات، ويبث الفوضى، ويشجع الاستقواء ودعم سياسة الغاب في إدارة البلاد، فينتشر الاقتتال، ويعم الفساد.

كيف يمكن تعافي الوعي الديني في قطاع غزة؟

1- وعي التعافي: يتفق العقلاء على وجوب التحرك في طريق التعافي، ومما يلحظ أن هناك اختزالاً لمفهوم التعافي؛ ما يجعل الممارسات الواقعية والمشاريع المنفذة لا توصل إلى التعافي الحقيقي؛ لذلك نحتاج إلى وعي التعافي ليتحقق تعافي الوعي.

فكما يحتاج الناس إلى طعام لبطونهم، فإنهم أشد حاجة إلى غذاء لعقولهم وقلوبهم وأرواحهم، فترميم الإنسان قبل ترميم البنيان؛ وعليه، فإن أي جهود للتعافي لا تضع في مقدمة أولوياتها التعافي الديني والعلمي والنفسي والمعرفي تكون منقوصة، وتبقى جسداً بلا روح.

استهداف المدارس والكليات والمراكز العلمية والمؤسسات الدعوية لتجميد الدور المعرفي ونشر سياسة التجهيل

2- تعافي الإرادة: استطاع الاحتلال الصهيوني أن يصل إلى كل مكان في قطاع غزة، فقتل ودمر واعتقل وبطش، إلا أنه لم يستطع استهداف الإرادة والعزيمة، فبدأ الناس يعودون إلى إنشاء الخيام في أماكن بيوتهم المدمرة، وإقامة المصليات في مخيمات النزوح، واستحداث النقاط التعليمية في خيامهم وأماكن تجمعاتهم، وهذه الإرادة التي تصر على المواصلة، وترفض الاستسلام، وتحسن استثمار الموارد الشحيحة المتاحة هي قطب الرحى في مسيرة التعافي.

3- إنشاء المصليات: فعودة المساجد لأداء دورها يسهم في بناء الإنسان، وترميم منظومة القيم، وتأهيل الإنسان معرفياً وقيمياً، والذي يقرأ السيرة النبوية قراءة تحليلية مستنيرة، ويستلهم منها دروس بعث الروح الإسلامية من جديد في الواقع، يدرك سبب العناية النبوية بالمسجد في بداية الأولويات التي اهتم بإنشائها وتنظيمها في المدينة، حيث قام المسجد بأدوار إيمانية وتربوية ومجتمعية عديدة.

وبفضل الله تعالى، أقيم خلال الحرب أكثر من 500 مصلى مؤقت في مخيمات النزوح ومراكز الإيواء، ولا تزال مسيرة استكمال البناء مستمرة وتحتاج إسناداً رسمياً وأهلياً من المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها.

4- تطوير الأداء الدعوي: يحتاج الخطاب الدعوي تطويراً في المحتوى والأساليب، ومن المضامين التي يحتاج التركيز عليها: تعزيز اليقين، واستحضار السنن الإلهية في التدافع، وبث قيم الثبات والاحتساب والصبر، وتوسيع مفهوم المقاومة والرباط على مختلف الثغور، وإبقاء حالة التفاعل الدائم مع ثوابت القضية الفلسطينية وقضايا والأمة.

أما عن الأساليب والوسائل التي تحتاج عناية، فمن أبرزها: العناية بالدعوة الإلكترونية، والاهتمام بالدعوة المجتمعية والمؤسسية، وتقديم التوجيه الشرعي والأحكام الفقهية للفئات المتضررة بشكل مباشر من العدوان، مثل الأرامل وزوجات الشهداء والأسرى والمفقودين، والأيتام، والجرحى، والمهدمة بيوتهم، والمتعطلة مصالحهم الاقتصادية.

5- تفعيل مراكز تعليم القرآن الكريم والعلوم الشرعية: فالتربية القرآنية لا تضاهيها تربية، وقد شهدت الحرب أن أهل القرآن أكثر ثباتاً، وأوسع نفعاً، وأقل جزعاً وتسخطاً، فالحاجة اليوم لإعادة تفعيل الجهود القرآنية ماسة؛ لتعويض النقص الحاصل خلال الحرب، وترميم ما توهن من القيم، واستكمال مشروع التنشئة على الحق والعودة.

الاحتلال استطاع أن يصل إلى كل مكان بغزة فقتل ودمر واعتقل وبطش إلا أنه لم يستطع استهداف الإرادة والعزيمة

كما يوجد حاجة لعقد برامج تثقيفية ومهارية تركز على مقدمات العلوم الشرعية، وفقه القضايا الشرعية الفكرية والفقهية المعاصرة، والمهارات الدعوية، وما لا يسع المسلم جهله من المعارف الفكرية والثقافية، وتعزيز ثقافة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ ليكون الإصلاح المجتمعي مسؤولية جماعية وليس دوراً وظيفياً لفئة محددة من المتخصصين.

6- التعاون بين شركاء العمل الدعوي في الإصلاح المجتمعي: إن التحديات التي تواجهها غزة لا تستطيع دول القيام بها؛ لذلك، فإن استنفار كل المكونات الشرعية والدعوية الرسمية والأهلية في سد هذه الثغور من الواجبات المطلوبة، فتوسيع الشورى الدعوية يسهم في الوقوف على التدخلات الشرعية المطلوبة، وتحديد أولويات الخطاب الديني والوطني للتعافي وعبور الأزمات القائمة، ومعالجة الموضوعات المجتمعية والمالية وقضايا الحقوق.

وذلك في ضوء الدراسات المتعلقة برصد حجم المشكلات المجتمعية، ومعدل الجريمة، والتغير الحادث داخلياً وخارجياً، وتشكيل ائتلاف شرعي عريض لمواجهة هذه التحديات، والحد من التدخلات الخارجية التي تعمل بأدوات ناعمة لتحقيق ما عجز الاحتلال عنه بالقصف والدمار.


اقرأ أيضاً:

كيف دمر الصهاينة مستقبل الأجيال في غزة؟

العلماء والجهاد.. «طوفان الأقصى» نموذجاً


الرابط المختصر :

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة