نصرة المسلم.. بين الدعاء والأخذ بالأسباب
أوجب الله تعالى نصرة المسلم لأخيه
المسلم، سواء على المستوى الفردي أو الجماعي، وهذا من حقوق الأخوة في الله تعالى،
قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ
آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ
اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَّنَصَرُوا أُولَٰئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ
ۚ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُم مِّن وَلَايَتِهِم مِّن
شَيْءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُوا ۚ وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ
النَّصْرُ إِلَّا عَلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ) (الأنفال: 72)،
فجعل الله تعالى في هذه الآية أن المسلم ولي المسلم، ومعنى أولياء بعض؛ أي بينهم
أقوى الروابط من الحب والإخاء، وهذا يستوجب قمة النصرة، ثم بين أن من لم يهاجر ليس
له كل الولاء حتى يهاجر، ومع هذا بين سبحانه وجوب نصرتهم إذا استنصروا إخوانهم في
الدين.
ويأتي النبي صلى الله عليه وسلم ليؤكد هذا
المعنى، فيبين أن النصرة واجبة على المستوى الفردي، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا»،
قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، هَذَا نَنْصُرُهُ مَظْلُومًا، فَكَيْفَ نَنْصُرُهُ
ظَالِمًا؟ قَالَ: «تَأْخُذُ فَوْقَ يَدَيْهِ»(1)، وإذا كان ذلك واجبًا
على المستوى الفردي فهو على المستوى الجماعي أولى، بل وإن النبي صلى الله عليه
وسلم نصر خزاعة وفتح مكة، لأنهم كانوا حلفاء له، فكيف بالمسلمين الموحدين الذين
لهم كل الحقوق ومطلق الولاء.
كيف ننصر إخواننا؟
يتوهم البعض أن النصرة لإخواننا في
العقيدة يكفيها الدعاء لهم، أو حتى الصلاة والصيام من أجلهم، ونحن لا نقلل أبدًا
من قيمة هذه العبادات وخاصة الدعاء، فالدعاء هو العبادة، عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ
بَشِيرٍ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي
أَسْتَجِبْ لَكُمْ) قَالَ: «الدُّعَاءُ هُوَ العِبَادَةُ»، وَقَرَأَ: (وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي
أَسْتَجِبْ لَكُمْ) إِلَى قَوْلِهِ: (دَاخِرِينَ)(2).
لكن متى ينفع الدعاء؟ هذه مسألة مهمة،
وتغيب على كثير من الناس، لأن الدعاء لا يكون نفعه تامًا إلا إذا أخذ العبد
بالأسباب، لأن الله تعالى جعل في الكون سننًا لا تحابي أحدًا، ومنها وجوب العمل
بأوامره سبحانه، وأن عدم الامتثال لأوامره له عواقب وخيمة، ومنها الحرمان من
استجابة الدعاء.
فعن قيسٍ، قال: قال أبو بكر بعد أن حمد
الله، وأثنى عليه: يا أيها الناسُ، إنكم تقرؤون هذه الآية وتضعونها على غير
مواضعها: (عَلَيْكُمْ
أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ)، وإنا سمعنا
النبيَّ صلى الله عليه وسلم يقول: «إنّ الناس إذا رأوا الظالمَ فلم يأخذوا على يدَيه
أوشك أن يعُمَّهم الله بعقاب»(3).
وعَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمَانِ، عَنِ
النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَأْمُرُنَّ
بِالمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ المُنْكَرِ أَوْ لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ أَنْ
يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقَابًا مِنْهُ ثُمَّ تَدْعُونَهُ فَلَا يُسْتَجَابُ لَكُمْ»(4).
وهذه الأحاديث تدل على أن ترك الأسباب
وعدم اتباع السنن قد تؤدي لعدم استجابة الدعاء، ولذلك لما أخذ النبي صلى الله عليه
وسلم بالأسباب يوم «بدر»، وصف الصفوف وحثهم على القتال، رجع لخيمته حينها رفع يديه
داعيًا بالنصر، وكأنه يقول: يا رب، هذه حيلتنا الضعيفة قدمناها كما أمرتنا، فأمدنا
بنصرك، ساعتها تنزل عليه النصر المبين وكانت معركة الفرقان.
والواقع يقول: لو هجم قطاع طرق على بيتي
وأرادوا قتل أولادي وأهلي، فهل يصح أن أتركهم وأجلس أنظر إليهم رافعًا يدي
بالدعاء؟! بالطبع لا، بل أقوم مدافعًا عنهم ومستمدًا النصر والقوة من الله تعالى.
فماذا يجب عليَّ قبل الدعاء؟
الدعاء لا بد أن يكون من قبل ومن بعد،
بمعنى أنه لا بد من الاستعانة بالله قبل كل عمل وبعده، لكنه لا يغني أبدًا عن
الأخذ بالأسباب، وربما لا يجدي إذا كان العبد قادرًا على سبب ولم يعمل به، ولذا
وجب على المرء المسلم أن يجتهد في استنفاذ الأسباب لنصرة إخوانه المسلمين، ثم
يجتهد لهم في الدعاء، ومن هذه الأسباب التي لا بد منها:
- النصرة بالمال:
وهي من أوجب وأهم وأنجع أنواع النصرة،
وذكرها الله تعالى في العديد من الآيات مقرونة بجهاد النفس، بل ومقدمة عليه، ومنها
قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ
أَلِيمٍ {10} تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ
اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ
تَعْلَمُونَ) (الصف)، وذلك لأن الجهاد بالمال يقدر عليه الجميع حتى النساء
والأطفال والعجزة ما داموا يملكون مالًا، ثم إن المال هو الذي تُعَدُ به الجيوش
ويتقوى به المجاهدون، وهو عصب الحياة للناس.
والجهاد بالمال يرفع الله به العبد لأعلى
الدرجات وحسبك ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم في عثمان رضي الله عنه عندما أنفق
الكثير على تجهيز جيش العسرة، عَنْ عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: جَاءَ
عُثْمَانُ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِأَلْفِ دِينَارٍ حِينَ جَهَّزَ
جَيْشَ الْعُسْرَةِ فَنَثَرَهَا فِي حِجْرِهِ، قَالَ عَبْدُالرَّحْمَنِ:
فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يُقَلِّبُهَا فِي حِجْرِهِ وَيَقُولُ:
«مَا ضَرَّ عُثْمَانَ مَا عَمِلَ بَعْدَ اليَوْمِ مَرَّتَيْنِ»(5)، فلا
يصح لصاحب المال أن ينقطع في المسجد يدعو للمجاهدين دون أن ينفق من ماله عليهم،
وهو يظن أنه قد نصر إخوانه.
- النصرة بالنفس:
وهي من أعظم أنواع النصرة ما دام العبد
يقدر عليها، ولذلك وجب على الجيوش أن تتحرك نصرة لمسلم واحد، فكيف بنصرة شعوب
مظلومة ومقهورة، ومن هنا كان تحرك الصحابة مع النبي صلى الله عليه وسلم لإجلاء بني
قينقاع نصرة لمسلم قتله اليهود، وحرك المعتصم جيشًا عظيمًا لنصرة امرأة أسرها
الرومان وفتح لأجلها عمورية.
- النصرة الإعلامية:
وهي من أنجع أعمال النصرة في زماننا، إذ
بها تتكشف الحقائق، ويعرف الناس جرائم الأعداء، ويتنبه الناس للمآسي التي تحدث
لإخواننا المسلمين المحاصرين المضطهدين، وبها يتنبه الناس لإخوانهم الجوعى الذين
أشرفوا على الهلاك فيسارعون في نجدتهم بالمال والنفس، وهي أيضًا من الأعمال
الميسرة لجل الناس اليوم.
- النصرة السياسية:
وهي نصرة لازمة وواجبة، وقد تكون أحيانًا
أفضل من تحريك الجيوش، بل هي لازمة مع تحريك الجيوش لنصرة المسلمين، وهي تعني
الحديث في المحافل وقطع العلاقات أو وصلها، وعمل التحالفات أو نقضها في سبيل نصرة
المسلمين.
- النصرة الاقتصادية:
ونعني مقاطعة كل ما يساعد العدو
اقتصاديًا، سواء بالبيع أو الشراء، أو التعامل مع من يمدونه، قليلًا كان التعامل
أو كثيرًا، وهذه النصرة يقدر عليها حتى الفقراء، فوجوب المقاطعة ولو بشراء شيء
زهيد واجب على كل مسلم نصرة لإخوانه، فلا يستصغرن المرء المقاطعة فأثرها عظيم.
__________________
(1) صحيح البخاري (2444).
(2) رواه الترمذي في سننه (2969)، وقال:
حديث حسن صحيح.
(3) رواه أبو داود في سننه (3448)، وصححه
الألباني.
(4) رواه الترمذي في سننه (2169)، وقال:
حديث حسن، وحسنه الألباني.
(5) رواه الترمذي في سننه (3701)، وقال:
حديث حسن، وحسنه الألباني.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً