نظام «الطيبات».. بين الاجتهاد الطبي والمفهوم الشرعي
لم يعد سؤال
الطعام في عصرنا ماذا نأكل؟ بل من نصدق حين نأكل؟ فبين أنظمة غذائية تتكاثر يومياً،
وأصوات تتنازع بين العلم والتجربة والانطباع، ظهر ما يعرف بنظام «الطيبات»(1)
الذي دعا إليه الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي(2)، ليعيد فتح نقاش
قديم بصيغة جديدة: هل يمكن تحويل مفهوم قرآني مثل «الطيبات» إلى نظام غذائي معاصر؟
ومع تصاعد الجدل
حوله بين مؤيد يرى فيه عودة إلى الفطرة، ومعارض يراه تبسيطاً مخلاً للعلم، بل
ومتعارضاً مع الأطر الغذائية المعتمدة علمياً، ليبرز سؤال أكثر عمقاً: هل نحن أمام
قراءة طبية للنص الديني، أم إسقاط ديني على التجربة الطبية؟
نظام «الطيبات».. الفكرة وصاحبها
يقدم د. العوضي
هذا النظام انطلاقاً من خلفية طبية تمتد لسنوات طويلة في مجال الرعاية أو العناية
المركزة، حيث عمل طبيباً استشارياً بها، وهو المجال الذي يضع الاختصاصي في مواجهة
مباشرة مع آثار المرض، أو مواجهة المراحل الأخيرة منه حين يتمكن من جسم الإنسان،
ويمنحه حساسية دقيقة تجاه ما يدخل الجسد من غذاء، فيقوم النظام في جوهره على تقسيم
الأغذية إلى مسموحات، وممنوعات، مع دعوة صريحة إلى تجربته، حيث إنه قابل للتجربة
لكن بشكل كامل دون تجاوز، وإن أي تجاوز فيه سوف يظهر على شكل أعراض غير مرغوب فيها.
وبالطبع لا يمكن
قراءة هذا الطرح بإنصاف دون النظر لخبرة صاحبه، وتجارب سريرية على نفسه ومرضاه
الذين ترددوا على عيادته أو متابعيه على صفحات التواصل بعد طرح نظامه بالكامل دون
أن يختزل منه أو يخفي، فالنظام هنا أقرب إلى قراءة علاجية للغذاء، أكثر منه أن
يكون مجرد نمط غذائي يومي.
لكن يظل هذا
الطرح رغم منطقيته يحمل إشكالية، حيث صعوبة نقل المفاهيم الشرعية كالطيب والخبيث،
إلى إطار تصنيفي محدد يسير عليه الناس بغير حرية التبديل أو التعديل أو الابتكار،
لقد صنع د. العوضي جدلاً واسعاً في الأوساط المهتمة بالصحة والغذاء، حيث تشير
توصيات منظمة الصحة العالمية إلى أن النمط الغذائي الصحي لا يقوم على المنع
المطلق، بل على التوازن والتنوع وتقليل الأغذية المصنعة
الطيب في القرآن.. مفهوم لا قائمة
وضع النص
القرآني أصلاً عاماً يحكم به طريقة الاختيار، لكنه لم يضع قائمة تفصيلية للخبيث
والطيب، بل ترك المفهوم مفتوحاً تحدده معايير عامة تشمل: النفع والضرر، والفطرة
السليمة، والعرف المستقيم، علاوة على مقاصد الشريعة في حفظ النفس؛ (وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ
وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ) (الأعراف 157)، فالأصل في الأطعمة
الإباحة كما قال الفقهاء، وأما التحريم فلا يكون إلا بنص صريح في كتاب الله أو سُنة
نبيه، وهذا باتفاق المذاهب الفقهية الأربعة.
وهذا الاتساع في
الحكم ليس نقصاً في تبيين الحقيقة، وإنما هو جزء من مرونة الشريعة التي لا تختصر
العالم في قوائم مغلقة غير قابلة للتعديل وتحكيم العلم فيما بعد مع منح الإنسان
مساحة للابتكار والاجتهاد ضمن إطار عام أهمه حفظ النفس.
وللإنصاف، فإن
تسجيلات صاحب نظام «الطيبات» لم يأت فيه ذكر لتحريم أطعمة، بقدر ما أتى بالتحفظ
عليها والتقليل من أهميتها للإنسان، فضلاً عن ضررها المؤكد بالنسبة له، ولم يحرم
القرآن سوى أصناف معدودة في قوله تعالى: (قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ
يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ
خِنزيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ) (الأنعام: 145).
الهدي النبوي.. منهج لا نظام
وأما بالنسبة
للسُّنة النبوية، فقد اعتمدت منهجاً عملياً لا نظاماً محدداً، حيث وضعت قاعدة تبنى
على الاعتدال والتنوع، فعن أبي موسى الأشعري قال: «رأيت النبي صلى الله عليه وسلم
يأكل دجاجاً» (متفق عليه)، إلا أن بعض العلماء استثنى «الجلالة»، وهي ما تأكل
الأقذار، فعن أبي هريرة قال: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الجلالة وعن
شرب ألبانها وأكلها وركوبها»(3).
وكذلك لم يرد عن
النبي صلى الله عليه وسلم نهياً عن أطعمة مثل البيض، بل وثبت عن الصحابة أكلها،
وإن كاد رد نظام العوضي على ذلك بأن طعام الحيوانات والطيور اختلف في زماننا عن
زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وأصبحت الطيور صناعة بدلاً من تربية، وأن الكثير من
المدخلات المضرة تنتقل بدورها للإنسان إذا تناولها كالهرمونات التي تكسب الطائر
وزناً كبيراً في وقت قياسي.
فالسُّنة، إذاً،
لم تقدم قائمة بالمباح، وإنما قدمت شروطاً وضوابط منها البساطة، وتجنب الإسراف،
ومراعاة الحال والبيئة، ولذلك فإن تحويل المنهج النبوي في الغذاء إلى تصنيف محدد
بين المسموحات والممنوعات يحتاج لدرجة عالية من العلم والتجريب، وقدر كبير من
الحذر الشرعي في التعاطي معه.
بين الرؤية الطبية والمفهوم الشرعي
ينطلق نظام
الطيبات من زاوية طبية محاورها التركيز على الأثر المرضي للغذاء، والتحذير من
التراكمات الضارة، والدعوة إلى الوقاية عبر الغذاء المسموح به، غير أن الإشكالية
في تعريف الطيب شرعاً، وإدخال الممنوع في دائرة الخبيث، والفرق هنا أن الطب يجب أن
يجيب عن سؤال: ما أثر هذا الطعام على جسم الإنسان؟ بينما الشرع يجيب عن سؤال: هل
يدخل هذا الطعام في دائرة الحلال أو الحرام؟
وهذا فارق كبير،
فما قد يراه الطب ضرراً، قد لا يكون في الشرع خبيثاً، كما أن المباح شرعاً، لا
يعني بالضرورة أن يكون الخيار الأمثل لكل حالة على حدة، ويظل من إشكاليات النظام
التوسع في المنع مع عدم وجود نص تحريم، والخلط بين الصحي والشرعي واعتبار الضار
خبيث، وتعميم التحريم أو التخويف مع اختلاف البيئات المنتجة.
نعم نريد أنظمة
أخلاقية تراعي مصلحة الإنسان عموماً، لكن بشرط ألا تتحول لسلطة دينية تحرم أو تبيح
خارج إطار الشرع، ليكون الفرق بين الشريعة والنظام أن الإسلام يضع إطاراً عاماً؛
حلالاً، أو حراماً، خبيثاً، أو طيباً، بينما النظام يفصل هذا الإطار ويحدد
نوعياته، وبهذا يمكن للناس أن تأخذ من هذا النظام بانتقائية واعية، تقلل الأطعمة
المصنعة، والعودة للبساطة، الصيام، ودراسة أنواع الأطعمة وأثرها على الجسم، وذلك
دون تحريم أو تضييق لدائرة المباحات.
لن يكون نظام «الطيبات» آخر اجتهاد بعد حالة السعار في الإقبال على الأغذية المصنعة لفترة طويلة من الزمن، ثم ثبوت خطورته على صحة الإنسان ليفقد الناس ثقتهم في كل ما هو متصل بعملية التصنيع تلك وبحثهم عن أنظمة أخرى من الطبيعة، ويتوقع أن يفتح هذا النظام أبواباً عديدة للاجتهاد في الوصول إلى صيغة ترضي المزاج العام خارج إطار المصالح الشخصية لتجار الغذاء والدواء، سوف تفرضها الرغبة الشعبية لكنها فقط تحتاج للمزيد من الوقت.
الهوامش
- 1 يرتكز نظام «الطيبات» على فكرة أساسية تقوم على أن الكثير من المشكلات الصحية الحديثة ناتجة عن نمط غذائي غير متوازن يعتمد على الأطعمة المصنعة والمعدلة، لذلك يدعو النظام إلى العودة لما يسمى الطعام النقي أو الطيبات، مع استبعاد كل ما يعتبره مسبباً للالتهابات واضطرابات الجهاز الهضمي، (المصدر: صفحات د. ضياء العوضي والفيديوهات الخاصة به على مواقع التواصل الاجتماعي).
- 2 وُلد عام 1979م داخل أسرة أكاديمية، تخرج في كلية الطب بجامعة عين شمس بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف، بدأ مسيرته المهنية في تخصص التخدير والعناية المركزة وعلاج الألم، وتدرج في العمل الأكاديمي، حتى وصل إلى درجة أستاذ مساعد بقسم الرعاية المركزة، واستمر في العمل الجامعي حتى عام 2023م، واتجه بعد ذلك إلى مجال التغذية العلاجية، الذي أثار حوله الكثير من الجدل.
- 3 تحفة الأحوذي، ج5، ص449.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً