السفر عبر الزمن والنوستالجيا (2)
نوستالجيا «منتصف الليل في باريس» ورسالة الفيلم
استكمالاً لما
ذكرناه في الجزء الأول حول المفاهيم النظرية للسفر عبر الزمن والحنين إلى الماضي
(النوستالجيا)، نتناول الآن التطبيق العملي لهذه الأفكار من خلال تحليل فيلم «منتصف
الليل في باريس».
فيلم «منتصف الليل في باريس»
يشكل فيلم «منتصف
الليل في باريس» (Midnight
In Paris) للمخرج
الأمريكي وودي آلن (من إنتاج عام 2011م) نموذجاً لما تم طرحه حول السفر عبر الزمن
أو بالأدق الإبحار إلى الخلف/ الماضي.
تدور قصة الفيلم
إلى الحنين إلى مدينة باريس القديمة، حيث نشاهد أسرة رجل أعمال أمريكي مع زوجته،
وابنتهما وخطيبها جيل، تتجول المجموعة في باريس، بين الفنادق والمطاعم، وبينما
يقضي الزوجان حياتهما في الاستمتاع بوقتهما على طريقة الأثرياء الغربيين؛ نجد
الخطيبين يواجهان صعوبات في علاقتهما التي يبدو أنها تتجه بعيداً عن الزواج، بسبب
دخول شخصية مثقفة متحذلقة، كما يصفها جيل، في حياة خطيبته، وقد كان زميلاً لها
إبان الجامعة.
تعد شخصية
الفيلم الأساسية هي شخصية جيل الذي امتهن كتابة سيناريوهات أفلام هوليوود، ولكنه
يعاني من عدم تذكر الناس شيئاً من نصوص أفلامه بعد الخروج من دور السينما؛ لذا
فإنه يريد كتابة روايته الأولى لتكون ذات أحداث مدونة تبقى في خلد الناس، ويستحضر
في ذلك أسماء كبار الروائيين والفنانين في العالم، وبدأ يمتلك شعوراً متعاظماً بأن
باريس هي المكان الأمثل لعاشق الأدب والفن مثله، لأنها المدينة التي جمعت العظماء
في حقب متقاربة زمنياً، خاصة في نهاية القرن التاسع عشر، وحتى العشرينيات من القرن
العشرين، عندما كانوا يطلق الأدباء والفنانون عليها أنها مدينة الخيال، أو مدينة
الفن والأدب، أو مدينة الرومانسية.
وفي الفيلم،
سنجد سرداً سينمائياً يعود بنا بالبطل من العام 2010م، إلى باريس الماضي، عبر
تهيئة فنية من قبل المخرج -الذي هو كاتب السيناريو أيضاً– لتقبل أي تخيل غير
عقلاني يمكن أن يقوم به جيل من أجل تحقيق رغباته، وهو ما تحققه أحداث الفيلم، فمع
ساعات منتصف الليل تتوقف فجأة أمام جيل سيارة فرنسية قديمة جداً من ماركة «بيجو»،
وهو سائر في شوارع وسط باريس الكلاسيكية، حيث يدعوه راكبوه لمرافقتهم.
ولأنه كان
مخموراً بعض الشيء، فقد استجاب للدعوة، لتصل به السيارة إلى حفلة لجون كوكتو حيث
اجتمع عدد من الأدباء والفنانين الأمريكيين مع نظرائهم الفرنسيين، وقبل أن يعي جيل
ما هو فيه، يجد نفسه محاطاً بالروائي الأمريكي الأشهر سكوت فيتزجيرالد ومواطنه
الأكثر شهرة إرنست هيمنغواي؛ أي أنه انتقل بالفعل إلى زمن سابق، وفي عاصمته
المفضلة أو بالأدق المتخيلة وهي باريس، حيث اجتمعت شخصيات طالما قرأ جيل أعمالها
الأدبية.
ولأن ما حدث
يبدو غير مصدق، فإن جيل يحاول إخضاع ما يصادفه للمنطق العقلي، وأنّى له ذلك! فقد
وجد نفسه في منتصف كل ليلة في الوسط الثقافي الفرنسي في العقد الثالث من القرن
العشرين؛ متنقلاً في أمكنة عديدة، وغالبها في منطقة وسط باريس، ذات الطابع
الكلاسيكي العالي، فيقابل جرترود شتاين في صالونها الأدبي، ويحاور بابلو بيكاسو
وهو يرسم إحدى لوحاته، ويصعد سيارة تقف له، ليجد بجانبه الشاعر الإنجليزي الشهير ت.
س. إليوت، كما يلتقي مع الفنان التشكيلي العملاق سلفادور دالي، ولويس بونويل، الذي
يوحي له بفكرة فيلمه الخالد السحر الخفي للبرجوازية.
يتم كل هذا عبر
خيال واسع للمخرج وودي آلن، ثم تظهر شخصية أدريانا التي ترى أن باريس عاصمة
الثقافة والفن في العالم كله، وأنها كانت أجمل في تسعينيات القرن التاسع عشر، ومن
ثم تأخذ جيل في جولة ممتعة، نشاهد فيها باريس المدينة الساحرة، وتقتصر مشاهداتنا
على العمارة الفخمة المبنية على طراز القرن التاسع عشر، والمتاحف الفنية الحافلة
بأعمال الخالدين، والبيوت العريقة فخمة التصميم والزخرفة والفنون.
ثم يجوب جيل مع
أدريانا في الشوارع والمقاهي تحت المطر، ويتوقف عند الأسواق القديمة والشوارع
المزدحمة، والحدائق والتماثيل الشهيرة، وهو يرى كل بقعة تغتسل بالمطر، إذ إن باريس
أجمل مع زخات المطر، لينتهي الفيلم بأن يظل جيل مع أدريانا، ويترك خطيبته، التي
تكره المطر، وتتمسك بنمط الحياة الحديثة، التي تعيشها في أمريكا، حيث إيقاع الحياة
مختلف، والفنون مختلفة.
جماليات المشهد السينمائي
جماليات المشهد
السينمائي يعني كيفية تقديم لقطات الفيلم ومشاهده؛ ألواناً وإضاءة وديكوراً، وهي
الخلفيات التي تكمل المشهد التمثيلي.
وقد استطاع
المخرج أن يقدم لنا الفيلم في لوحات سينمائية غاية في الروعة، فتعمّد أن تكون
الإضاءة تشابه إضاءة أفلام الأربعينيات من القرن العشرين، فهي أقرب للاصفرار،
إمعاناً في نقل المتلقي إلى الزمن القديم، على عكس ما نرى في السينما الجديدة الآن
بألوانها الزاهية.
لقد رأينا في
غالبية المشاهد الخارجية شوارع وسط باريس وليس ضواحيها، بكل هندستها وتخطيطها
وعماراتها المزخرفة، وكأنها تكمل اللوحات الفنية المعروضة في المتاحف والمعارض
التي زارها جيل، وبعبارة أخرى، نحن شاهدنا فيلماً ذا رؤية تشكيلية معمارية لكل
جماليات المكان، وهذا يتماهى مع أعمال وودي آلن مثل «آني هول» (1977م)، و«مانهاتن»
(1979م)، وفيلمه البارز «وردة القاهرة الأرجوانية» (1985م).
وقدّم في
الفيلمين الأولين تفاصيل المكان في مدن أمريكا مثل مانهاتن ونيويورك، وأيضاً جمال
القاهرة وشوارعها في فيلمه الثالث، وكأنه معنيٌ في مشروعه الفني بتقديم المكان
برؤية تشكيلية حميمية، بكل ما فيه من جمال.
فعلى سبيل
المثال، قدّم مدينة نيويورك التي هي مدينة المال والأعمال والسياسة، كأنها مدينة
رومانسية حالمة، وهو نفس المشروع الذي نجده في فيلمه عن باريس، مع الأخذ في
الحسبان أن هذا الفيلم حقق المعادلة الصعبة، فجمع الفنية العالية مع الحرفية
الإخراجية، مع الربحية العالية، حيث بلغت تكلفة إنتاج الفيلم حوالي 17 مليون دولار
بينما حقق أرباحاً تقدر بـ 152 مليون دولار.
رسالة الفيلم
لو أعدنا قراءة
الفيلم، من خلال طرح سؤال مفاده: لماذا نسترجع باريس العشرينيات من القرن العشرين
ونحن في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين؟ في ضوء أن المخرج أمريكي الجنسية
والهوى، وعاشق للمدينة والحياة الأمريكية، وهو ما رأيناه في تجاربه السينمائية
السابقة.
سيأخذنا السؤال
بلا شك إلى المقارنة الفكرية، التي ستكون بين العولمة المعاصرة التي تقدم في
طياتها نموذج الحياة الأمريكية بكل صخبها وإعلامها وإعلانها وشركاتها عابرة
الحدود، وأيضاً أضوائها وموسيقاها الزاعقة وفلسفتها البراجماتية النفعية، بالإضافة
إلى الحياة الاستهلاكية بكل ترفها وكمالياتها، مع انتشار فن البوب؛ وبين الحداثة
الأوروبية، التي اهتمت بالثقافة الرفيعة في الفلسفة والفنون التشكيلية والأدب
الراقي ذي القضايا الفكرية العميقة، وتواكب هذا، مع تقديم الفن الأوروبي كنموذج
واجب الاتباع في الفنون والموسيقى والأدب، بل في الذائقة المفترضة لدى من يريد
الثقافة.
فيمكن القول: إن
الفيلم تجاوز الاحتفاء بباريس المكان والثقافة إلى المقارنة، خصوصاً أن جيل البطل
تمسك بأدريانا وفضّل العيش في باريس، وتخلى عن خطيبته الأمريكية.
وفي ضوء هذا،
نتوقف أمام الأعلام (الشخصيات) المتعددة التي ظهرت في الفيلم، وهي ذات إضافات
أدبية وثقافية وتشكيلية على المستوى العالمي، وتتحدث لغات عديدة، وتنتمي إلى دول
مختلفة (أوروبية، وأمريكية)، بغض النظر عن سبب حضور هؤلاء وتجمّعهِم في زمن ومكان
واحد، وكأن الفيلم ينتصر للفنون والآداب الرفيعة بشكل عام التي هي ثمرة الحداثة
الغربية في عصرها الذهبي.
وربما يُسَجّل
اعتراض بأن ظهور تلك الشخصيات كان في مشاهد قصيرة، ولم يكن بالعمق الكافي في عرض
كل شخصية، يكتفي فيه المخرج بظهور الشخصية، ومعرفة اسمها، ومن ثم حوار قصير مع
جيل، وهناك مشاهد جمعت شخصيات عظيمة معاً، ونرى أن هذا عائد إلى أن الفيلم غير
معني في رسالته وبنيته السردية بعرض إنجازات الشخصيات المقدمة أو التعريف بها،
وإنما هدفه الإشارة إلى حضورها في الزمن المختار، واحتشادها مع الشخصيات المبدعة
الأخرى، للتدليل على عظم المكان، وروعة الزمان، والاحتفاء بكل أدب وفن أُنتِج خلال
هذه الحقبة.
وهذا نوع من التماهي مع السينما الفرنسية، التي تحتفي كثيراً بالرموز الثقافية والفنية والفكرية في ثناياها، وربما يعود هذا إلى عشق المجتمع الفرنسي بكافة شرائحه للثقافة والفنون والآداب، وكأن وودي آلن يتماهى -صورةً ومكاناً وزماناً وأيضاً ثقافة وفناً- مع باريس العاصمة، وفرنسا الوطن.
اقرأ أيضاً:
- مآسي أفريقيا بعد الاستعمار.. تحليل فيلم «ساحرةالحرب»
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً