هدنة ترمب تبدد أحلام نتنياهو وتعترف بالشرق الأوسط الحقيقي

جمال خطاب

09 أبريل 2026

686

هدنة ترمب تبدد أحلام نتنياهو وتعترف بالشرق الأوسط الحقيقي

عاش العالم في ليلة 8 أبريل كابوساً من أسوأ كوابيس التاريخ الحديث، تحت وطأة تغريدة هستيرية أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عبر منصته «تروث»، التي لم تكن يوماً أبعد عن الحقيقة منها اليوم، متوعداً بمحو حضارة ضاربة في أعماق التاريخ، لكن هذا السعار الرقمي لم يلبث أن استحال هدنة ، لا تعلن فقط عن كبح جماح حرب أمريكية غير مبررة، بل تؤذن بقوة بفشل إستراتيجي صهيوني مدوٍّ سيزلزل أركان الكيان الصغير المتغطرس.

هدنة ترمب ليست نصراً تاريخياً كما يحاول تصويره، بل شهادة انكسار للمشروع الصهيوصليبي الذي حلم بهندسة شرق أوسط على مقاس أوهام رئيس وزراء الاحتلال «الإسرائيلي» بنيامين نتنياهو التوسعية، لقد سقطت أوهام الحسم المطلق الذي حلم به نتنياهو ليتربع على عرش العالم، وهذه هي اللحظة التي آن للكيان أن يدرك أن موازين القوى لا تقررها القوة العسكرية فقط، ولكن للجغرافيا والتاريخ فيها ثقل لا يمكن إغفاله.

أخطر فشل إستراتيجي عرفته «إسرائيل»

استيقظ العالم على إعلان غير مفاجئ من الرئيس ترمب عبر «تروث سوشيال» يقضي بوقف إطلاق النار لمدة أسبوعين، هذا الإعلان، الذي جاء بوساطة باكستانية، هدَّأ الأسواق، وبدد بعض القلق في دول الخليج الذين تورطوا في صراع لا ناقة لهم فيه ولا جمل، ولكنه لم يهدئ كيان «تل أبيب» بقدر ما أشعل شرارة جدل سياسي وأمني غير مسبوق فيه.

يائير جولان، رئيس حزب الديمقراطيين الصهيوني، وصف سياسة نتنياهو في الحرب على إيران بأنها أخطر فشل إستراتيجي عرفته «إسرائيل»، مستنداً إلى حقائق ميدانية صادمة؛ فبعد أسابيع من القتال لا يزال البرنامج النووي الإيراني قائماً، وطهران تسيطر فعلياً على مضيق هرمز أهم شرايين الاقتصاد العالمي.

ولذلك يرى جولان أن نتنياهو كذب كذبة كبرى حين حلم ووعد بالأمن لأجيال، فالنتيجة الفعلية هي أن إيران خرجت أكثر قوة وتصلباً، وما زالت تحتفظ بيورانيوم مخصب، وتملي شروطاً على القوى العظمى.

لماذا اضطرت واشنطن لإيقاف إطلاق النار؟

لم تتحمل واشنطن الضغوط التي واجهتها التي لم تكن عسكرية فحسب، ولكنها اقتصادية وسياسية داخلية وخارجية؛ فقد أدى إغلاق «هرمز»، في مارس الماضي، إلى قفزة تاريخية في أسعار النفط (تجاوزت 120 دولاراً للبرميل)؛ ما هدد بانهيار سلاسل التوريد العالمية، وفي الداخل الأمريكي وفي أنحاء العالم اندلعت أكثر من 300 مظاهرة، ضد الحرب.

وقد تدخلت باكستان، كقوة نووية مجاورة لإيران، محذرة من دمار شامل في حال استمرار التصعيد؛ ما منح ترمب مخرجاً دبلوماسياً تحت مسمى «اتفاقيات إسلام آباد».

ولكن، ماذا يعني وقف إطلاق النار؟ بالنسبة لترمب، يستطيع أن يستعيد سردية «صانع السلام» التي لا يمل من التغني بها، ويدعي أن ضغطه العسكري أجبر إيران على الجلوس إلى طاولة المفاوضات وقبول تسليم اليورانيوم المخصب، وأنه بوقف الحرب سيحمي الاقتصاد الأمريكي من التضخم ويحول دون اشتعال أزمة طاقة لا يمكن السيطرة عليها.

ولكن نتنياهو في موقف لا يُحسد عليه، فهو مضطر أن يدعم الهدنة ظاهرياً استجابة لترمب، لكنه يصر على استثناء جبهة لبنان منها، ووقف للحرب دون تدمير كامل للقدرات النووية الإيرانية وتغيير النظام كما خطط يعتبر تهديداً لمستقبله السياسي، خاصة مع تعالي أصوات المعارضة التي تتهمه بإهدار دماء الجنود دون تحقيق أهداف إستراتيجية.

قلق صهيوني مستمر

القلق الصهيوني عاد للتصاعد؛ لأن وقف إطلاق النار يعني بقاء التهديد الباليستي الإيراني قائماً، واستمرار استنزاف الجبهة الداخلية بصواريخ «حزب الله» التي لم تشملها الهدنة بشكل كامل، الردع الذي حاول الجيش «الإسرائيلي» ترميمه يبدو أنه تآكل تحت وطأة الصبر الإستراتيجي الإيراني.

عاد القلق الصهيوني ليتصدر المشهد؛ فوقف إطلاق النار ليس إلا اعترافاً ببقاء التهديد الباليستي الإيراني قائماً، مع استمرار نزيف الجبهة الداخلية واستنزافها عبر الجبهات المشتعلة التي لم تروضها الهدنة الهشة، فالردع الذي جاهد جيش الاحتلال لترميم صورته المنكسرة يتهاوى، وتتآكل هيبته ليجد الكيان نفسه محاصراً في شرنقة من العجز الإستراتيجي، بينما تظل الصواريخ والتهديدات العابرة للحدود سيفاً مصلتاً على أمنه المأزوم.

موازنة القوى والتكاليف

واشنطن أدركت أن كلفة الحرب المباشرة مع إيران باهظة جداً، فقد قُتل 15 جندياً أمريكياً، وتضررت 17 منشأة عسكرية بتكلفة فاقت 800 مليون دولار، فوقف إطلاق النار فرصة لالتقاط الأنفاس وإعادة تقييم الحلفاء في المنطقة.

أدركت واشنطن أن كلفة الصدام المباشر مع طهران لم تكن مغامرة عسكرية فحسب، بل كانت انتحاراً اقتصادياً واستنزافاً بشرياً لا تطبعه الحسابات الانتخابية، فالخسائر السابقة جعلت فاتورة الدماء أثقل من أن يتحملها البيت الأبيض.

لذلك، لم يكن وقف إطلاق النار خياراً دبلوماسياً حراً، فالهدنة الاضطرارية تعتبر بالنسبة لترمب مختبراً سياسياً لإعادة تقييم جدوى تحالفه مع الكيان الصهيوني بعدما اكتشف أنه استدرجه إلى حرب استنزاف كادت أن تحرق المصالح الأمريكية، ليقرر، مضطراً، التراجع خطوة إلى الوراء لإعادة ترتيب أوراقه بعيداً عن جنون العظمة الذي يغرق فيه هو وقادة «تل أبيب».

المشروع الصهيوأمريكي ولد ميتاً

يقول المنظّر الإستراتيجي الروسي ألكسندر دوغين: إن الهدنة التي فرضها ترمب اعتراف ضمني بأن إيران تمتلك أوراق ضغط قادرة على تعطيل النظام العالمي؛ ما يضع «إسرائيل» في زاوية حرجة أمام جمهور وُعد بنصر ساحق ولم يجد سوى صافرات الإنذار.

ألا يمثل هذا الاعتراف رصاصة الرحمة على مشروع «الشرق الأوسط الجديد» الذي حاول ثنائي نتنياهو-ترمب هندسته على مقاس أوهامهما؟ فالحرب التي خططاها وهندساها لمزيد من السيطرة والهيمنة نتج عنها انحسار وانكماش لنفوذهما وأحلامهما.

ولا شك أن انكسار القطبية الأحادية أمام دبلوماسية باكستان وتركيا العاقلة ومن ورائهما الصين وروسيا بدرجة أقل، أثبت أن السيادة لا تتأثر بتغريدات «تويتر»، وأن الأسواق العالمية تفضل واقعية المصالح على جنون العظمة الصهيوأمريكي، ليعلن التاريخ أن «شرق أوسط نتنياهو» المتخيل قد وُلد ميتاً تحت وطأة حقائق الجغرافيا والتاريخ الذي لم تفهمها واشنطن.

بين الحسم والاحتواء

بشر نتنياهو بإغلاق ملف إيران للأبد، ولكنه فشل فشلاً ذريعاً، وخصوصاً بعد أن اختارت واشنطن عدم مواصلة طريق الحرب إلى نهايته، ولذلك يرى سيت كورت، الخبير العسكري البارز في معهد الدراسات الأمنية بواشنطن، أن صداماً بين البيت الأبيض و«تل أبيب» قد وصل لمرحلة غير مسبوقة، ويقول: لقد وجه نتنياهو تحذيراً شديد اللهجة لترمب، معتبراً الهدنة بمثابة طوق نجاة للنظام الإيراني في لحظة انكساره، لكن ترمب، بمنطقه الصفقاتي، يرى أن استنزاف القدرات النووية عبر بروتوكولات تفاوضية صارمة تحت التهديد، أفضل بكثير من الغرق في رمال الشرق الأوسط المتحركة بحرب أبدية لا تضمن تدمير المنشآت المحصنة في أعماق الجبال.

وفي السياق ذاته، يقول الأدميرال المتقاعد جيمس ستافريديس: واشنطن اكتشفت في أسابيع القتال الأخيرة أن كلفة تأمين مضيق هرمز ومواجهة المسيّرات الانتحارية تتجاوز بمراحل الميزانيات المرصودة، والهدنة ليست تراجعاً، بل هي إعادة تموضع إستراتيجي لمنع انهيار النظام المالي العالمي المرتبط بأسعار الطاقة.

فشل سياسة الضغوط القصوى

ومن قلب بكين، جاء تعليق المتحدث باسم الخارجية الصينية ليعزز رؤية الصين التي تميل للتهدئة، حيث قال: لقد أثبتت أحداث مارس وأبريل 2026م أن استخدام القوة المدمرة والحلول العسكرية الأحادية لن يفكك أزمة اليورانيوم الإيراني، بل سيؤدي لتعميق الكراهية الإقليمية وتحويل المنطقة إلى بركان ينفجر في وجه الجميع، والحوار هو السبيل الوحيد لضمان تدفق الطاقة وأمن الممرات المائية.

ومن الداخل الصهيوني، يبرز صوت عاموس يادلين، الرئيس السابق للاستخبارات العسكرية الصهيونية، ليعلق على تصريحات يائير جولان قائلاً: المشكلة ليست في الهدنة بحد ذاتها، بل في غياب التنسيق الإستراتيجي، نحن نرى إيران تخرج من هذه الجولة وهي لا تزال تمتلك يورانيوم مخصباً بنسبة 90%، وقدرات صاروخية لم تُمس في العمق، إذا لم تؤدِ هذه الهدنة لاتفاق يفكك البرنامج النووي نهائياً، فنحن أمام تأجيل للانفجار الكبير بظروف أسوأ بكثير.

على الجانب الآخر يرى المحلل السياسي الأردني د. مروان المعشر أن دول المنطقة، وخاصة الخليج، ترى في هذه الهدنة فرصة لالتقاط الأنفاس، وأن أي تصعيد إضافي كان سيعني استهدافاً مباشراً لمحطات تحلية المياه وحقول الغاز، والقادة هنا يدركون أن استمرار الحرب يعني تحويل الشرق الأوسط إلى منطقة محظورة استثمارياً لعقود قادمة.

فهدنة ترمب ليست مجرد توقف مؤقت للقتال، ولكنها إعلان عن موازين قوى جديدة في الشرق الأوسط، فقد أثبتت هذه الجولة أن زمن الحروب الخاطفة والنصر الساحق قد ولى، وأن الواقعية الجيوسياسية قد فرضت نفسها على الغطرسة وجنون العظمة العسكري، فبين فشل نتنياهو في تحقيق الحسم وطموح ترمب في تحقيق الصفقة، يبقى الشرق الأوسط ساحة مفتوحة، ليس للسلام، بل لجولات قادمة ستكون فيها كلمة الميدان مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بكلمة الممرات المائية، لقد سقط قناع النصر التاريخي، وبقي العالم يترقب: هل تكون هذه الهدنة بداية النهاية للصراع، أم أنها مجرد شحن للبطاريات قبل الانفجار الأكبر؟

الرابط المختصر :

كلمات دلالية

اترك تعليقاً

التعليقات (1)

ملك
منذ 6 أشهر

ما شاء الله تحليل خبير كلام عميق ورصين بارك الله فيكم


تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة