هزيمة ترمب والزلزال السياسي الأمريكي.. هل بدأت «إسرائيل» تفقد نفوذها في واشنطن؟

د. أمجد بشكار

08 نوفمبر 2026

15

دونالد ترامب على منصة تجمع سياسي

تمثل الانتخابات النصفية الأمريكية لعام 2026م محطة سياسية فارقة في تاريخ الولايات المتحدة، ليس بسبب خسارة الجمهوريين السيطرة على مجلسي الكونغرس فحسب، وإنما لما حملته نتائجها من مؤشرات على تحولات عميقة في اتجاهات الرأي العام الأمريكي وطبيعة العلاقة بين الناخب والسياسي، وحدود تأثير جماعات الضغط التقليدية في صناعة القرار ورسالة سياسية تعكس تراجع الثقة بالسياسات الجمهورية، وتكشف عن تغيرات في أولويات الناخب الأمريكي وفي نظرته إلى موقع الولايات المتحدة ودورها في العالم.

جاءت هذه النتائج لتؤكد أن الرئيس دونالد ترمب الذي دخل ولايته الثانية مستنداً إلى خطاب سياسي شعبوي وقاعدة انتخابية واسعة، لم يعد يمتلك التفويض الشعبي ذاته الذي مكّنه من العودة إلى البيت الأبيض، والأهم أن الخسارة لم تقتصر على المقاعد الانتخابية، بل امتدت إلى صورة القيادة السياسية وقدرتها على توجيه المزاج العام؛ الأمر الذي يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التوازنات الداخلية، التي ستكون لها انعكاسات تتجاوز حدود الولايات المتحدة لتصل إلى ملفات الشرق الأوسط، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية والعلاقة الأمريكية «الإسرائيلية».

تراجع نفوذ جماعات الضغط وبداية اختبار قوة المال

لعلّ أبرز دلالات هذا التحول تتمثل في تراجع القدرة التقليدية لجماعات الضغط، وفي مقدمتها لجنة الشؤون العامة الأمريكية «الإسرائيلية» (أيباك) على توجيه خيارات الناخبين والتحكم بمسارات المنافسة الانتخابية، فلطالما شكلت «أيباك» أحد أبرز مراكز النفوذ في واشنطن عبر قدرتها على توظيف الأموال الانتخابية لدعم مرشحين ومواجهة آخرين تبعاً لمواقفهم من دولة الاحتلال «الإسرائيلي».

لكن نتائج انتخابات 2026م تطرح تساؤلات جدية حول حدود هذا النفوذ، بعدما أظهرت أن الدعم المالي الكبير لم يعد ضمانة كافية لحسم المعارك الانتخابية، فقد أنفقت الجهات المرتبطة بأجندة «أيباك» عشرات الملايين من الدولارات في عدد من السباقات الانتخابية، ومع ذلك لم تتطابق النتائج بصورة كاملة مع رغباتها، وخسر مرشحون حظوا بدعمها، في حين تمكن آخرون ممن عارضتهم من تحقيق الفوز، وهنا لا يمكن الحديث عن نهاية نفوذ «أيباك» أو تلاشي تأثير المال السياسي في الانتخابات الأمريكية، فهذه الجماعات ما زالت تمتلك أدوات مالية وتنظيمية واسعة، لكن التحول الحقيقي يكمن في أن قدرتها على التأثير لم تعد تعني بالضرورة قدرتها على حسم النتائج.

فالمعادلة الانتخابية الأمريكية تشهد تغيراً واضحاً إذ لم يعد كافياً أن يحصل المرشح على دعم المؤسسات المالية وجماعات الضغط لضمان فوزه، بل أصبح مطالباً أيضاً بمراعاة اتجاهات قاعدته الانتخابية ومواقفها من القضايا الداخلية والخارجية، وهذا تطور يتجاوز حدود المنافسة الحزبية لأنه يمس إحدى الركائز التاريخية التي استندت إليها «إسرائيل» في الحفاظ على مستوى مرتفع من الدعم داخل المؤسسات الأمريكية، ويكشف عن أن المال السياسي مهما بلغت قوته لا يستطيع دائماً تجاوز التحولات في وعي الناخبين.

وتزداد أهمية هذا التحول عندما نربطه بالتغير الذي طرأ على صورة «إسرائيل» داخل المجتمع الأمريكي، إذ لم تعد العلاقة معها تحظى بالإجماع السياسي والشعبي الذي اعتادت عليه لعقود طويلة، بل بدأت تتحول تدريجياً إلى قضية مثيرة للجدل وعبء انتخابي في بعض الدوائر والولايات.

«إسرائيل».. من رصيد انتخابي إلى عبء سياسي

من أكثر المشاهد دلالة في هذه الانتخابات إعلان ترمب عزمه وقف المساعدات الأمريكية لـ«إسرائيل»، لا بالنظر إلى مضمون الإعلان، وإنما أيضاً بالنظر إلى توقيته ودوافعه الانتخابية، فترمب الذي يُعد من أكثر الرؤساء الأمريكيين دعماً لـ«إسرائيل» وجد نفسه أمام معادلة انتخابية مختلفة دفعته إلى محاولة إعادة صياغة موقفه من المساعدات الأمريكية بعدما أصبحت هذه القضية نقطة ضعف يستثمرها خصوم الجمهوريين في حملاتهم الانتخابية، ويبدو أن الإعلان جاء في محاولة لاحتواء الخسائر وإقناع الناخب الأمريكي بأن إدارته ليست مستعدة للاستمرار في تقديم دعم مفتوح لـ«إسرائيل» على حساب المصالح الأمريكية.

وهنا تكمن المفارقة السياسية، فالرئيس الذي قدم لـ«إسرائيل» دعماً سياسياً وإستراتيجياً غير مسبوق، وجد نفسه مضطراً إلى اتخاذ موقف انتخابي مناقض نسبياً لنهجه السابق اعتقاداً منه أن الإعلان عن وقف المساعدات قد يسهم في استعادة جزء من الأصوات التي بدأت تتجه نحو الديمقراطيين، وهذا يعني أن العلاقة مع «إسرائيل» لم تعد بمنأى عن الحسابات الانتخابية الداخلية، وأن السياسي الأمريكي بات يدرك أن تبني المواقف «الإسرائيلية» أو الدفاع عنها دون تحفظ قد يحمل كلفة انتخابية في بعض الأوساط والدوائر.

ولا يعني ذلك بالضرورة أن الولايات المتحدة تتجه نحو التخلي عن «إسرائيل» أو تفكيك تحالفها معها، فالمصالح الأمنية والعسكرية والاستخباراتية بين البلدين ما زالت عميقة ومتشابكة، كما أن الإعلان الرئاسي وحده لا يكفي لإنهاء الالتزامات القائمة أو تجاوز الأطر المؤسسية والتشريعية التي تحكم المساعدات، لكن الدلالة السياسية الأهم تتمثل في أن «إسرائيل» بدأت تتحول من رصيد انتخابي يمكن لبعض السياسيين توظيفه لتعزيز فرصهم، إلى عبء سياسي يتعين على هؤلاء تبرير استمرار تحمله أمام الناخبين.

صعود جيل سياسي جديد وتغير هوية النخبة الأمريكية

من التحولات اللافتة طبيعة الشخصيات الديمقراطية التي تمكنت من تحقيق انتصارات انتخابية وإزاحة شخصيات جمهورية بارزة، فنحن أمام جيل سياسي أكثر تنوعاً من حيث الخلفيات العرقية والدينية والثقافية، وأكثر تعبيراً عن التحولات الديموغرافية والاجتماعية التي يشهدها المجتمع الأمريكي، والمجتمع أصبح أمام جيل سياسي لا يتحرك بالضرورة ضمن القوالب التقليدية التي حكمت السياسة الأمريكية لعقود، ولا يتعامل مع قضايا الشرق الأوسط باعتبارها ملفات خارجية منفصلة عن منظومة القيم والحقوق والمساءلة، كما أن صعودها يفتح المجال أمام مقاربات سياسية مختلفة تجاه قضايا كانت محكومة لعقود طويلة بتوافقات تقليدية بين النخب الحزبية ومراكز النفوذ.

الشرق الأوسط يدخل إلى صناديق الاقتراع

لعل التحول الأكثر أهمية من الناحية الإستراتيجية أن قضايا الشرق الأوسط لم تعد محصورة في نطاق السياسة الخارجية الأمريكية، بل أصبحت تتداخل بصورة مباشرة مع حياة الناخب الأمريكي اليومية، وتؤثر في حساباته الانتخابية، حتى وإن لم تكن دائماً القضية الأولى التي يضعها في مقدمة أولوياته.

فبالرجوع إلى استطلاعات الرأي السابقة للانتخابات، أظهر 35% من الناخبين أن القضية «الإسرائيلية» الفلسطينية بالغة الأهمية عند تحديد خياراتهم الانتخابية، بينما ارتفعت النسبة إلى 47% بين الناخبين الديمقراطيين، كما اعتبر 47% من الناخبين أن الوضع في إيران قضية بالغة الأهمية بالنسبة إلى تصويتهم.

والتأثير السياسي للصراع في الشرق الأوسط لم يعد مرتبطاً فقط بالمواقف الأخلاقية أو السياسية من الحروب، وإنما بات مرتبطاً أيضاً بتداعياتها الاقتصادية والاجتماعية داخل الولايات المتحدة، بذلك لم تعد السياسة الخارجية بعيدة عن الحسابات الانتخابية الداخلية، بل أصبحت جزءاً من معادلة تحديد المسؤولية السياسية، فالناخب الذي يواجه ارتفاع أسعار الوقود والمواد الأساسية قد يسأل عن جدوى الانخراط في الحروب الخارجية، وعن حجم الأموال التي تنفقها الولايات المتحدة في صراعات لا يرى أنها تحقق له عائداً مباشراً.

وعلى المستوى الفلسطيني، فإن هذه التحولات تفتح نافذة سياسية مهمة تستحق الاستثمار لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى مصدر للتفاؤل المفرط أو الاعتقاد بأن خسارة ترمب تعني تلقائياً تغير السياسة الأمريكية تجاه الاحتلال، فالولايات المتحدة لا تُدار من خلال نتائج الانتخابات وحدها وإنما عبر منظومة مؤسسات ومصالح استراتيجية وأمنية واقتصادية متشابكة.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة