هل أتزوجك.. أم أتزوج حياتك؟!

أحمد جمال

15 سبتمبر 2026

66

هل أتزوجك.. أم أتزوج حياتك؟!

في كل مرة يُفتح فيها ملف تأخر الزواج يحضر المال باعتباره أحد المتهمين الرئيسين؛ تكاليف الزواج، وغلاء المهور، والسكن، ومتطلبات الحياة، وتراجع القدرة الشرائية.

لكنَّ ثمة سؤالاً آخر أقل صخباً وأكثر حساسية: ماذا لو لم يعد المال مجرد عائق أمام الزواج، بل أصبح أحد أسباب اختيار الزوج أو الزوجة؟ ماذا لو لم يعد السؤال: هل يصلح هذا الإنسان شريكاً لحياتي؟ وإنما ماذا ستضيف لي حياته؟ وكم ستنقلني إلى المستوى الذي أريده؟

هنا تتغير زاوية النظر، فهناك فرق بين إنسان يبحث عن شريك يوفر قدراً معقولاً من الاستقرار، وإنسان يبحث عن شخص يتولى مهمة إنقاذه اقتصادياً أو تحقيق نمط حياة لم يستطع أن يحققه بنفسه، وليس هناك فارق هنا بين الرجل والمرأة، فالسؤال في الحالتين واحد: هل نبحث عن شريك حياة، أم عن حياة نريد من الشريك أن يوفرها لنا؟

معايير اختيار الزوج

ليس من الإنصاف أن نتعامل مع الاستقرار المالي وكأنه أمر لا قيمة له في الزواج، فالزواج مسؤولية، والنفقة والسكن والقدرة على تحمل أعباء الأسرة حقوق وواجبات حقيقية، ولذلك كان المال حاضراً تاريخياً في أسئلة الناس عن الزواج، لكن حضور المال شيء، وتحوله إلى معيار يبتلع سائر معايير الإنسان شيء آخر.

وفي فتوى منشورة في العدد (1022) من «المجتمع» (27 أكتوبر 1992م)، سُئل د. عجيل جاسم النشمي عن معيار اختيار الزوج؛ أهو الخلق والدين، أم المال والنسب والوجاهة؟ فجاء جوابه واضحاً: «الدين والخلق وحسن المعاملة والعشرة هي المعيار، أما المال والنسب والوجاهة فأمور تابعة أو ثانوية»، مع تأكيده في الوقت نفسه أن التقارب في المستوى المالي والاجتماعي قد يكون أدعى لحسن العشرة.

وهذه معادلة دقيقة، لا إلغاء للمال، ولا تأليه له، فالاستقرار الاقتصادي مطلوب، لكنه لا ينبغي أن يصبح تعريفاً للإنسان الذي سندخل معه أخطر شراكة في العمر.

الشخص وتأثير المال

وهذه الفكرة كانت حاضرة في «المجتمع» قبل عقود بصورة أكثر مباشرة، ففي (العدد (552) ديسمبر 1981م)، ظهرت رسالة بعنوان «نصيحة للفتيات والآباء.. خير النساء أقلهن مهراً»، تنتقد النظر إلى الجانب المادي بوصفه أساس اختيار الزوج، وتصل إلى السؤال اللافت: «أترضين أن يتزوجك صاحب الثراء وليكن من كان؟».

وبعد أكثر من 3 عقود، جاءت «المجتمع» بفكرة أكثر تركيباً في مقال د. يحيى عثمان والمعنون بـ«العوامل المؤثرة في اختيار شريك العمر»، حيث يحذر من الخلط بين الإمكانية الحالية والإمكانية المستقبلية؛ فقد يكون المستوى المادي لشاب أقل مما تتمناه الفتاة الآن، لكن سيرته ومهاراته ومبادرته وقدرته على التطور قد تنبئ بمستقبل مالي أفضل، بينما قد يكون آخر أفضل منه مالياً في اللحظة الراهنة لكنه لا يملك مسارًا يدل على النمو.

وهنا يصبح السؤال أكثر عمقاً: هل أختار شريك حياتي على أساس ما يملكه الآن، أم أنظر أيضاً إلى ما يستطيع أن يبنيه في المستقبل؟

زواج الإنقاذ والمصلحة

عندما يدخل الإنسان الزواج وفي ذهنه أن الطرف الآخر سيحل أزمته الاقتصادية، فإن الزواج يحمل منذ البداية وظيفة ليست من طبيعته، حيث يصبح مشروع إنقاذ، أو يصبح أحد الطرفين بوابة إلى مستوى معيشي أعلى للطرف الآخر، ويصبح استمرار العلاقة مرتبطاً بقدرة هذا الطرف على أداء تلك المهمة.

وقد تناولت «المجتمع» مفهوم «زواج المصلحة» بصورة صريحة في العدد (1465)، في موضوع لكاتب اسمه عامر الحسن، بعنوان «الطلاق ثمن زواج المصلحة».

والمثال الذي ناقشه الموضوع كان الزواج لتحقيق مصلحة مؤقتة، كالحصول على الإقامة أو الجنسية، ثم انتهت العلاقة بعد انقضاء الغرض.

والمهم هنا ليس مطابقة المثال لموضوع المال، وإنما المبدأ الذي تكشفه التجربة، وهو أنه حين تصبح المصلحة الخارجية هي التي تمنح الزواج سبب وجوده، يصبح الزواج نفسه هشاً أمام انتهاء تلك المصلحة.

الزوجة واختبار المال

والاختبار الحقيقي لا يحدث يوم الخطبة، حين تكون الأرقام جميلة والصور براقة، وإنما يبدأ حين تتغير الأرقام؛ كأن يفقد الزوج عمله، أو يتراجع دخله، أو تمرض الزوجة، أو تصبح هي صاحبة الدخل الأعلى، أو تتغير الظروف التي كانت تمنح أياً من الطرفين مشروعية وجوده مع الطرف الآخر.

وهنا تظهر قيمة الإنسان الذي اخترناه بعيداً عن رصيده البنكي، فإذا كان الحب والاحترام مرتبطين بالدخل، فإن انخفاض الدخل يصبح تهديداً للعلاقة نفسها، أما إذا كان المال واحداً من عناصر الحياة لا معياراً لقيمة الإنسان، فإن الأسرة تستطيع أن تعيد ترتيب حياتها دون أن تعيد تعريف علاقتها.

ولذلك، لم تكن «المجتمع» تنظر إلى أزمة الزواج من زاوية واحدة، ففي (العدد (1710)، يوليو 2006م)، تناولت المجلة أسباب تأخر الزواج، ونقلت عن العلامة يوسف القرضاوي أن الناس عسّروا ما يسر الله، وأن العقبات أمام الزواج منها المادية والاجتماعية والنفسية، كما نقلت عن الشيخ جمال قطب ربط الظاهرة بأسباب اقتصادية واجتماعية أوسع.

ضبطٌ شرعي للمسألة

واللافت أن «المجتمع» لم تكتفِ بطرح البعد الاقتصادي أو الاجتماعي، بل حرصت كذلك على ضبط المسألة شرعياً من أكثر من زاوية، ففي مادة منشورة في (العدد (1862) عام 2009م) عن الشيخ عطية صقر، أوردت المجلة فتواه في رأي الوالدين في اختيار شريك الحياة.

وقد قرر الشيخ الراحل في فتواه أن مخالفة الوالدين في اختيار الزوج أو الزوجة تكون محرمة إذا كان اعتراضهما دينياً معتبراً، أما إذا كان رأيهما قائماً على مصلحة شخصية أو غرض آخر، وكان الزواج متحققاً فيه التكافؤ والصلاح فلا تحرم مخالفتهما، مع الدعوة إلى التفاهم بالحسنى حفاظاً على استقرار الأسرة الجديدة.

نبني معاً

ربما تكون هذه هي النقلة التي نحتاجها اليوم في طريقة التفكير في الزواج، فبدل أن أسأل فقط كم راتبه؟ ماذا يملك؟ أين يسكن؟ وما المستوى الذي يستطيع أن يوفره لي؟ يمكن أن أضيف سؤالاً أكثر أهمية: كيف يتعامل مع المسؤولية؟ هل يعرف كيف يعمل؟ هل يتعلم؟ هل يبادر؟ هل يستطيع أن ينهض إذا تعثرت الحياة؟

فالزواج ليس شراكة بين مكتملين اقتصاديا بالضرورة، وإنما شراكة بين إنسانين قادرين على تحمل الحياة وبنائها، وقد يكون الشخص الذي لا يملك اليوم كل ما نتمناه، لكنه يملك عقلاً ومسؤولية وهمة وقدرة على النمو، أقدر على بناء بيت من شخص يملك كل شيء لكنه لا يملك خلقاً ولا مودة ولا استعداداً للعطاء.

ومن هنا تتبدل صيغة الاختيار مِن مَن يستطيع أن يوفر لي الحياة التي أريد؟ إلى مع مَن أستطيع أن أبني الحياة التي نريدها معاً؟

شراكة حياة

في النهاية لا تكمن المشكلة في أننا نريد زوجاً مقتدراً، ولا في أننا نبحث عن مستوى معيشي مناسب، ولا في أننا نضع القدرة على النفقة ضمن حسابات الزواج؛ فكل ذلك طبيعي ومشروع، لكن المشكلة تبدأ حين يصبح الإنسان نفسه مجرد وسيلة للوصول إلى المال، وحين تتحول العلاقة من شراكة حياة إلى صفقة لتحسين الحياة.

ومنذ عقود وما زال كثيرون يسألون بصورة أو بأخرى: هل نختار الإنسان أم ما يملكه؟ واليوم ربما يحتاج السؤال إلى صياغة أكثر قرباً من واقعنا: هل أتزوجك أنت، أم أتزوج حياتك؟! لأن الإجابة عن هذا السؤال قد تحدد قبل عقد الزواج بوقت طويل، أي شيء نريد أن يستمر حين تتغير الحياة؛ الإنسان، أم المزايا التي كان يملكها؟

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة