معبد الإلحاد يهتز (18)
هل أخطأ القرآن الكريم في وصف الجنين؟
خلق الله عز وجل الإنسان من نطفةٍ ثم سوّاه وعدّله، ونفخ فيه من روحه، وجعله في أحسن تقويم، وأنزل القرآن الكريم هدىً للناس، ودعا الحق سبحانه وتعالى إلى التأمل في خلق الإنسان: {فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ خُلِقَ مِن مَّاء دَافِقٍ يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ} (الطارق: 5-8)، فالبداية ضئيلة لا تُرى.. والنهاية كائنٌ عاقلٌ مدرك.. وبينهما مسارٌ محكم لا تديره الصدفة ولا تشرحه الفوضى، بل تحكمه إرادةُ خالقٍ خبير يعلم ما في الأرحام، وما تُكنّه الصدور، وما كان وما سيكون.
وفي فوضى السوشيال ميديا التي
ابتُلينا بها من تيك توك إلى يوتيوب وفيس بوك تحولت هذه المنصات إلى مسارح مفتوحة
لخطابٍ إلحادي صاخب، تُقتطع فيه العبارات من سياقاتها، وتُساق الشبهات في مقاطع
قصيرة تُوهم بالعلم وتفتقر إلى المنهج.
إنّ الإيمان في الإسلام العظيم هو
ثمرةُ نظرٍ وتأمّل يضع كلّ معرفة في موضعها.
والعجيب أن عبث الملحدين امتد إلى كل
شيء، حتى آيات خلق الإنسان التي شهد لها العالم كله في إعجازها، صارت هدفا
لشبهاتهم!
نص الشبهة:
«يا من يريد أن يرى الحقيقة بعينيه،
دعنا ننزل إلى بطن الأم، يقولون إن القرآن سبق العلم في وصف الجنين بثلاث كلمات:
نطفة، علقة، مضغة.
لكن العلم الحديث يكشف العكس
تمامًا:
أولًا: نطفة تعني القطرة، بينما
البداية الحقيقية هي الزيجوت (بويضة مخصبة) لا تُرى بالعين.
ثانيًا: علقة تفترض شكلًا معلقًا أو
دمًا جامدًا، لكن الجنين في الأسبوع الثالث لا يعلق بشيء، بل يطفو في كيس مائي
صغير.
ثالثًا: مضغة تفترض لحمًا ممضوغًا،
بينما الجنين في الأسبوع الخامس يشبه إعواءة صغيرة للقمة.
أضف إلى ذلك أن الترتيب يتجاهل مراحل
حاسمة: زيجوت - الكيسة الأريمية - المشيمة - الأعضاء الأولية.
إذًا الوصف ليس إعجازًا، بل خطأ علمي
واضح مغلف ببلاغة شعرية، والحقيقة لا تحتاج إلى تأويل، بل إلى قبول.»ا.هـ
الرد على الشبهة:
أولًا: هل القرآن الكريم «أخطأ» حين قال نطفة ولم يقل زيجوت؟
النطفة في اللغة العربية: ليست «قطرة
مرئية بالعين» كما زُعم، بل القليل من السائل.. أي أصغر كمية.. والعرب استعملوا
«نطفة» لما لا يُدرك حسًّا أحيانًا، ولذلك قالوا: نطفة ماء مهين، ولم يقولوا «قطرة
تُرى».. والمفاجأة العلمية الزيجوت نفسه
هو ناتج امتزاج نطفة الرجل ونطفة المرأة.
والنطفة تشير إلى السائل المنوي الذي
يحتوي على الحيوانات المنوية، والتي تندمج مع البويضة لتشكل الزيجوت (Zygote)، وهو خلية واحدة تحتوي على مزيج من المادة الوراثية من الأب
والأم، مما يعكس مفهوم «أمشاج» (مختلطة).
قال الله تعالى: «إِنَّا خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ
مِن نُّطۡفَةٍ أَمۡشَاجٖ نَّبۡتَلِيهِ فَجَعَلۡنَٰهُ سَمِيعَۢا بَصِيرًا» هذا
الوصف يتطابق مع عملية الإخصاب حيث لا يمكن رؤية الزيجوت بالعين المجردة، وهو أصغر
من أي قطرة مرئية.
راجع:
Keith
L. Moore, "The Developing Human: Clinically Oriented Embryology,"
11th Edition (2020), Elsevier, Chapter 2: Fertilization and the Zygote
Formation (يصف عملية الإخصاب كامتزاج للنطفة الذكرية
والأنثوية).
والنطفة توصيف دقيق للغاية لمرحلة
الإخصاب نفسها، وليس ما قبلها ولا ما بعدها.
إذن الزيجوت لا يناقض النطفة، بل هو
نتيجتها المباشرة.
ثانيًا: علقة.. دم جامد أم توصيف معجز متعدّد الأبعاد؟
الملحد حصر معنى علقة في «دم
متجلّط»، وهذا خطأ لغوي فادح.. لأن المعاني الثلاثة لكلمة علقة في العربية:
- شيء يَعلَق
- دودة العَلَق (Leech)
- دم غليظ
والآن لننظر في الأسبوعين
2–3:الجنين:ينغرس فعلًا في بطانة الرحم (Implantation)ويتعلّق بها بيولوجيًا وغذائيًا وشكله تحت المجهر مطابق تقريبًا
لدودة العلق
ونظام التغذية:
يعتمد على دم الأم مباشرة.
في مرحلة العلقة، يحدث الانغراس (Implantation) حيث يلتصق الجنين وهو في مرحلة الكيسة الأريمية (Blastocyst) بجدار الرحم، ويبدأ في امتصاص الدم والمغذيات من الأم، مشبهًا
بدودة العلق (Leech)
في الشكل والوظيفة، حيث يظهر الجنين منحنيًا ومتماسكًا ككتلة دموية متعلقة.. وهذا
لا يعني تعليقًا في الهواء، بل التصاقًا بيولوجيًا داخل كيس مائي، وهو ما يدحض
ادعاء الطفو دون ارتباط.
راجع:
T.W.
Sadler, "Langman's Medical Embryology," 14th Edition (2018), Wolters
Kluwer, Chapter 3: Second Week of Development
(يصف الانغراس والتشابه مع العلق في الشكل والتغذية الدموية).
بالإضافة لذلك مجلة Journal
of Anatomy وهي واحدة من أعرق المجلات الطبية في العالم
وبدأ صدورها عام 1867م نشرت صورًا مقارنة بين جنين الإنسان المبكر ودودة العلق
ووجدوا التشابه مذهل.. فالقرآن الكريم لم يقل «معلّق في الهواء»، بل قال علقة أي:
كائن متعلّق، شبيه بالعلق، متغذٍّ على الدم..فأين الخطأ؟! بل أين الدقّة الأبلغ من
هذا؟
ثالثًا: مضغة.. هل هي «لحم ممضوغ» فعلًا؟
مرة أخرى نجد: سوء فهم لغوي + جهل
بالوصف التشريحي يطغى على عقول الملحدين.
معنى مضغة: قطعة صغيرة بقدر ما يُمضغ
ولا تشترط أن تكون «لحمًا».
ماذا يقول علم الأجنة في الأسبوع
4–5؟
الجنين: طوله ≈
1 سم تظهر عليه القطع البدنية البدئية (Somites) تعطيه مظهر آثار الأسنان
على شيء ممضوغ هذا الوصف ورد حرفيًا في كتب:Moore
– The Developing HumanLangman – Medical Embryology
في مرحلة المضغة، تتكون الـ Somites (قطع عضلية بدائية) التي تبدو كعلامات أسنان على قطعة ممضوغة، مما
يعطي الجنين مظهرًا غير منتظم يشبه اللحم الممضوغ، وهذا يحدث في الأسابيع 4-5، حيث
يبدأ تشكل الهيكل العظمي والعضلي الأولي، خلافًا لادعاء الشبه بـ«الإعواءة الصغيرة».
راجع:
Keith
L. Moore, "The Developing Human: Clinically Oriented Embryology,"
11th Edition (2020), Elsevier, Chapter 5: Fourth to Eighth Weeks of Human
Development
(يصف الـ Somites كمظهر ممضوغ مع صور توضيحية).
بل إن بعض أساتذة الأجنة الغربيين
صرّحوا أن وصف « chewed substance
» أدق ما قيل عن هذه المرحلة.. فهل القرآن الكريم «يخطئ».. أم يسبق المجهر وعلم
الأجنة وأجهزة الفحص الحديثة؟
رابعًا: هل القرآن الكريم تجاهل مراحل مثل الكيسة الأريمية والمشيمة؟
هذا اعتراض شكلي فارغ.. لأن القرآن
الكريم ليس كتاب تشريح تفصيلي.. بل يذكر المراحل التحولية الكبرى، وهذه المراحل
التي ذُكرت:
زيجوت - كيسة أريمية- مشيمة كلها تقع
داخل مرحلة النطفة أو العلقة من حيث التحول البنيوي. والعلم نفسه: لا يعدّ كل
انقسام خلوي «مرحلة مستقلة»بل يُدرجها ضمن مراحل تطورية أوسع والاعتراض هنا كمن
يقول: «القرآن الكريم لم يذكر مراحل تصنيع الرغيف داخل المخبز، إذًا أخطأ حين قال:
خبز!»
علم الأجنة يقسم التطور إلى مراحل
رئيسية واسعة، حيث يندرج الزيجوت والكيسة الأريمية (Blastocyst) ضمن مرحلة النطفة الأولى، والمشيمة تتطور خلال العلقة كجزء من
الالتصاق والتغذية، دون الحاجة إلى سرد كل خطوة خلوية، فالقرآن الكريم يركز على
التحولات الرئيسية الملاحظة تاريخيًا، مما يجعله متوافقًا مع التصنيف العلمي
الحديث.
راجع:
American
College of Obstetricians and Gynecologists (ACOG), "Embryonic Development
Overview" (2023), available at acog.org, Section on Early Pregnancy Stages (يصنف المراحل الرئيسية ويدرج التفاصيل الدقيقة تحتها).
خامسًا: الصاعقة للملحد
السؤال الحقيقي ليس: هل استعمل
القرآن الكريم مصطلحات المختبر وكليات ومعاهد الطب؟
بل: هل وصف الله تعالى ما لا يُرى
آنذاك وصفًا صادقًا مطابقًا للواقع الذي نعيشه اليوم؟
والجواب: لا طبيب في القرن السابع
الميلادي ولا شاعر ولا فيلسوف ولا كاهن ولا ساحر كان يمكنه رؤية الجنين داخل الرحم
ومعرفة انغراسه وملاحظة شكله الدودي وإدراك مظهر المضغة المُسنّنة.. إلا سيدنا
رسول الله ﷺ بوحيٍ من خالق هذا الجنين نفسه قرأ كلام الله عز وجل على الناس.
فلم يكن علم الأجنة معروفًا في القرن السابع
الميلادي إلا بطرق بدائية، ولم يتم اكتشاف التفاصيل المجهرية إلا بعد اختراع
المجهر في القرن السابع عشر، مما يجعل الوصف القرآني سابقًا للعلم الحديث بقرون،
ومتوافقًا مع الاكتشافات مثل التصوير بالموجات فوق الصوتية والمجهر الإلكتروني.
راجع:
William
J. Larsen, "Human Embryology," 3rd Edition (2001), Churchill
Livingstone, Introduction: Historical Perspectives on Embryology
(يناقش تطور المعرفة العلمية ويبرز
عدم وجود وصف دقيق قبل العصر الحديث).
وتبقى كلمة:
إن شبهات الملحدين حول مراحل خلق
الجنين هي في جوهرها إسقاط متعمد لمفاهيم مختبرية حديثة على ألفاظ عربية بليغة
نزلت قبل أربعة عشر قرنًا، دون أدنى محاولة لفهم سياقها اللغوي العميق أو دلالاتها
المتعددة.
إنها انتقاء مغرض لمعنى واحد ضيق من
بين معانٍ واسعة، وتجاهل صارخ - بل مُتعمَّد-
لما يقرّه علم الأجنة المعاصر نفسه من دقة مذهلة في تلك الأوصاف القرآنية
البسيطة والعميقة في آنٍ واحد.
القرآن الكريم لم ينزل ليكون كتاب في
علم التشريح أو قاموس علمي يسرد التفاصيل المجهرية والمراحل الخلوية بالمصطلحات
اللاتينية الحديثة.. بل نزل بلغة العرب الفصحى، بلغة تحمل الحقائق الكبرى بأبلغ
صورة وأدق تعبير، بحيث تظل صالحة لكل زمان ومكان، وتتكشف طبقاتها مع تقدم العلم.
انظر إلى كلمة «نطفة أمشاج» تجدها
تشير إلى أصل الخلق المختلط: خليط وراثي من ذكر وأنثى، في لحظة لا يراها إلا الله
عزّ وجل.. وهذا الوصف الدقيق لم يكن معروفًا في القرن السابع، حيث كان الاعتقاد
السائد أن الجنين يتكون من السائل المنوي للرجل وحده، أو من دم الحيض، أو من مزيج
غامض.. أما القرآن الكريم فقد أعلن بوضوح: نطفة أمشاج أي مختلطة - قبل أن يعرف
العالم مفهوم الـ Zygote
والـ Genetic recombination
بقرون.
ثم «علقة» وهي كلمة تحمل ثلاث دلالات
رئيسية في اللغة العربية: الشيء المتعلق، والدودة العالقة (العلق/اللِيچ)، والدم
الغليظ. والعجيب أن الجنين في مرحلته الثانية والثالثة يجمع هذه المعاني الثلاثة
معًا: يلتصق ويتعلق بجدار الرحم، وشكله يشبه دودة العلق بشكل مذهل (كما أظهرت صور
المجهر الحديثة)، ويتغذى فعليًا على دم الأم في تلك المرحلة.
وهذا ليس صدفة.. ولا تأويلًا
متكلفًا، بل وصفًا شاملًا يجمع الشكل والوظيفة والعلاقة.
و«مضغة» هي قطعة لحم تُمضغ، أو بمعنى
أدق شيء يحمل آثار المضغ.. وعندما ينظر علم الأجنة إلى الجنين في الأسابيع الرابعة
والخامسة، يرى بوضوح الـ Somites، تلك التقسيمات المنتظمة التي تبدو كآثار أسنان على قطعة ممضوغة..
وهذا التشبيه لم يأتِ من وحي الشعراء، بل من واقع تشريحي لم يُكتشف إلا بعد اختراع
المجهر المركب.
إن من يقرأ شبهات الملحدين يجد أن
الاعتراضات غالبًا ما تبنى على افتراض أن القرآن الكريم يجب أن يستخدم مصطلحات
علمية دقيقة مثل "blastocyst"
أو "somites"
أو "implantation"،
وإلا فهو خطأ! وهذا منطق عبثي شيطاني، فالقرآن الكريم لا يخاطب علماء القرن الحادي
والعشرين وحدهم، بل يخاطب الإنسان في كل عصر بما يفهمه ويؤثر في قلبه.
ومع ذلك.. فإن هذه الألفاظ الواضحة
لغويًا ثبتت صحتها علميًا بما لا يدع مجالًا للشك.
إن القرآن الكريم هو كلام خالق الكون
الذي يعلم السر وأخفى، ويعلم ما في الأرحام قبل أن يُرى.. إنه يصف ما لم يستطع أحد
في القرن السابع أن يراه أو يتخيله بدقة كهذه، إلا بوحي من عالم الغيب والشهادة.
﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا
تُبْصِرُونَ﴾
﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي
الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ فالحقيقة
لا تحتاج إلى تأويل متكلف، ولا إلى قبول مسبق بالشبهات.. الحقيقة تُرى بعين القلب
قبل العين المادية.. والقرآن الكريم كما كان وكما سيبقى يتحدى الناس على مر
الدهور: اقرأوه.. تدبروا آياته.. قارنوه بالعلم الحديث.. ستجدون أن الحق فيه باقٍ،
والشبهات إلى زوال.
صدق الله العظيم ﴿وَقُلْ جَاءَ
الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ۚ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً