معبد الإلحاد يهتز (28)
هل الرسول ﷺ هو مؤلف القرآن؟!
لقد بهر القرآن
الكريم العرب وهم سادة البيان، وأعجز الفصحاء وهم أرباب البلاغة، حتى وقفوا أمامه
حائرين مدهوشين، يعلمون في قرارة أنفسهم أنه ليس من جنس كلام الناس، فما استطاعوا
أن يأتوا بسورة من مثله، رغم شدّة عداوتهم وحرصهم على إبطال دعوة النبي صلى الله
عليه وسلم.
والعجيب أن بعض
الشبهات المثارة حول القرآن الكريم اليوم ليست جديدة، وإنما هي إعادة تدوير
لاعتراضات قديمة تنشأ من الجهل بلغة العرب وأساليب البيان، أو من اقتطاع النصوص من
سياقها، أو من قراءة الوحي بعقلية غريبة عن طبيعة الخطاب القرآني.
ومن أشهر تلك
الشبهات قول بعضهم: إن القرآن الكريم أحيانًا يتحدث بلسان الله عز وجل، ثم ينتقل
فجأة إلى كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم دون تنبيه واضح، مما يدل - بزعمهم -
على اضطراب المتكلم داخل النص القرآني!
نص الشبهة
«في القرآن نجد:
﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، فمن الذي قال “قل” أصلًا؟ هل هو الله أم جبريل
أم محمد؟ وهل يدل هذا على اضطراب في المتكلم داخل القرآن؟
والقرآن أحيانًا
يتحدث بلسان الله، ثم ينتقل فجأة إلى لسان محمد دون تنبيه واضح.. فمثلًا يقول:
﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ ثم: ﴿وَالْأَرْضَ
فَرَشْنَاهَا﴾ ثم: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾، وكلها بصيغة
المتكلم الإلهي، ثم فجأة يقول: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ
نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾، فيبدو أن المتكلم تحول إلى محمد».
الرد على الشبهة
وهذه الشبهة في
الحقيقة تنهار أمام أدنى فهم لطبيعة الوحي، وأبسط معرفة بأساليب العربية وبلاغتها.
أولًا: كلمة «قُلْ» ليست إشكالًا.. بل دليل قاطع على أن القرآن الكريم وحي من عند الله عز وجل:
لو كان رسول
الله صلى الله عليه وسلم يؤلف القرآن الكريم من عند نفسه، لكان من الأسهل عليه أن
يحذف كلمة: ﴿قُلْ﴾ ويبدأ مباشرة بالكلام، فبدل أن يقول: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا
الْكَافِرُونَ﴾ لقال ببساطة: «يا أيها الكافرون».
لكن وجود كلمة
﴿قُلْ﴾ يكشف بوضوح وجود آمر بالكلام وهو الله عز وجل، ومأمور بالتبليغ وهو سيد
الكائنات صلى الله عليه وسلم، وواسطة في نقل الوحي وهو جبريل عليه السلام.
فالقرآن الكريم
ليس كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا كلام جبريل من عند نفسه، وإنما هو
كلام الله عز وجل المنزل على قلب نبيه بواسطة الوحي.
قال الله عز
وجل: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى عَلَّمَهُ
شَدِيدُ الْقُوَى﴾ (سورة النجم، الآيات: 3–5).
فالله عز وجل هو
المتكلم الحقيقي بالقرآن الكريم، وجبريل عليه السلام بلّغه، وسيد الكائنات صلى
الله عليه وسلم أدّاه كما أُنزل دون زيادة ولا نقصان.
بل إن بقاء
ألفاظ مثل: ﴿قُلْ﴾، و﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ﴾، و﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ
الرُّسُلِ﴾، هو في حد ذاته دليل مذهل على الأمانة المطلقة في نقل الوحي.
قال الله عز
وجل: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ﴾
(سورة الزمر، الآية: 11).
وقال سبحانه
وتعالى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي
وَلَا بِكُمْ ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا
نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ (سورة الأحقاف، الآية: 9).
بل الأعجب من
ذلك أن القرآن الكريم نفسه يعاتب سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في مواضع متعددة،
وهو ما يستحيل عادةً على من يؤلف كتابًا لنفسه.
يقول الله عز
وجل: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ (سورة عبس، الآيتان: 1–2).
وقال سبحانه:
﴿عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ (سورة التوبة: الآية:43).
وقال جل جلاله:
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ (سورة
التحريم، الآية:1).
فأيُّ مؤلف بشري
يضع في كتابه عتابًا صريحًا لنفسه، ثم يجعل الناس يتعبدون بتلاوته إلى يوم
القيامة؟
ثانيًا: الانتقال بين الضمائر أسلوب عربي بلاغي رفيع اسمه «الالتفات»:
الانتقال بين
ضمائر المتكلم والمخاطب والغائب ليس اضطرابًا، بل هو من أشهر أساليب البلاغة
العربية وأعلاها شأنًا، ويُسمّيه البلاغيون: «الالتفات».
وهو أسلوب
يُستخدم لتجديد انتباه السامع، وتقوية التأثير النفسي، ومنع رتابة الكلام.
ومن أشهر أمثلته
في القرآن الكريم قول الله عز وجل: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ (سورة الفاتحة، الآيات:2–4).
ثم ينتقل السياق
فجأة إلى الخطاب المباشر: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (سورة
الفاتحة، الآية:5).
فهل قال أحد إن
سورة الفاتحة «مضطربة المتكلم»؟
أم أن هذا
الانتقال منح النص قوةً وروعةً وحرارةً إيمانية هائلة؟
وكذلك في سورة
الذاريات: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ
وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا
زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (سورة الذاريات، الآيات: 47–49).
المتكلم هنا هو
الله عز وجل بصيغة العظمة والجلال، ثم يأتي الانتقال المدهش: ﴿فَفِرُّوا إِلَى
اللَّهِ ۖ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ (سورة الذاريات، الآية: 50).
هنا تتجلّى قمّة
البلاغة القرآنية؛ فالسياق بدأ بعرض مشاهد القدرة الكونية: بناء السماء، وتمهيد
الأرض، وخلق الأزواج، والنظام الكوني الهائل، ثم فجأة يتحول هذا العرض الكوني إلى
نداء نجاة عاجل يهزّ القلب.. ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾.. وكأن المعنى: إذا كنتم
قد رأيتم آثار القدرة الإلهية في الكون، فلا تجعلوا هذه الحقائق مجرد تأملات ذهنية
باردة، بل تحركوا فورًا نحو الله عز وجل.
وقفة بلاغية عميقة
نلمس هنا عظمة
التعبير القرآني بصورة تكاد تلامس القلب مباشرة؛ فالإنسان لا يفر إلا من خطر داهم:
من نار، أو سيل، أو جيش، أو موت. لكن الآية الكريمة لم تقل: «ففروا من الله»، بل
قالت: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾.
هنا تبلغ
البلاغة ذروتها؛ لأن القرآن الكريم يكشف الحقيقة الوجودية الكبرى: أن الإنسان لا
نجاة له من الله عز وجل إلا بالله عز وجل. فهو سبحانه الذي تخاف عقابه، وهو وحده
الذي يمنح الأمان من هذا العقاب. ولذلك قال بعض السلف: «فِرُّوا مِنْهُ إِلَيْهِ».
ثم تأمل هذا
الانتقال المدهش بعد عرض دلائل القدرة الكونية: ﴿إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ
مُبِينٌ﴾.
وهنا أيضا
تتجلّى دقة البيان القرآني في أبهى صورها؛ فهذه الآية الكريمة تكشف جانبًا آخر من
جوانب الإعجاز البلاغي، وهو الإيجاز بالحذف، أحد أشهر أساليب العربية وأرفعها
شأنًا. فالعرب لا تلتزم دائمًا بذكر جميع أجزاء الكلام إذا كان السياق يدل عليها
دلالة واضحة لا لبس فيها، بل قد يكون الحذف أبلغ من الذكر وأقوى أثرًا في النفس.
وعلى هذا الأساس
فإن تقدير الكلام هنا: «قل يا أيها الرسول لقومك: ففروا إلى الله، إني لكم منه
نذير مبين».
فالله عز وجل هو
المتكلم ابتداءً، وهو الذي يأمر رسوله صلى الله عليه وسلم بالتبليغ، ثم يأتي كلام
الرسول صلى الله عليه وسلم داخل السياق القرآني تنفيذًا لهذا الأمر الإلهي. ومثل
هذا الأسلوب معروف في القرآن الكريم في مواضع كثيرة افتتحت بقوله تعالى: ﴿قُلْ﴾،
غير أن المقام هنا دلَّ على الأمر بالتبليغ دون حاجة إلى التصريح به، فاستُغني عن
ذكره اعتمادًا على دلالة السياق وقوة المقام.
وهذا من أسرار
البلاغة العربية؛ لأن البلاغة ليست في كثرة الألفاظ، وإنما في أداء المعنى بأوجز
عبارة وأبلغها. ولذلك عدَّ علماء البيان الحذف بابًا عظيمًا من أبواب الفصاحة؛ إذ
يُترك ما يُفهم ليُوجَّه الانتباه إلى ما هو أهم وأقوى تأثيرًا في النفس.
ومن هنا يتبين
أن قوله تعالى: ﴿إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ليس دليلًا على اضطراب
المتكلم كما يتوهم الملحدون الجهلاء.. بل هو دليل على إحكام الخطاب ودقة بنائه.
فالله عز وجل يتكلم، ثم يوجّه رسوله صلى الله عليه وسلم إلى أداء الرسالة، فيأتي
كلام الرسول جزءًا من النسيج القرآني بأمر الله ووحيه.
بل إن هذا الفهم
هو الذي ينسجم مع السياق كله؛ لأن الله عز وجل لا يقول عن نفسه: «إني لكم منه نذير
مبين»، وإنما هذا وصف وظيفة الرسول صلى الله عليه وسلم الذي أرسله الله منذرًا
ومبشرًا. ولذلك كان تقدير الكلام: «قل يا أيها الرسول لقومك: ففروا إلى الله، إني
لكم منه نذير مبين».
وهنا يدخل صوت
رسول الله صلى الله عليه وسلم داخل النسيج القرآني بصورة مبهرة. فالقرآن الكريم
خطاب حيّ يخاطب الإنسان عبر رسول يعيش بينهم ويواجههم بالحقيقة، وبعد أن تكلم الله
عز وجل عن بناء السماء وتمهيد الأرض وخلق الأزواج، جاء صوت الرسول صلى الله عليه
وسلم ليحوّل هذه الحقائق من مجرد معارف عقلية إلى إنذار حيّ مباشر.
فكأن سيدنا محمد
صلى الله عليه وسلم يقف فجأة أمام السامع بعد عرض مشاهد الكون الهائلة ليقول له:
لقد رأيتَ الآيات، وتأملتَ دلائل القدرة، وعاينتَ الشواهد التي تملأ الكون من
حولك، ففرّ إلى الله قبل فوات الأوان؛ فإني لكم منه نذير مبين.
وهكذا يلتقي
الإيجاز بالحذف مع الالتفات البلاغي في بناء واحد بالغ الإحكام، فتنتقل الآيات من
عرض دلائل القدرة إلى نداء النجاة، ومن مشاهد الكون إلى خطاب الإنسان مباشرة، في
أسلوب يجمع بين قوة الحجة وروعة البيان.
ولو كان
الانتقال بين كلام الله عز وجل وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم داخل السياق الواحد
دليل اضطراب، لكان العرب الأوائل - وهم أهل اللغة والبيان - أول من اعترض عليه.
لكن شيئًا من ذلك لم يقع؛ لأنهم كانوا يدركون أن دلالة السياق تغني أحيانًا عن
التصريح، وأن الحذف إذا دل عليه المقام كان أبلغ من الذكر، وأن الانتقال بين
مستويات الخطاب من أعظم وجوه الفصاحة لا من مظاهر الخلل.
ومن هنا يتبين
أن الإشكال ليس في النص القرآني، وإنما في قراءة النص بعيدًا عن قوانين العربية
وأساليبها البيانية.. فالملحد الجهول الذي يتجاهل أساليب الحذف والإيجاز والالتفات
ثم يدّعي وجود اضطراب في القرآن الكريم إنما يبني اعتراضه على فهم ناقص للغة التي
نزل بها القرآن الكريم، لا على خلل حقيقي في النص نفسه.
بل إن هذه الآية
الكريمة تقدم مثالًا بديعًا على قدرة القرآن على الجمع بين الإيجاز والوضوح، وبين
الحذف والبيان، وبين جلال الخطاب الإلهي وقرب الخطاب النبوي، في نسيج واحد متماسك
يزداد جمالًا كلما ازداد المتدبر فيه نظرًا وتأملًا.
إذن تنهار شبهة
«اختلاط الأصوات» بالكامل؛ لأن الآية نفسها تحدد المتكلم بدقة مذهلة. فالله عز وجل
لا يقول عن نفسه: «إني لكم منه نذير». إذن فالانتقال مقصود، واضح، ومحكوم بدقة
بلاغية عالية.
بل إن هذا
الانتقال السلس بين صوت الله عز وجل وصوت سيد الكائنات صلى الله عليه وسلم داخل
نسيج واحد دون ارتباك أو غموض هو نفسه من وجوه الإعجاز؛ لأن النص يحافظ على
انسجامه الكامل رغم تنقل مستويات الخطاب.
ثالثًا: القرآن الكريم ينقل أنواعًا متعددة من الكلام داخل السياق الواحد:
القرآن الكريم ينقل
كلام الله عز وجل، وكلام الأنبياء، وكلام الملائكة، وكلام المؤمنين، وكلام
الكافرين والمنافقين، وكل ذلك يأتي داخل سياق واحد بالغ الانسجام، قال الله عز وجل
حاكيًا كلام عيسى عليه السلام: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ
وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ (سورة مريم، الآية: 30).
وقال سبحانه
مخاطبًا موسى عليه السلام: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا
فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ (سورة طه، الآية: 14).
وقال تعالى
ناقلًا عن الكفار: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا﴾ (سورة
الفرقان، الآية: 5).
فهل وجود كلام
الكفار داخل القرآن الكريم يجعل القرآن الكريم من تأليف الكفار؟! بالقطع لا. إنما
القرآن الكريم ينقل الأقوال ضمن سياق بياني محكم مفهوم لكل من يعرف العربية.
بل إن القارئ
للقرآن الكريم يجد عشرات المواضع التي ينتقل فيها السياق بين كلام الله عز وجل
وكلام أنبيائه وملائكته وعباده، دون أن يختلط الأمر على السامع؛ لأن القرائن
اللفظية والسياقية كافية لتحديد المتكلم. وهذا من خصائص البيان الراقي الذي يعتمد
على ذكاء المتلقي وقدرته على متابعة السياق، لا على التكرار الممل والإعادة
المستمرة للتعريف بالمتكلم في كل جملة.
ومن هنا يتضح أن
ما يظنه الملحدون اضطرابًا في الأصوات ليس إلا تنوعًا في مستويات الخطاب داخل بناء
قرآني واحد محكم النسج، تتكامل أجزاؤه لخدمة المعنى المقصود وإيصال الرسالة بأقوى
صورة ممكنة.
رابعًا: هذه الشبهة تسقط أمام التراث العربي كله:
لو كان الانتقال بين الضمائر دليل اضطراب،
لكان كثير من الشعر الجاهلي والخطب العربية «مضطربًا» أيضًا.. لكن الحقيقة أن
الالتفات البلاغي أسلوب عربي قديم متجذر في كلام العرب قبل الإسلام بقرون.
ومن الشواهد
المشهورة قول امرئ القيس:
تطاولَ ليلُكَ
بالأثمدِ ونامَ الخليُّ ولم ترقدِ
فبدأ بخطاب
النفس: «ليلُكَ»، ثم انتقل إلى الغيبة: «ونام الخليُّ»، ثم عاد إلى الخطاب: «ولم
ترقد».
وكذلك قول زهير
بن أبي سلمى:
سئمتُ تكاليفَ
الحياةِ ومن يعشْ ثمانينَ حولًا لا أبا
لك يسأمِ
فانتقل من
الحديث عن نفسه إلى خطاب السامع مباشرة، وكان العرب يعدّون هذا من الفصاحة لا من
الاضطراب.
بل إن كتب
البلاغة العربية أفردت للالتفات أبوابًا خاصة، وعدّته من محاسن الكلام ووجوه
الإبداع البياني. فكيف يصبح ما عدّه العرب منتهى الفصاحة دليلًا على الخلل حين يقع
في القرآن الكريم؟
ولو كان في
القرآن الكريم خلل حقيقي من هذا النوع، لكان العرب - وهم أهل اللغة والبيان - أول
من اكتشفه واحتج به. لكنهم لم يفعلوا. لقد اتهموا سيد الكائنات صلى الله عليه وسلم
بالسحر والشعر والكهانة، لكن لم يُنقل عن واحد منهم قط أنه قال: «إن القرآن الكريم
مضطرب المتكلم» أو يخلط في الكلام، لأنهم كانوا يفهمون العربية جيدًا، ويعرفون أن
هذا أسلوب بلاغي رفيع.
ولو كان هذا
الاعتراض صحيحًا لكان أولى الناس بإثارته هم خصوم الدعوة الأوائل الذين عاصروا
نزول القرآن الكريم، وكانوا أحرص الناس على البحث عن أي ثغرة يمكن أن تُضعف حجته.
فلما لم يُنقل عنهم شيء من ذلك، كان هذا دليلًا إضافيًا على أن الإشكال حادث عند
أصحاب القراءات الإلحادية المعاصرة التي تنظر إلى النص القرآني بمعايير غريبة عن
بيئته اللغوية والبلاغية.
وغير ذلك.. فلو
كان سيد الكائنات صلى الله عليه وسلم يؤلف القرآن الكريم بنفسه، لكان من الأسهل
كثيرًا أن يجعل الكلام كله بصوت واحد، وأن يتجنب الانتقال بين مستويات الخطاب التي
قد تثير التساؤلات عند بعض الناس.
لكن القرآن
الكريم يفعل العكس تمامًا؛ إذ ينتقل بين كلام الله عز وجل، وكلام الأنبياء، وكلام
الملائكة، وكلام المؤمنين، وكلام الكفار، ثم يعود إلى التعقيب الإلهي، وكل ذلك في
نسيج بالغ الانسجام والدقة دون أن يضيع القارئ أو يختلط عليه السياق.
وهذا فوق الطاقة
البشرية المعتادة، خصوصًا في نص طويل نزل مفرقًا خلال أكثر من عشرين سنة، وسط
الحروب والأزمات والأحداث المتغيرة، ومع ذلك بقي محتفظًا بوحدته البيانية واتساقه
الموضوعي وترابطه الداخلي بصورة أدهشت الموافق والمخالف على السواء.
ولهذا كان
القرآن الكريم يدهش العرب قبل غيرهم؛ لأنهم أدركوا أن هذا المستوى من السبك
البياني ليس من جنس كلام البشر، وأنه يتجاوز ما ألفوه في شعرهم وخطبهم وسائر فنون
بيانهم.
ثم إن هذا
التنوع في مستويات الخطاب لم يؤدِّ إلى تشويش أو تناقض، بل زاد النص ثراءً وحيويةً
وتأثيرًا، وجعل القارئ ينتقل بين مشاهد الكون، وقصص الأنبياء، وحوارات الأمم،
والنداءات الإلهية، والمواعظ المباشرة، في بناء متكامل يظل محافظًا على وحدته
ورسالتِه المركزية.
إنّ القرآن
الكريم ليس نصًا بشريًا مرتبكًا كما يتوهم الملحدون الجاهلون، بل هو كلام الله عز
وجل المعجز الذي نزل بأفصح لسان، وجاء على أعلى درجات البلاغة والبيان.
قال الله عز
وجل: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ
اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ (سورة النساء، الآية: 82).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً