شبهات حول فلسطين (17)
هل القدس في الإسلام أقل قدسية من مكة أو المدينة؟
لعل هذه الشبهة
تعد الأكثر انتشاراً بين المسلمين أنفسهم، للأسف، لسوء فهم النصوص الشرعية
المتعلقة بالمسجد الأقصى المبارك وأخويه المسجد الحرام ومسجد رسول الله صلى الله
عليه وسلم؛ ذلك أنك إذا سألت أحداً عن ترتيب الأماكن المقدسة في الإسلام من حيث «الأهمية»
أجابك بلا تردد: المسجد الحرام، ثم المسجد النبوي، ثم المسجد الأقصى، أو مكة، ثم
المدينة، ثم القدس.
وهذه العبارة
أصبحت مدخلاً لكثير من المتصيدين للتقليل من قيمة القدس والمسجد الأقصى المبارك،
حتى وجدنا كثيراً من الكتَّاب الصهاينة على اختلاف خلفياتهم يستغلون هذه النقطة
ويقولون لك: القدس هي الأكثر قدسية في اليهودية، وهي الأكثر قدسية في المسيحية،
إلا أنها في الإسلام تعد الثالثة؛ فهي «أقل قدسية» من مكة والمدينة عند المسلمين.
فصلٌ متعمد
والغريب في هذا
الطرح أنك ترى القائلين به يساوون في الحديث بين مكة والمدينة، فيجمعون بينهما
دائماً، ويتعمدون بالمقابل فصل الحديث عن القدس والمسجد الأقصى بعد ذلك بما يوحي
أنه أقل مكانة من المسجدين؛ الحرام والنبوي.
فترى الواحد
منهم إن تكلم عن مكة قال: مكة والمدينة، وإن تكلم عن المسجد الحرام أتبعه فوراً
بقوله: والمسجد النبوي، وكذلك إن أراد تمني زيارة هذه المواقع المقدسة لأجل التقرب
إلى الله عز وجل يقول: اللهم ارزقني زيارة مكة والمدينة، وكأن القدس والمسجد
الأقصى عنصر غريب في هذه المعادلة!
وهذا هو المدخل
الذي دخلت منه «البروباغاندا» المعادية لـ«الأقصى» للتقليل من ارتباط المسلمين به
في مقابل اليهود أو المسيحيين.
والواقع أن هذه
المقارنة بحد ذاتها مخالفة تماماً للتصور الإسلامي الفعلي لمكانة هذه المساجد
الثلاثة العظيمة؛ فالترتيب المذكور: المسجد الحرام ثم المسجد النبوي ثم المسجد
الأقصى لا يتعلق في الإسلام إلا بنسبة مضاعفة الصلوات فيه فقط، ولا يتعلق الأمر
بالقدسية.
فمن المعروف أن
الصلاة في المسجد الحرام أعلى من غيرها من المساجد، وإن تم تحديدها بمائة ألف صلاة
في حديث البزار، والطبراني: «الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، والصلاة في
مسجدي بألف صلاة، والصلاة في بيت المقدس بخمسمائة صلاة»، وكذلك وردت روايات شبيهة
بها عند أحمد بن حنبل، وابن حبان.
لكن هذا الحديث
لا يتعلق بالقدسية أو المكانة، وإنما بأجر الصلاة حصراً، وهذا الأمر يختلف في أصله
عن فكرة المكانة والقدسية، ولعل هذا ما قصده النبي صلى الله عليه وسلم في رواية
الحاكم في «المستدرك»، والطبراني في «المعجم الأوسط» حين رأى الصحابة يتباحثون في
مسألة الخيرية والفضل، ويحاولون المقارنة بين المسجد النبوي الشريف والمسجد الأقصى
المبارك.
فعن أبي ذر رضي
الله عنه قال: تذاكرنا ونحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم أيما أفضل مسجد رسول
الله صلى الله عليه وسلم أو بيت المقدس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صلاة
في مسجدي هذا أفضل من أربع صلوات فيه، ولنعم المصلى هو، وليوشكن أن يكون للرجل مثل
سيّة قوسه من الأرض حيث يرى منه بيت المقدس خير له من الدنيا جميعاً».
دلالة المساواة في القدسية والمكانة
وكلمة «بيت المقدس» هنا هي الاسم القديم للمسجد الأقصى المبارك، ففي هذا الحديث الشريف رأينا
النبي صلى الله عليه وسلم يصحح البوصلة للصحابة الكرام، فبين لهم أن التفاضل ليس
إلا في أجر الصلاة، ولذلك أتبعه بقوله: «ولنعم المصلى هو»، ثم بين أن مجرد النظر
إليه خير من الدنيا وما فيها.
وهذا هو معنى
اختلاف روايات الترتيب بين المساجد في حديث شد الرحال المعروف: «لا تشد الرحال إلا
إلى ثلاثة مساجد»، فتارة يقدم المسجد النبوي، وتارة يقدم المسجد الحرام، وتارة
يقدم المسجد الأقصى، وهكذا؛ بما يبين أن الترتيب لا يتعلق بالمكانة، وإنما كان
الأمر يتعلق فقط بأجر الصلاة.
لهذا السبب رأينا عمر بن الخطاب رضي الله عنه فيما ذكر الواقدي يصر على أن يكون بلال بن رباح رضي الله عنه أول من يؤذن في المسجد الأقصى؛ لأنه رضي الله عنه كان أول مؤذن في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، وأول مؤذن في المسجد الحرام، فكان لا بد أن يكون أول مؤذن في المسجد الأقصى المبارك؛ وهذه بحد ذاتها دلالة المساواة في القدسية والمكانة بين المواقع المقدسة؛ إذ إن التفاضل في أجر الصلاة شيء، والتفاضل في المكانة غير ذلك.
اقرأ أيضاً:
العلاقة الوطيدة بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً