بلسان عربي مبين (4)

هل تتعارض عروبة القرآن مع عالمية الإسلام؟

د. رمضان فوزي

16 نوفمبر 2025

241

من التساؤلات أو الشبهات التي قد يطرحها بعضٌ: كيف يكون القرآن عربياً وهو أنزل للناس كافة عربيهم وأعجمهم، كما نصت عليه كثير من الآيات القرآنية؟

وللإجابة عن هذا التساؤل نؤكد أنه لا توجد لغة عالمية يجتمع عليها الناس كلهم، وأنه من الطبيعي أن يختار الله تعالى لغة من اللغات الموجودة لينزل بها كتابه؛ بشرط أن تكون ذات موائز وخصائص تجعلها قمينة باستيعاب خطاب الله تعالى إلى الخلق.

وبناء على ما سبق، وعلى ما أشرنا إليه من خصائص أهَّلت اللغة العربية لهذا الشرف الكبير؛ فإن هذا التساؤل كان سيطرح حتى لو نزل القرآن بأي لغة أخرى غير العربية.

حكمة نزوله بلسان قومه

إن الحكمة من نزول القرآن بالعربية هي أن يفهمه الرسول صلى الله عليه وسلم وقومه ثم يبلغوه للناس حسب لغاتهم، يقول ابن بطال: «الوحي كله من قرآن وسُنة نزل بلسان العرب قريش وغيرهم من طوائف العرب كلها، وأنه صلى الله عليه وسلم لم يخاطب من الوحي كله إلا بلسان العرب.. وبيَّن هذا قوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَاّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ) (إبراهيم: 4)؛ فهذا حتم من الله تعالى لكل أمة بعث إليها رسولاً ليبين لهم ما أنزل إليهم من ربهم، فإن عزب معناه على بعض من سمعه؛ بينه الرسول له بما يفهمه المبيَّن له» (شرح صحيح البخاري، 10/ 149).

إذن، فمن وظائف الرسول صلى الله عليه وسلم، وكذلك مَن بعده مِن العلماء والمفسرين والدعاة أن يبينوا ما صعب فهمه ومعناه على من بلغه هذا القرآن، سواء كان عربياً أم غير عربي، وهذا ما يقوم به في عصرنا الحالي مترجمو معاني القرآن باللغات المختلفة، وقد أشرنا في مقال سابق من هذه السلسلة؛ «جدل الكلمات الأعجمية والدخيلة في القرآن الكريم»، إلى مجيء بعض الكلمات ذات الصلة بلغات أخرى، وقلنا: لعل في هذا حثًّا لأتباعه على الاتصال باللغات الأخرى وتعلمها والترجمة إليها ليسهل تبليغ دين الله تعالى.

أم القرى.. نقطة انطلاق عالمية

وفي هذا السياق، نستحضر أن الله تعالى ربط بين عربية القرآن وتبليغه لكل الناس في قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لاَ رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ) (الشورى: 7)؛ فأم القرى هي مهد الفصاحة والبلاغة، وهي قبلة الشعراء والأدباء والبلغاء الذين طار ذكرهم في الآفاق، وبقيت سيرتهم في مختلف الأزمان، ولذلك نزل فيهم القرآن بلغتهم العربية وإعجازه البياني الذي عجز أساطينهم وفطاحلهم عن الإتيان بمثله أو بسورة أو بآية منه؛ لينطلقوا من خلالهم بالإنذار إلى مَن حولهم من القرى حتى يصل إلى كل المعمورة؛ ليوضح للناس مصائرهم يوم القيامة التي لا تخرج عن أحد مصيرين؛ إما في الجنة وإما في السعير.

وقد يكون في إنزال القرآن بالعربية ملمح آخر؛ وهو تحفيز غير العرب من المسلمين على تعلم العربية والتبحر فيها، وفي هذا يقول أبو منصور الثعالبي: «‌من ‌أحبَّ ‌الله تعالى أحبَّ رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم، ومن أحبَّ الرسول العربي أحبَّ العرب، ومن أحبَّ العرب أحبَّ العربية التي بها نزل أفضل الكتب على أفضل العجم والعرب، ومن أحبَّ العربية عُنيَ بها وثابر عليها وصرف همَّته إليها، ومن هداه الله للإسلام وشرح صدره للإيمان وآتاه حسن سريرة فيه اعتقد أن محمداً صلى الله عليه وسلم خير الرسل، والإسلام خير الملل، والعرب خير الأمم، والعربية خير اللغات والألسنة، والإقبال على تفهمها من الديانة؛ إذ هي أداة العلم، ومفتاح التفقه في الدين، وسبب إصلاح المعاش والمعاد، ثم هي لإحراز الفضائل والاحتواء على المروءة وسائر أنواع المناقب كالينبوع للماء والزند للنار» (فقه اللغة وسر العربية، ص 15).

ولا يفوتنا في هذا السياق التذكير بأن كثيراً من أساطين العربية وسدنتها أصولهم غير عربية، ومع ذلك بزّوا أهلها وفاقوهم فيها؛ بل وأصبحوا مراجع لهم في لغتهم؛ فمن سيبويه صاحب «الكتاب» الذي يعد دستور اللغة، إلى ابن جني فقيه اللغة، إلى عبدالقاهر الجرجاني منشئ علم البلاغة، إلى الفيروزأبادي صاحب «القاموس المحيط»؛ ليكون في هذا إشارة إلى أن هذه اللغة ليست حكراً على أبنائها؛ بل هي بنتُ مَن أخلص لها، وأعطاها من خالص وقته وجهده؛ فهي كريمة بنت كرام مع من ارتاد مسالكها وصبر على وعورتها.



 اقرأ في هذه السلسلة:

عروبة القرآن.. دلالة البيِّنة ومرامي التعقُّل والإنذار

الحكمة من اختيار الله تعالى اللغة العربية لتكون لغة القرآن الكريم

جدل الكلمات الأعجمية والدخيلة في القرآن الكريم

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة