هل يصنع «الفن» وعي الأمم أم يغيّبه؟
موجة من الأعمال الدرامية الهابطة تجتاح الفضائيات العربية تقوم بتزييف الواقع، وتهاجم الشريعة الإسلامية بعنف، وتنال من المقدسات بصورة هستيرية دون مراعاة الشهر الكريم، وكأن الغرض المباشر منها هدم ثوابت الدين في نفوس أبنائه، عبر النيل من الشخصيات التي تمثله في أذهان البسطاء.
والحقيقة أنه
منذ تسعينيات القرن الماضي تضافرت العديد من جهود شركات الإنتاج على شحذ أعمالها
السنوية التي توصف بذات الإنتاج الضخم لتذاع في شهر رمضان في منافسة لحصد أعلى نسب
مشاهدة لأعمال أقل ما تتسم به هو الإسفاف، وتطبيع العري، ومحاربة الفضيلة.
لقد وظفت
الدراما مؤخرا لمحاربة الأخلاق، ومحاولة غرس قيم لم تكن تعرفها مجتمعاتنا يوما أو
تتخيل أن تدخل بيوت المسلمين عبر فضائيات لا يخلو منها بيت، فماذا يراد لنا من
خلال تلك الدراما وما يسمى بالفنون؟ وكيف يمكن تجاوز الأثر السلبي الذي تركته في
مجتمعاتنا؟ وما هو البديل الذي يمكن أن نقدمه؟
أولاً: الفنون بوصفها بنية تأسيسية للوعي الحضاري:
الفن ليس ظاهرة
حديثة ترتبط بالإنسان المعاصر، وإنما هو ظاهرة قديمة وجدت مع الإنسان، تشهد عليها
جدران الكهوف والمعابد التاريخية، لم يكن ترفاً تاريخياً، وإنما نتاج طبيعي لمراحل
التطور والانتقال لمجتمعات أعلى تنظيما، سجل فيها الواقع أحيانا، ونقل التطلعات
التي يرنو إليها الإنسان أحيانا أخرى،
وهنا يحق لنا أن
نطرح سؤالا، هل الفنون تشكل وعي الأمم؟ أم أنها قد تتحول لتشتيت أو تزييف لهذا
الوعي؟ بالنظر إلى السياق العالمي نجد أن الفنون تؤدي دورا مباشرا في تشكيل وعي
المتلقي، وتساهم بصورة كبيرة في توجيه منظومة القيم والسلوكيات الاجتماعية، فهي في
حقيقتها سلاح ذو حدين إذ إنها قد تشكل وعياً سلبياً أو إيجابياً، كذلك بالنسبة
للقيم والسلوكيات، يمكن أن تكون سلبية أو إيجابية، بل إن هذا التأثير الكبير دفع
المؤرخ الفني أرنولد هاوزر يقول: إن القرن العشرين هو "عصر الفيلم" بل
جعل لينين يصرح بأن "السينما هي أهم الفنون بالنسبة إلينا"، وليس بعيدا
عن هذا أن ينظر الرئيس الأميركي بيل كلينتون إلى الممثل الأميركي الشهير شين كونري
-وهو الذي مثل شخصية جيمس بوند- قائلا له: لولاك ما كسبنا الحرب الباردة.
ثانياً: حين يتحول الفن إلى استهلاك للوعي:
وكما أن الفن
يملك قوة تأثير إيجابية جبارة يمكن أن تختصر الطرق نحو البناء الأخلاقي أكثر عشرات
المرات من الخطب والدروس المباشرة، فكذلك يملك نفس القوة في الاتجاه السلبي،
فيتحول من قوة تشكيل، إلى قوة استنزاف، حيث يتحول الفن من رسالة إلى تجارة قابلة
للتفاوض لزيادة الربح، ومن الإبداع إلى الترفيه حتى لو اضطر للتحالف مع الشيطان
كما يدور في بعض الأعمال التي تقدم اليوم.
فالفن اليوم
يخاطب الغريزة لإثارتها وليس لتهذيبها، فالإيحاءات اللفظية غير الأخلاقية أصبحت
صريحة، والخطاب العاطفي خرج عن مضمونه العفيف بمراحل، والعلاقات خارج إطار الزواج
تكسب تعاطف الجمهور، بينما فكرة مثل التعدد توصم بالخيانة الزوجية، والمعادلة التي
تؤثر في الإنتاج الفن طرفيها المال والجمهور، فلو استطاع الجمهور أن يكون فاعلا
بالإقبال أو المقاطعة، لفرض على رأس المال توجهاته الخاصة بالإيجاب أو بالسلب.
لقد ظل الجمهور
مفعولاً به لفترات طويلة في تقديم تلك النوعيات من الفنون تحت ادعاء «إرادة
الجمهور»، واستغلت تلك الجملة في إنتاج الغث والرديء، دون أن يطالب الجمهور
بالبديل إلا مع القليل من الأعمال خاصة بعد موجة الإنتاج التاريخي التركي بداية من
«قيامة أرطغرل» التي وصلت للعالمية، وأقبل عليها الجمهور بصورة غير مسبوقة لتتعدى
مشاهداتها الملايين (حيث تابعه في الثلاثة أشهر الأولى فقط من عرضه 21 مليون
متابع).
ثالثاً: ضوابط أخلاقية يجب العمل وفقها:
الفن مشترك
إنساني، يجمع بين أصحاب المذاهب المختلفة، وأصحاب الدين المختلف، بل والأمم
المختلفة، وكي تستمر هذه المساحة المشتركة في حدود التواصل المجتمعي غير مسببة
لمشكلات غير سلمية، يجب أن يتسم الفن المقدم ببعض الضوابط الأخلاقية التي تسمح
للآخر بالاطلاع عليه ومتابعته.
ومن أهم هذه
الضوابط كما يقول د. راغب السرجاني: ألَّا تتدخَّل الفنون في مهاجمة معتقدات
وثقافات ومقدَّسات فريقٍ من البشر، لا سيَّما في المحافل العامَّة والعالميَّة،
وقد رأينا كيف اشتعلت الأجواء بين العالم الإسلامي وبين الدنمارك من أجل رسومات
كاريكاتيريَّة أساءت لشخص النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وحدثت أزمة كبيرة بين الدنمارك
والعالم الإسلامي كله، ولقد كَلَّفت هذه الأزمة -وفي أيَّامها الأولى- الاقتصاد
الدنماركي خسائر تُقَدَّر بـ 134 مليون يورو، وانخفضت الصادرات لأكبر سوقٍ
للدنمارك في العالم الإسلامي وهي المملكة العربيَّة السعوديَّة بما نسبته 40%، كما
انخفضت بنسبة 47% في إيران، ثالث أكبر أسواقها في المنطقة، كما شهدت حركة الصادرات
لكلٍّ من ليبيا وسورية والسودان واليمن تَقَلُّصًا شديدًا.
ومن الضوابط
التي يجب أن يتحلى بها الإنتاج الفني مراعاة العقيدة والهوية المجتمعية، فلا يقدم
أعمالاً تتعارض مع الموروثات والأخلاقيات والشريعة، بل والقانون الذي يحكم المجتمع
كي لا يكون عامل هدم، بدلاً من أن يكون عامل بناء حضاري واع.
رابعاً: هل يمكن تجاوز الأثر السلبي للفنون المعاصرة؟
وهذا السؤال يجب
أن يحتل مساحة كبيرة من تفكير علماء الأمة ومفكريها، فالأثر الذي تتركه تلك الفنون
الموجهة لهدم ثوابت الأمة ليس أثراً ثانوياً كي يتم التعامل معه بتراخ، ولمقاومة
ذلك الأثر لن تكفي فيه الدعوات لمقاطعة تلك النوعية من الفنون، ولن ينفع معها
الوعظ والتوجيه المجرد، فالناس ما زالت تتعاطى معه، ونسب المشاهدة في ازدياد
بالرغم من حالة النقد اللذع الموجه له، وإنما الواجب إعادة بناء المنظومة الثقافية
التي تقوم بالإنتاج وتستقبله، وهناك سبيلين لا ثالث لهما يجب البدء فيهما على
الفور:
1- إعادة تأهيل الذائقة الجمالية بالمجتمع:
والذائقة الفنية
ليست فطرية كلها، وإنما هي في معظم جوانبها مكتسبة كالهوية، تأتي بالتدريب
والممارسة والتعلم والتعرض، والإنسان كلما تعمق في الفنون، كلما نمت لديه القدرة
على التحليل والقدرة على الاختيار فلا يقف عند التلقي السلبي، ويمكن لوزارات
الثقافة العربية أن تساهم بشكل كبير في المناهج التعليمية الدراسية للطلاب في
الصفوف المختلفة لتكوين متلق قادر على مقاومة الفن المبتذل دون رقابة خارجية
2- تفكيك الهيمنة السوقية على الإنتاج الفني:
وتلك مهمة
الإسلاميين والمعنيين بمسائل الهوية والأخلاق ومستقبل الأمة، فالبعض يظن أن
الإسفاف هو المطلوب، وهو الأكثر والأسرع ربحا، بينما أثبتت التجارب أن التجارب
التاريخية الملهمة قد صنعت نجاحا غير مسبوق، وحديثنا السابق عن «قيامة أرطغرل» وما
تبعها من إنتاج درامي تركي تاريخي قد حقق أرباحاً طائلة، هذا غير الإقبال
الجماهيري التاريخي على مشاهدة مثل هذه الأعمال.
إن الفنون لا
تصنع الوعي دائماً، ولا تستهلكه دائماً، إنها قادرة على صنع الأمرين معاً، وعمل
درامي واحد يمكن أن يقدم أثر عشرات الكتب، وعمل درامي آخر قادر على هدم ألف خطبة
وذلك حسب القالب الفني الدرامي المقدم، والتزام المبدع، ووعي المتلقي، والفن الذي
يرفع الحس الجمالي، يرفع معه الحس الأخلاقي، والفن الذي يبتذل الجمال في كلمات
تخدش الحياء العام، ومشاهد يندى لها الجبين، يبتذل معه الوعي، ويحط معه الأخلاق.
اقرأ أيضا
كيف ابتلعت المسلسلات روح رمضان
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً