هل تُضاعَف السيئات كما تُضاعَف الحسنات؟

هل تُضاعَف السيئات كما تُضاعَف الحسنات؟

حين يقرأ المسلم قوله تعالى: (مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا) (الأنعام: 160)، يطمئن قلبه، وينشرح صدره وتهدأ نفسه، بل تسارع في عمل الخير من أجل مضاعفة الحسنات، والفوز بنعيم الجنات.

لكنه في بعض الأحيان يتسلل إليه القلق من سؤال مشروع: هل تُضاعَف السيئات كما تُضاعَف الحسنات؟ وهل يستلزم العدل الإلهي مساواة الثواب بالعقاب في ميزان المضاعفة؟ أم أن الرحمة الإلهية لها قانون آخر لا تدركه المقاييس البشرية؟

إن هذا السؤال يؤسس لعلاقة المسلم بربه في فعل الطاعة والمعصية، فهو يؤثر في فهم معاني الفضل والعدل، والرجاء والخوف.

تأكيد الإسلام على مضاعفة الحسنات

أوضح القرآن الكريم أن الحسنات تضاعف، حتى تصل إلى أضعاف كثيرة، حيث قال تعالى: (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا) (الأنعام: 160)، وقال عز وجل: (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا) (القصص: 84)، وقال سبحانه: (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ ‌وَاللَّهُ ‌يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) (البقرة: 261)، وقال أيضاً: (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ‌فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً) (البقرة: 245).

كذلك، فإن الفضل الإلهي لا حدود له، حيث قال عز وجل: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ ‌بِغَيْرِ ‌حِسَابٍ) (الزمر: 10)؛ فميزان الحسنات في الإسلام قائم على الفضل لا العدل.

موقف الإسلام من مضاعفة السيئات

إذا كان ميزان الحسنات قائماً على الفضل، فإن ميزان السيئات قائم على العدل والرحمة، فمن أتى بسيئة فلا يحاسب إلا بها، بل إن الله تعالى قد يغفرها ويعفو عنها إذا تاب فاعلها، حيث قال عز وجل: (وَمَنْ جَاءَ ‌بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) (الأنعام: 160)، وقال سبحانه: (وَمَنْ جَاءَ ‌بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (القصص: 84).

وفي صحيح البخاري، ومسلم، عَنِ ‌ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ: «إِنَّ اللهَ كَتَبَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ، ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ، فَمَنْ ‌هَمَّ ‌بِحَسَنَةٍ ‌فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللهُ لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللهُ لَهُ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ، وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللهُ لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللهُ لَهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً».

الأحوال التي تكبر وتعظم فيها السيئات

إذا كانت السيئات لا تضاعف، فإنها قد تكبر وتعظم، فهي سيئة واحدة، لكنها تكون كبيرة وعظيمة، إذا وقعت في مكان عظيم أو زمان عظيم أو من شخص عظيم.

ففي «أضواء البيان»: وَإِذَا عَلِمْتَ أَنَّ السَّيِّئَاتِ لَا تُضَاعَفُ، فَاعْلَمْ أَنَّ السَّيِّئَةَ قَدْ تَعْظُمُ فَيَعْظُمُ جَزَاؤُهَا بِسَبَبِ:

1- حُرْمَةِ الْمَكَانِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ ‌بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ) (الحج: 25).

2- حُرْمَةِ الزَّمَانِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي الْأَشْهُرِ الْحَرَامِ: (‌فَلَا ‌تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ) (التوبة: 36).

3- عِظَمِ الْإِنْسَانِ الْمُخَالِفِ، وَقَدْ دَلَّتْ آيَاتٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ أَنَّ الْعَذَابَ يَعْظُمُ بِسَبَبِ عِظَمِ الْإِنْسَانِ الْمُخَالِفِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي نَبِيِّنَا صلى الله عليه وسلم: (وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً {74} إِذاً لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ) (الإسراء)(1).

وقال ابن عباس: إنه تعالى اختص من الأشهر أربعة أشهر ‌جعلهن ‌حراماً، وعظم حرماتهن، وجعل الذنب فيهن أعظم، والعمل الصالح والأجر أعظم، وقال قتادة: إن الظلم في الأشهر الحرم أعظم خطيئة ووزراً من الظلم فيما سواها، وإن كان الظلم على كل حال عظيماً، ولكن الله يعظم من أمره ما يشاء(2).

وقال ابن القيم: ‌تضاعف ‌مقادير السيئات في الشهر الحرام والبلد الحرام لا كمياتها، فإن السيئة جزاؤها سيئة، لكن سيئة كبيرة جزاؤها مثلها، وصغيرة جزاؤها مثلها، فالسيئة في حرم الله وبلده وعلى بساطه آكد وأعظم منها في طرف من أطراف الأرض، ولهذا ليس من عصى الملك على بساط ملكه كمن عصاه في الموضع البعيد من داره وبساطه، فهذا فصل النزاع في تضعيف السيئات(3).

وقد سئل ابن عثيمين: هل تتضاعف السيئات في مكة؟ وما كيفية مضاعفتها؟ فأجاب بقوله: ‌المضاعفة ‌في ‌مكة بالنسبة للسيئات ليست من ناحية الكمية، ولكنها تتضاعف من ناحية الكيفية؛ بمعنى أن العقوبة تكون أشد وأوجع، والدليل أنها لا تضاعف كمية قوله تعالى: (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا ‌وَهُمْ ‌لَا ‌يُظْلَمُونَ) (الأنعام: 160)، وهذه الآية مكية، لأنها في سورة «الأنعام»، لكن كما قال الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ ‌بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ) (الحج: 25)؛ يعني أن إيلام العقوبة في مكة أشد من إيلام العقوبة إذا فعلت هذه المعصية خارج مكة، وفي هذا التحذير الشديد من المعاصي في مكة(4).


اقرأ أيضاً:

الوجه الآخر للعمل الصالح

الثواب وحده لا يكفي

________________

(1) أضواء البيان (6/ 147).

(2) تفسير القاسمي (5/ 413).

(3) زاد المعاد في هدي خير العباد (1/ 52).

(4) مجموع فتاوى ورسائل العثيمين (20/ 169).

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة