هل يساعدنا التحليل النفسي في فهم أنفسنا بشكل أفضل؟!

تصوير يرمز غلى اهمية فهم النفس

بتنا نعيش في عصر نجد أنفسنا فيه بين مطرقة من يعدون الطب النفسي أقرب للخرافات والأوهام منه لكونه فرعًا من فروع الطب، وسندان من يسارعون في تصنيف أنفسهم وغيرهم إلى قوالب مزاجية؛ فهذا انطوائي وهذا مكتئب وهذا اجتماعي، وواقع الأمر أنه لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء يميل، بل يتوسطهما في مكانة نسعى إلى تسليط الضوء عليها في ثنايا هذا المقال.

مبادئ التحليل النفسي

يقص علينا محمد فؤاد جلال في كتابه «مبادئ التحليل النفسي» رحلة علم النفس منذ ميلاده حتى بلوغه الهيئة التي نعرفها عليها اليوم، فنجد أول خطوات سارها هذا العلم في رحاب الحياة راجعة إلى عهد جالينوس الإغريقي الذي رد الحالات القائمة بالنفس البشرية إلى بضعة أحوال وأضدادها؛ كالكسول ويقابله النشط، والقوي ويقابله الخائر، ثم رد هذه الأحوال إلى الأمزجة الغالبة على إنسان دون آخر؛ فنشأت عن ذلك الأمزجة الأربعة المشهورة؛ الدموي، والصفراوي، والسوداوي، والبلغمي أو «اللمفاوي»، ولكلٍّ منها خصائص يمتاز بها.

فبينما نجد أن الدموي يتميَّز سلوكه بالنشاط والتقلب، نجد أن سلوك البلغمي يتميز بالضعف والخمول، والصفراوي بالعناد والطموح، والسوداوي بالانقباض والوجوم والتشاؤم وحب الانفراد، ومن الغريب أن العلم الحديث يوافق على أن الشخصية تتأثر تأثرًا واضحًا بسوائل معينة موجودة في الجسم، ولكنها ليست سوائل جالينوس وأخلاطه، بل هي إفرازات الغدد ذات الإفراز الداخلي كالدرقية وفوق الكلوية والنخامية وغيرها، فهي تصبُّ إفرازاتها في الدم، ويكون لكثرة الإفراز وقلته أثر واضح في الشخصية.

ونقله وشرحه وزاد عليه ابن سينا في «القانون في الطب»، أما الإمام الغزالي في «إحياء علوم الدين» فانتقل من الكيميائي البيولوجي إلى الروحاني فقسم ما ينشأ عن هذه الأخلاط إلى أربعة طباع إذ يقول: اعلم أن الإنسان قد اصطحب في خلقته وتركيبه أربع شوائب فلذلك اجتمع عليه أربعة أنواع من الأوصاف؛ وهي الصفات السبعية والبهيمية والشيطانية والربانية، فهو من حيث سلط عليه الغضب يتعاطى أفعال السباع من العداوة والبغضاء والتهجم على الناس بالضرب والشتم، ومن حيث سلطت عليه الشهوة يتعاطى أفعال البهائم من الشره والحرص والشبق وغيره.

ومن حيث أنه في نفسه أمر رباني كما قال الله تعالى: (قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي) (الإسراء: 85)، فإنه يدعي لنفسه الربوبية ويحب الاستيلاء والاستعلاء والتخصص والاستبداد بالأمور كلها والتفرد بالرياسة والانسلال عن ربقة العبودية والتواضع ويشتهي الاطلاع على العلوم كلها، بل يدعي لنفسه العلم والمعرفة والإحاطة بحقائق الأمور ويفرح إذا نسب إلى العلم، ويحزن إذا نسب إلى الجهل والإحاطة بجميع الحقائق والاستيلاء بالقهر على جميع الخلائق من أوصاف الربوبية.

وفي الإنسان حرص على ذلك، ومن حيث يختص من البهائم بالتمييز مع مشاركته لها في الغضب والشهوة، حصلت فيه شيطانية فصار شريراً يستعمل التمييز في استنباط وجوه الشر ويتوصل إلى الأغراض بالمكر والحيلة والخداع ويظهر الشر في معرض الخير وهذه أخلاق الشياطين.

ولم يعاود الجمع بين الغريزي الحيواني والنفسي الإنساني الظهور في أدبيات علم النفس إلا على يدي فرويد، وإن دحض علم النفس الحديث كثيرًا من آرائه رغم بنائه مبادئه على نظرياته، إذ كان العلماء قبل فرويد يرون الغريزة مختصة بالحيوان، وأن الإنسان وهب العقل الذي يستغني به عن الانقياد لغرائزه كما تفعل هي، ويمكننا من خلال ما استعرضناه فهم كيفية تشكل هذا العلم، وأنه ليس وليد اللحظة ولا هو مجرد رأي شخص واحد أو حتى مجموعة أطباء، بل هو نظر قديم وحديث لأحد أكثر الأمور تعقيدًا التي لا يخلو عنها بدن أي منا ألا وهي النفس البشرية.

حي بن يقظان

يحاول ابن طفيل في كتابه «حي بن يقظان» الإجابة عن أحد أكثر الأسئلة الفلسفية تعقيدًا؛ ألا وهو: كيف سينشأ إنسان ولد في بيئة خالية من المؤثرات؟ فلا أب ولا أم ولا مجتمع ولا لغة، بيد أننا لسنا بصدد مناقشة الجواب عن هذا السؤال أو التعليق على كتابه، وإنما نحن بصدد مناقشة أثر هذه المؤثرات في تكوين النفس البشرية، إذ الطفل  ولا يلبَث أن ينتقي من صفات مخالطيه ومعارفه وأبطال قراءته وغيرهم مجموعة من الصفات يكوِّن من مجموعها نوعًا من المثل الأعلى الذي يحب لذاته أن تتَّصف به، وهذا هو طريق نشوء عاطفة اعتبار الذات، ومتى نشأت هذه العاطفة أصبح الشخص يحكم على سلوكه بقدر ما يضيف هذا السلوك إلى اعتباره لذاته أو يَنقص منه.

ومنه نلاحظ أولًا قوة تأثير هذه المؤثرات، وثانيًا حصولها في سن مبكرة للغاية؛ إذ يتشكل الطفل نفسيًا حتى قبل أن يكتمل إدراكه بمحيطه، ويصير هذا المحيط بالنسبة له لا مرآة مشاعره فحسب، إذ نلاحظ أن الطفل يميل إلى تكوين رد فعله قياسًا على ردود فعل والديه، بل يصير هذا المحيط بالنسبة له القاضي الذي يحتكم إليه، والحاكم الذي ينصاع لأمره، حتى ينتهي به الأمر مجبولًا على طباع وصفات قبل أن يبلغ من الكلام مبلغًا يحسن به التعبير عن مكنونها.

دور التحليل النفسي في حياتنا

اتضح لنا مما سبق كيفية تشكل نفسنا التي بين جنبينا، واتضح أنها كانت محط نظر العلماء قديمًا وحديثًا، وأنها أكثر اتساعًا من أن يحيط بها قالب، وأشد تعقيدًا من أن يدعي فهمها أي ناظر؛ وعليه، فإن سبر أغوارها ليس بالأمر الهين الذي يفي به اختبار مجانيّ، وأن من أراد الظفر بالكامن في صدفات نفسه لم يكفه الوقوف على شاطئ الملاحظة العابرة، بل عليه الغوص في طباعها وما تحب وما تكره، ويعرف لماذا أصلًا تحب ما تحب وتكره ما تكره! وهل تحب ما تحب لأنه جدير بالحب في ذاته أم لأن المحيطين بها أحبوه فسارت على خطاهم!

إن الإجابة عن هذه الأسئلة يقودنا إلى الإجابة عن أسئلة أشد عمقًا وتعقيدًا كأحكامنا التي نلقيها على الأشخاص يمنة ويسرة، فهل هم فعلًا يستحقونها أم أننا نُسقط عليهم صفات بغضناها من ذواتنا فأكسبناها من نبغضهم؟! وهل نبغض من نبغض لاستحقاقيته هذا البغض، أم لأنه يذكرنا بجروح غائرة من الماضي أحدثها أشخاص على شاكلته؟!

ومجرد التأمل في هذه الأسئلة قد يقودنا إلى أن أكبر مشكلاتنا في هذه الحياة، قد تكون بما سولت لنا أنفسنا التي تشكلت ونحن لا ندري، ثم سرنا في رحاب الحياة وهي ترافقنا، وكلانا لا يعرف عن الآخر إلا اسمه ويجهل كنهه ورسمه!

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة