هل ينتقض الوضوء بالرعاف؟
من المسائل التي
تتكرر مع عدد ليس بالقليل من الناس مسالة سيلان الدم من الأنف (الرعاف)، وهذه
المسالة يرتبط بها عدة مسائل فقهية نتناول منها في هذه السطور مسألة «انتقاض
الوضوء بالرعاف».
أولاً:
تعريف الرعاف:
الرُّعَافُ
لُغَةً: اسْمٌ مِنْ رَعَفَ رَعْفاً، وَهُوَ خُرُوجُ الدَّمِ مِنَ الأْنْفِ،
وَقِيل: الرُّعَافُ الدَّمُ نَفْسُهُ، وَأَصْلُهُ السَّبْقُ وَالتَّقَدُّمُ،
وَفَرَسٌ رَاعِفٌ أَيْ سَابِقٌ، وَسُمِّيَ الرُّعَافُ بِذَلِكَ؛ لأِنَّهُ يَسْبِقُ
عِلْمَ الشَّخْصِ الرَّاعِفِ(1)، وهو عند الفقهاء بهذا المعني أيضاً:
خروج الدم من الأنف(2).
ثانياً:
صورة المسالة وتميزيها عن غيرها:
صورة مسألتنا
إنما هي خروج الدم من الأنف وسيلانه منها من متوضئ، أما وجود شيء يسير من الدم
داخل الأنف لا يخرج ولا يسيل لقلته، فهذا لا ينقض الوضوء عند القائلين بعدم نقض
الوضوء بالرعاف ولا عند القائلين بنقض الوضوء بالرعاف(3)، وهذا الدم
اليسير إن كان بقية من رعاف سابق فهذا يجب أن يغسل؛ لأنه نجاسة يجب أن تزال، فإن
غسله فحصل نزيف صار رعاف تشمله الأحكام الآتية.
ثالثاً:
هل الرعاف ينقض الوضوء؟
اختلف العلماء
في هذه المسالة على قولين إجمالاً وعلى ثلاثة أقوال تفصيلاً:
الأول: الرعاف
ينقض الوضوء وبه قال الحنفية(4)، ويروى عن الثَّوْرِيِّ
وَالْأَوْزَاعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَهُوَ قَوْلُ
أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ وَحَكَاهُ غَيْرُهُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعَلِيٍّ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَعَنْ عَطَاءٍ وَابْنِ سِيرِينَ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى
وَزُفَرَ(5).
الثاني: الرعاف
لا ينقض الوضوء وبه قال المالكية والشافعية(6) والظاهرية(7)
ويروى عن ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ أَبِي أَوْفَى وَجَابِرٌ وَأَبُو
هُرَيْرَةَ وَعَائِشَةُ وَابْنُ الْمُسَيِّبِ وَسَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
عُمَرَ وَالْقَاسِمُ ابن مُحَمَّدٍ وَطَاوُوسٌ وَعَطَاءٌ وَمَكْحُولٌ وَرَبِيعَةُ
وَمَالِكٌ وَأَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُد قَالَ الْبَغَوِيّ وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ
الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ(8) وبه أفتت دار الإفتاء المصرية(9).
الثالث: الرعاف
لا ينقض الوضوء إذا كان قليلاً، وينقض الوضوء إذا كان كثيراً فاحشاً وبه قال
الحنابلة(10)، ويروى عن بعض الصحابة كابن عباس، وبه قال جماعة من
التابعين وبه أفتت اللجنة الدائمة للفتوى(11).
واستدل كل فريق
من العلماء لرأيه بعدة أدلة، فستدل أصحاب القول الأول بعدة أدلة منها:
1- حديث أم
المؤمنين عائشة رضي الله عنها أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«مَنْ أَصَابَهُ قَيْءٌ أَوْ رُعَافٌ أَوْ قَلَسٌ أَوْ مَذْيٌ فَلْيَنْصَرِفْ
فَلْيَتَوَضَّأْ ثُمَّ لْيَبْنِ عَلَى صَلاَتِهِ وَهُوَ فِي ذَلِكَ لاَ
يَتَكَلَّمُ»(12).
2- حديث تميم
الداري رضي الله عنه: «الوضوء من كل دم سائل»(13).
ووجه الدلالة من
هذه الأحاديث أنها تفيد بوضوح أن خروج الدم من الجسد وسيلانه ينقض الوضوء مطلقاً
بل جاء النص على كون الرعاف ناقض للوضوء كما في الحديث الأول، وعليه فيكون الرعاف
ناقض للوضوء
3- قول النبي
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْمُسْتَحَاضَةِ: «إنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ
وَلَيْسَ بِالْحَيْضَةِ فَتَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ»(14)، فَعَلَّلَ
وُجُوبَ الْوُضُوءِ بِأَنَّهُ دَمُ عِرْقٍ وَكُلُّ الدِّمَاءِ كَذَلِكَ(15).
4- أن الحدث
عندهم: هُوَ خُرُوجُ النَّجَسِ مِنْ الْآدَمِيِّ الْحَيِّ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ
السَّبِيلَيْنِ الدُّبُرِ وَالذَّكَرِ أَوْ فَرْجِ الْمَرْأَةِ، أَوْ مِنْ غَيْرِ
السَّبِيلَيْنِ الْجُرْحِ، وَالْقُرْحِ، وَالْأَنْفِ مِنْ الدَّمِ، وَالْقَيْحِ،
وَالرُّعَافِ(16)، وعليه يكون مطلق خروج الدم ناقض للوضوء عندهم.
واستدل أصحاب
القول الثاني بعدة أدلة منها:
1- حديث أنس أن
النبي صلى الله عليه وسلم: «احتجم فصلى ولم يتوضأ، ولم يزد على غسل محاجمه»(17).
وهو واضح في
الدلالة على عدم نقض الوضوء بخروج الدم من غير السبيلين، وعليه فالرعاف غير ناقض
للوضوء.
2- قالوا: نواقض
الوضوء ما خرج من السبيلين أو ثبت بالدليل أنه من نواقضه ومع عدم ثبوت نص يقول بأن
الرعاف ينقض الوضوء فلا نعده من نواقضه.
3-حَدِيثُ
جَابِرٍ: «أَنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَرَسَا الْمُسْلِمِينَ لَيْلَةً فِي غَزْوَةِ ذَاتِ
الرِّقَاعِ فَقَامَ أَحَدُهُمَا يُصَلِّي فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ الْكُفَّارِ
فَرَمَاهُ بِسَهْمٍ فَوَضَعَهُ فِيهِ فَنَزَعَهُ ثم رماه بآخر ثم بثالث ثُمَّ
رَكَعَ وَسَجَدَ وَدِمَاؤُهُ تَجْرِي»(18).
وَمَوْضِعُ
الدَّلَالَةِ أَنَّهُ خَرَجَ دِمَاءٌ كَثِيرَةٌ وَاسْتَمَرَّ فِي الصَّلَاةِ
وَلَوْ نَقَضَ الدَّمُ لَمَا جَازَ بَعْدَهُ الرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ وَإِتْمَامُ
الصَّلَاةِ وَعَلِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ وَلَمْ
يُنْكِرْهُ وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ تِلْكَ الدِّمَاءَ لَمْ يَكُنْ يَمَسُّ
ثِيَابَهُ مِنْهَا إلَّا قَلِيلٌ يُعْفَى عَنْ مِثْلِهِ هَكَذَا قَالَهُ
أَصْحَابُنَا وَلَا بُدَّ مِنْهُ(19).
واستدل أصحاب
القول الثالث بعدة أدلة منها:
1- حديث أبي
الدرداء «أن النبي صلى الله عليه وسلم قاء فتوضأ»(20).
2- قول ابن عباس
رضي الله عنهما: «إذا كان فاحشاً فعليه الإعادة»(21).
فقالوا: الأدلة الأولى
تفيد النقض مطلقاً، وأثار الصحابة تدل على أن القليل من ذلك لا ينتقض الوضوء به،
وبهذا المعنى قال جماعة من التابعين.
بعد النظر
والتأمل في أدلة الأقوال الثلاثة يظهر أن النصوص الواردة في المسألة إما أنها
صريحة غير صحيحة أو هي في حيز القبول ولكنها غير صريحة في الدلالة على الحكم.
يقول صاحب الدرر
البهية: قد اختلف أهل العلم في انتقاض الوضوء بخروج الدم، وجميع ما هو نص في النقض
أو عدمه لم يبلغ إلى رتبة تصلح للاحتجاج بها، وقد تقرر أن كون الشيء ناقضاً للوضوء
لا يثبت إلا بدليل يصلح للاحتجاج؛ وإلا وجب البقاء على الأصل؛ لأن التعبد بالأحكام
الشرعية لا يجب إلا بإيجاب الله أو رسوله(22).
وعليه، يتألق قول المالكية والشافعية القائل بعدم نقض الوضوء بالرعاف مع القول بمراعاة الخلاف لمن تيسر له الوضوء بعد الرعاف خاصةً إذا كان الرعاف غزيراً.
الهوامش
- 1 المصباح المنير مادة (رعف) الموسوعة الفقهية الكويتية (22/ 262).
- 2 شرح زروق على متن الرسالة (1/ 347)، بلغة السالك لأقرب المسالك (1/ 269) وفتح القدير (1/ 35).
- 3 لا ينقضه عند القائلين بعدم النقض بخروج الرعاف كالمالكية والشافعية لانهم يقولون الرعاف لا ينقض الوضوء ولا ينقضه عند الحنابلة لأنهم يقولون: إن خروج الدم اليسير من غير السبيلين لا ينقض الوضوء، ولا ينقضه أيضاً عند من يقول بأن الرعاف ناقض للوضوء وهم الحنفية لأنهم يقولون بنقض الوضوء بالرعاف إذا سال؛ وهذا لم يسل، خلافاً لزفر الذي يرى أن الرعاف سال أو لم يسل ينقض الوضوء.
- 4 الأصل للشيباني ط قطر (1/ 44) العناية شرح الهداية (1/ 42) بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (1/ 24).
- 5 المجموع شرح المهذب (2/ 54).
- 6 عيون الأدلة في مسائل الخلاف بين فقهاء الأمصار (2/ 582)، المقدمات الممهدات (1/ 103) عيون المسائل للقاضي عبد الوهاب المالكي، ص 77، الحاوي الكبير ط الفكر (1/ 355) نهاية المطلب في دراية المذهب (1/ 119) المجموع شرح المهذب (2/ 54).
- 7 المحلى بالآثار (1/ 235).
- 8 المجموع شرح المهذب (2/ 54).
- 9 فتاوي دار الإفتاء المصرية (7306).
- 10 كشاف القناع (1/ 124)، الفروع (1/ 176)، شرح العمدة (1/ 295)، الإنصاف (1/ 179).
- 11 فتاوى اللجنة الدائمة (2) (4/ 113).
- 12 أخرجه ابن ماجه (1/ 385 - 389 - ط الحلبي) بإسناد ضعيف.
- 13 أخرجه الدارقطني (1/ 157) من حديث، وأعله الدارقطني بالانقطاع في سنده، وبجهالة راويين فيه.
- 14 أخرجه الترمذي (1/ 217، 218 - ط الحلبي) وقال: حديث حسن صحيح.
- 15 المجموع شرح المهذب (2/ 54).
- 16 بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (1/ 24).
- 17 أخرجه الدارقطني (1/ 151 - 152)، والبيهقي (1 141)، وحكم بضعفه.
- 18 رواه أبو داود (198) وأحمد (14908) وحسنه النووي.
- 19 المجموع شرح المهذب (2/ 55).
- 20 أخرجه أحمد (6/ 449)، والترمذي (78)، والنسائي في الكبرى (3116)
- 21 الأوسط لابن المنذر (1/ 172/ 64).
- 22 الدرر البهية والروضة الندية والتعليقات الرضية (1/ 176).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً