فقه الاستشفاء الحضاري (2)

أعمدة الحوكمة الأربعة

غلاف مقال بعنوان اعمدة الحوكمة الاربعة

أعمدة الحوكمة الأربعة: 

لا يسبحُ الغلافُ الدستوريُّ لأيِّ دولةٍ في الفراغ؛ فمهما بُولغَ في إحكامِ نصوصهِ لِتكونَ صمّامَ أمانٍ يقي الكيانَ من التآكلِ والصدام، إنّ هذا الغلافَ يظلُّ هيكلاً جامداً ما لم ينهضْ على أربعةِ أعمدةٍ حيويةٍ تمثّلُ في تشريحها البيولوجيِّ النخاعَ الشوكيَّ للنظامِ العام.

ولنا في التاريخ المعاصر عِبرة؛ فقد تبنّت بعضُ الدولِ أنظمةً دستوريةً متقدمةً استلهمتْ أرقى النماذجِ الغربية (كحكم الجمعية النيابية المستلهم من التجربة السويسرية)، إلا أن تلك التجربةَ -على رصانتها الورقية- اصطدمتْ بواقعٍ مرير؛ إذ أدّى غيابُ الأعمدةِ الأربعةِ (الشورى، والعدل، والأمانة، والرقابة) إلى فراغٍ مؤسسيٍّ حقيقيّ، لقد تحوّلَ النصُّ الدستوريُّ هناك إلى واجهةٍ زائفةٍ غطّت على نزعاتٍ فرديةٍ همّشت الأمة، وأنتجتْ قراراتٍ مجحفةً باسمِ الدستور، لتؤكدَ لنا حقيقةً قاسيةً: أنّ النصوصَ مهما بلغتْ من الفصاحةِ القانونية، تظلُّ عاجزةً عن الحمايةِ ما لم تكن مسنودةً بـ أعمدةِ بقاءٍ تتجذرُ في صلبِ ممارسةِ الحكمِ لا في أوراقِه

أعمدة الحوكمة الأربعة

وإذا كانت الشريعةُ قد وضعتْ أعمدةً روحيةً لإنهاضِ الفردِ وتزكيةِ ضميره مستلهمةً سورة «العصر»، فإنّ فقهَ الحوكمةِ يُترجمُ تلك الأعمدةَ عينَها إلى صمّاماتِ تشغيلٍ مؤسسية داخلَ هيكلِ الدولة؛ لينقلَ القيمَ من مساحةِ الوعظِ المِحرابيّ إلى صرامةِ الهندسةِ الدستورية.

فهذه الأعمدةُ الأربعة الشورى، والعدل، والأمانة، والرقابة ليستْ مجردَ مُثُلٍ عليا تُدبّجُ في الدساتيرِ لغاياتِ الاستعراض، بل هي وحداتُ تشغيلٍ فيزيائية؛ متى تداعتْ إحداها مالَ البنيان، ومتى تعطلتْ كُلُّها، دخلَ الجسدُ الحضاريُّ في غيبوبةِ الموتِ السريريّ، وتهيّأتْ أسبابُ تفعيلِ القانونِ الإلهيِّ الصارم: «سُنّة الاستبدال».

1- الشورى.. هندسةُ المخِّ الجماعيّ ومكافحةُ العمى الإدراكيّ:

في علم وظائف الأعضاء، لا يتخذُ الدماغُ قراراً سليماً إلا بتضافر ملايين المشابك العصبية، وفي فقه الدولة، تمثّل الشورى «المخَّ التداوليَّ الجماعيَّ» للأمة.

غير أن العطب التاريخي الذي أصاب هذا العمود ينبع من مسارين متكاملين؛ الأول السياسي، بتعطيل الشورى كآليةٍ مؤسسيةٍ ملزمة وتنزيلها منزلة المكرمة التفضلية، والثاني الاجتماعي الأخلاقي، المتمثل في ضعف صمود من أُسندت إليهم هذه الأمانة؛ حيث آثر كثير منهم السلامة والتنعم بالمزايا والامتيازات الوظيفية، فانسحبوا وتخلوا عن واجبهم في الجرأة والنصح وإظهار الحق.

وبالتالي، سواء باستبداد فردٍ يستقل بالتفكير عن أمة، أو بتخلي أهل الشورى عن أمانتهم إيثاراً للراحة والمزايا، تدخل الدولة في «عمى إدراكي وجلطة عقلية»؛ محكومة بالنقطة العمياء لرأي الفرد وسكوت النخبة، بينما تظل الشورى المأسسة الواعية هي الأداة الوحيدة التي تمنح عقل الدولة مرونة عصبية، وتجعل قرار السيادة ثمرة لـعصر العقول لا لـمزاج اللحظة وتواطؤ الصمت.

2- العدلُ:

العدل في البُنيةِ الدستوريةِ هو «الجهازُ الدوريُّ» الذي يضخُّ حقوق وموارد الوطن إلى كُلِّ خليةٍ بالتساوي، وكما يُسبّبُ انقطاعُ الدم عن العضو إصابته بالغرغرينا وبتره، فإن حرمان فئةٍ أو إقليمٍ من شرايين العدل يُنشئُ بؤر احتقانٍ سامّة تهدم الدولة.

وتكمن عبقرية التشريع الإسلامي للعدل في حمايته من انحرافين:

1- «الرأفة الخادعة»: فالمشاعر لا تُداهن المعايير؛ والتساهل مع طالبٍ غير كفء لمنحه شهادةً علمية غير مستحقة بدعوى الرأفة به ومراعاة ظروفه هو تعدٍّ على الأمانة وإضرارٌ بالناس (إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا) (النساء: 135)، إذ الواجب إعطاؤه استحقاقه العلمي، ثم مساعدته مالياً عبر قنوات الدعم لا عبر مساومة الكفاءة.

2- العدل مع «الخصم والمخالف»: فالتكليف مطلقٌ لا يتأثر بالحب أو البغض: (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ) (المائدة: 8).

وحين يغيب هذا الضابط المزدوج، ويتحول القانون إلى «شبكة صيد» تُحابي القوي وتستقوي على الضعيف، تتراكم في مفاصل الدولة أحماضُ القهرِ التي تكسر اللحمة الوطنية.

3- الأمانة.. الغشاءُ الخلويُّ الانتقائيّ ومحنةُ الولاء:

الأمانةُ هي المعيارُ البيولوجيُّ الصارمُ لـ«نفاذيةِ السلطة»، فالخليةُ السليمةُ تحاطُ بغشاءٍ انتقائيّ يسمحُ بدخولِ الجزيئاتِ النافعةِ ويرفضُ السموم، وتطبيقُ الأمانةِ دستورياً يعني تفعيلَ مبدأ «القويِّ الأمين» في كُلِّ موقعٍ عام.

لقد أُصيبتْ بعض الدول بسرطانِ الإدارة يومَ انقلبتْ هذه المصفاة، فترسّختْ قاعدةُ «تقديمِ الولاءِ الشخصيِّ على الكفاءةِ الموضوعية»؛ وهي القاعدةُ التي تفتحُ البابَ واسعاً للزنماءِ الطفيليين ليتسللوا إلى غرفِ التحكم.

إنّ تضييعَالأمانةِ «توسيدِ الأمرِ إلى غيرِ أهلِه» هو في حقيقتِه إعلانٌ ببدءِ التحللِ الذاتيّ للمؤسسة؛ لأنّ الفاسدَ أو العاجزَ متى ما تَمكّنَ من مقعدِ القيادة، سيبدأُ فوراً بتجريفِ مَن حوله من الكفاءات لكي لا تُفتضحَ عاهتُه.

4- الرقابة والمساءلة.. الكرياتُ الليمفاويةُ وحتميةُ القتلِ الذاتيّ:

إذا كانت الأعمدةُ الثلاثةُ الأولى تمثّلُ أدواتِ البناء، فإنّ الرقابةَ هي «جهازُ المناعةِ الرادع»، في البيولوجيا، حين تنحرفُ خليةٌ عن مسارِها وتشرعُ في التكاثرِ العشوائيّ، تهاجمُها الكرياتُ الليمفاويةُ وتُجبرُها على ما يُسمّى بالموت المبرمج للخلية حمايةً للجسد.

الرقابةُ الدستوريةُ والمساءلةُ هي الترجمةُ لفريضةِ الحِسبةِ السياسية، ومحنتُنا المعاصرةُ أننا قَزّمْنا «الأمرَ بالمعروفِ والنهيَ عن المنكر» وحصرناهُ في مراقبةِ سلوكِ المارةِ في الشارع، بينما عطّلناهُ في مدارهِ الأوجب: «مراقبةِ ميزانياتِ الدول، ومساءلةِ أصحابِ السيادة».

إنّ السلطةَ بلا رقابةٍ صارمة، تتحولُ تلقائياً إلى وحشٍ مفترس يبتلعُ أبناءه؛ فالمساءلةُ هي الضوءُ الكاشفُ الذي يجعلُ ممارسةَ الفسادِ مخاطرةً انتحارية لا امتيازاً وظيفياً.

كيف تتضافرُ الأعمدةُ لصدِّ سُنّة الاستبدال؟

إنّ هذه الأعمدةَ الأربعةَ لا تعملُ كـ جُزُرٍ منعزلة، بل تنتظمُ في دورةِ كبحٍ وتغذيةٍ راجعةٍ مغلقة:

  • الشورى تضمنُ ولادةَ (القرارِ الصحيح).
  • والأمانةُ تضمنُ (تنفيذَه بأيدٍ نظيفة).
  • والعدلُ يضمنُ (توزيعَ ثمرتهِ على المجموع).
  • والرقابةُ تضمنُ (تقويمَهُ متى ما انحرف).

وإذا اكتملتْ هذه الدورة، تحققتْ للأمةِ «السيادةُ المناعية»؛ فلم تَعُدْ بيئةً قابلةً للاختراق، وانغلقَ أمامها البابُ المظلمُ لسُنّة الاستبدال التي حذّر منها التنزيلُ الحكيم: (وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم) (محمد: 38).

فالاستبدالُ الإلهيُّ ليس صدفةً تاريخية، بل هو النتيجةُ الرياضيةُ الحتميةُ لتآكلِ الأعمدةِ الأربعة؛ فحين ترفضُ الأمةُ أن تحكمَ نفسَها بـ العدلِ والشورى، يسلبُها اللهُ شرفَ الاستخلاف، ويُسلّمُ قيادَ الأرضِ لِمَن يتقنُ هندسةَ البناء.

التمهيد للفضاء العام

لقد أقمنا اليومَ النخاعَ الشوكيَّ لجسدِ الدولة، واطمأننّا إلى سلامةِ أجهزتِه المركزية، لكنّ هذا الحصنَ الدستوريَّ يظلُّ مهدداً بـخطرِ الابتلاع؛ فكيف نمنعُ الدولةَ -حتى وهي عادلة في بنيتها- من التغوّلِ على حريةِ الفردِ والمجتمع؟ وكيف نحمي الفضاءَ العام من انحرافات الأنظمة؛ سواء كانت أنظمةً ديمقراطيةً تسحق الأقليةَ باسم إرادة الأغلبية، أو أنظمةً قائمةً على التمييز تُشرعِنُ الفصلَ العنصريَّ وتنتهكُ حقوقَ الإنسان؟

إننا هنا أمام تحدي هندسةِ صمّاماتِ أمانٍ إضافية؛ عبر أوقافٍ مستقلةٍ تحمي المجتمعَ من هيمنةِ السلطة، وثلثٍ معطّلٍ يقي الأقليةَ من استبدادِ الأغلبية، وفعلٍ تواصليٍّ يقطعُ الطريقَ على ولادةِ هتلرٍ جديد يمتطي صهوةَ الصناديقِ ليجهزَ على الحرية.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة