هويتنا العربية والإسلامية.. كيف نعظِّم دورها في مواجهة مشاريع التفتيت؟

هويتنا العربية والإسلامية.. كيف نعظِّم دورها في مواجهة مشاريع التفتيت؟

تشكل الهوية للإنسان؛ فرداً أو مجموعاً، جزءاً أساساً من ذاته، بل ربما تصير هي ذاته؛ إذ الهوية في أحد تعريفاتها حقيقة الشيء أو الشخص التي تميزه عن غيره، فهي تصنع للإنسان معالم فكره وركائز وجدانه، وتحدد له نظرته لذاته ولغيره، وطرق تعامله مع حاضره ومستقبله، وكيفية تعاطيه مع التحديات والعقبات والأولويات.

بل يضاف لذلك، أن الهوية من أهم العوامل التي تحدد للآخرين كيفية التعامل معك؛ فتصبح الهوية حينئذ جزءاً من فعلك وانفعالك، وأيضاً من تفاعل غيرك معك.

وفي حالتنا العربية والإسلامية، فإن الهوية تكتسب قيمة مضافة؛ لأن شعوب هذه المنطقة، المترامية الأطراف، المتعددة الألوان والعرقيات، من إندونيسيا شرقاً إلى موريتانيا غرباً؛ لم يكن يجمعها قبل الإسلام جامع، بل حتى العرب داخل جزيرتهم لم تتوحد رايتهم قبل الإسلام رغم اجتماعهم على اللغة، وتقاربهم في أمور شتى.

بجانب ذلك، فإن الحديث عن الهوية ليس أمراً يحلّق في فضاءات الفكر والثقافة فحسب، وإنما يشتبك مع الواقع المعيش في مختلف معادلاته ومساراته؛ فالواقع الذي تعيشه الأمة العربية والإسلامية من المؤكد أنه كان سيكون مختلفاً لو أنها تعاملت مع هويتها على نحو مختلف عما تتعامل عليه الآن.

كذلك، فإن التحديات التي تواجه الأمة تتشكل وتتبلور تبعاً لواقع هذه الهوية من القوة أو الضعف، بمثل ما أنها لا تدخر جهداً في إضعاف هذه الهوية وتفتيتها وإعادتها إلى ما كانت عليه من قبل، حيث التجزؤ والتصارع والفُرقة التي يصطلي بنارها الجميع!

هويتنا العربية والإسلامية قدرٌ لا خيار وهي سلاحنا للنهضة داخلياً والاستقلال خارجياً

وبالتالي، فالسؤال المطروح: كيف نعظِّم دور الهوية العربية والإسلامية في مواجهة مشاريع التفتيت؛ وقبل ذلك، في قطع الطريق على محاولات التشكيك في قدرتنا على النهوض من جديد؟

وللإجابة عن ذلك، نتصور أن من المهم إدراك 3 أمور أساسية؛ الأول: أن الهوية ليست خياراً نملك التخلي عنه، وإنما هي حقيقة ملازمة لنا، والثاني: أن الهوية ليست منغلقة، وإنما فضاء حضاري ينتمي إليه كل من يسكن بلادنا ويحفظ حقوقها، والثالث: أن الهوية كما صنعت تاريخنا فإنها قادرة على تشكيل مستقبلنا.

الهوية ليست خياراً نملك التخلي عنه

نعم، فالهوية حقيقة ملازمة لنا متسربة راسخة في وجداننا وعقولنا وفي عاداتنا وطرق تفكيرنا، وهي السمة الأساس المميزة لدولنا العربية والإسلامية والجامعة لكل ما فيها من قوميات وأعراق وأديان.

هذه الهوية هي التي وحّدت دولنا العربية والإسلامية من فرقة، وقوّتها من ضعف، وجعلتها أمة بعد أن كانت قبائل وكيانات متناحرة متنافرة؛ وبالتالي، فالهوية صارت هي ذاتها الحضارية التي بها تعبّر عن نفسها بين الأمم، وبها تواجه ما يُفرض عليها من تحديات؛ بل وأصبحت أمتنا تحارَب بسبب هذه الهوية المميزة لها والقادرة باستمرار-متى كانت حقيقة واقعة بالفعل في التصورات والسلوكيات- على أن تنهض بها من جديد، وتواجه المخططات الطامعة في ثرواتها.

فلسنا نملك ترف الاختيار، فضلاً عن التنازل، إزاء هذه الهوية، ولا ينبغي أن نراها عبئاً على تفكيرنا واختياراتنا، ولا عائقاً أمام النهوض والتحضر كما يزعم البعض من أبناء جلدتنا ومن غيرهم؛ وإنما يجب أن نتعامل معها باعتبارها مصدر فخرنا وعزتنا، وسبب وحدتنا وقوتنا.

ولننظر في تاريخنا الحديث، هل نجحت القوى الاستعمارية في تنفيذ مخططاتها بالسيطرة على الدول العربية والإسلامية، إلا بعد أن أضعفت ما بينها من روابط، حتى رجعت كل دولة منها تعتز بما كانت تعتز به قبل الإسلام، وصرنا أمام تعدد هوياتي يبعث على الفرقة والتناحر؟!

ولم يكن غريباً وفي ظل الاحتلال أن تحيا اللهجاتُ المحلية والقوميات الميتة التي أكل عليها الدهر وشرب وأصبحت جزءاً من المتاحف لا من الواقع الحي؛ فكان الاهتمام المريب بـ«العروبة منزوعة الدين»، وبالفرعونية والفينيقية والأشورية والبابلية والطورانية وغيرها من مراحل ما قبل الإسلام، ثم كانت التيارات اليسارية والليبرالية والعلمانية التي تزاحم الهوية بل تُقصيها وتضطهدها، وتريد إعادة تشكيل الأفكار والمفاهيم والروابط والعلاقات، على مستوى الفرد والأسرة والمجتمع والدولة.

الغرب يتخذ من شعار «حماية الأقليات» ذريعة لاختراق نسيجنا المتعدد والسيطرة عليه

وفي ظل هذا التعدد الهوياتي، الذي لا يتم استحضاره من التاريخ إلا في إطار التمزيق والتفتيت، وليس فقط في الإطار المعرفي والثقافي، وذلك بمقابل التهوين والتشكيك وأحياناً الازدراء والاستهزاء تجاه الهوية العربية والإسلامية، في ظل هذا التعدد، هل يمكن الحديث عن النهوض والتحضر؟ وهل يمكن مواجهة مشاريع الهيمنة والتفتيت والاستحواذ على الثروات ومكامن القوة؟

ولهذا، فهويتنا العربية والإسلامية ليست خياراً يمكن التنازل عنه أو التفريط فيه؛ وإنما هي ذاتنا الحضارية، وقوتنا الكامنة التي ندخرها لتحديات الداخل بالحرية والنهوض، ولأطماع الخارج بالتحرر والاستقلال.

الهوية ليست منغلقة

وهذا أمر على مستوى كبير من الأهمية، لأنه يراد تصوير هويتنا على أنها أمر منغلق لا يقبل التعايش مع حالة التنوع والتعدد، وبالتالي يتم تشويهها والتنفير منها، وإيجاد الذرائع لاستبعادها؛ بينما الهوية العربية والإسلامية في التصور الصحيح فضاءٌ حضاري ينتمي إليه كل من يسكن بلادنا ويعمل على صيانتها من الضعف والتخلف؛ فهي دين للمسلمين، وثقافة وحضارة لغيرهم من أبناء دولنا، وقد كان السياسي المصري المسيحي مكرم عبيد يقول: «نحن مسلمون وطناً، ونصارى ديناً».

وقد اتخذ الغرب من حالة التعدد الديني والعرقي ببلادنا ثغرة ينفذ منها ويحقق أطماعه في السيطرة والتفتيت، بزعم «حماية الأقليات»، وللأسف تجاوب معه البعض جهلاً أو كيداً، بينما الغرب يستخدمهم مجرد ورقة يستر بها أطماعه، ولو كان صادقاً في زعمه لأوقف الاعتداءات الصهيونية المتكررة على المقدسات المسيحية بفلسطين طوال عقود، وبغزة خلال عامي الإبادة الإنسانية على وجه خاص.

الهوية صنعت تاريخنا وستشكّل مستقبلنا

من المهم أن ندرك يقيناً أن الهوية كما صنعت تاريخنا، ووحّدت بلادنا، وأكسبتنا القدرة على إقامة حضارة رائدة لعشرة قرون؛ فإنها أيضاً قادرة على تشكيل مستقبلنا؛ بل الحقيقة أنه لا مستقبل لنا إلا باستعادة هذه الهوية، الغائبة أو المغيَّبة، وتفعيلها من جديد في واقعنا؛ فكراً وسلوكاً وخططاً، في الثقافة والتربية والاجتماع والاقتصاد والسياسة.

وقد رأينا رأي العين أن الدول الكبرى تعمل، وبالتوازي، على فرض سيطرتها وإرادتها مع ترويج فكرها وثقافتها؛ لأنها تدرك أن الأمر الثاني هو ما يسهّل عمل الأول، بل ويزيّف حقيقته وينقله من مشروع استعماري إلى رسالة تنويرية؛ وبذلك تُخفي وجهها القبيح بحديث كاذب عن الحقوق والتمدن وحرية السوق والقيم الكونية.

هكذا فعل نابليون وهو يشق طريقه لقلب القاهرة، فزعم أنه جاء ليحرر المصريين من ظلم المماليك، وهكذا فعل بوش وهو يدك أفغانستان بأطنان القنابل، فزعم أنه سيحرر الأفغان من تشدد «طالبان»، وهكذا يفعل ترمب، ونتنياهو الآن، في غزة وإيران وفنزويلا، بمزاعم محاربة الإرهاب ونشر الحرية والدفاع عن قيم الحضارة الغربية!

وبذلك، يتضح أن أثمن ما نملكه لمواجهة مشاريع التفتيت وتحديات النهوض تمسكنا بهويتنا العربية والإسلامية بما يدفعنا لاكتشاف طاقاتنا المخبوءة روحياً وفكرياً، وتقوية صفوفنا وروابطنا الأسرية والمجتمعية، والحفاظ على مقدرات بلادنا واستقلالها، ورفض الانصياع لمشاريع التذويب والهيمنة والتفتيت.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة