واجبنا نحو القرآن

واجبنا نحو القرآن

سُئل بعض العلماء: أيّة آية تصلح أن تكون عنوانًا على القرآن كلّه بحيث إذا كُتبت على ظهر المصحف كانت تعريفًا كاملًا به، شاملًا لجميع المعاني الكليّة التي يجدها المتصفح فيه كما تُعَرّفُ الكتب الكبيرة بجمل قصيرة؟ فكان جواب هذا العالِم: الآية التي تصلح لذلك هي قوله تعالى: (هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) (إبراهيم: 52).

ولعَمري، لقد وُفّق هذا العالِم القرآني إلى الصواب فيما أجاب به؛ فالقرآن كتاب يحمل في ثِنْيَيْهِ دينَ الله الكامل، وكلُّ ما سبقه من الكتب والصحف فهي إرهاصات له، وبشارات به، وإشارات إليه. ابتعث به نبيَّه الأمين محمدًا -صلى الله عليه وسلم- لهذا العالَم الإنساني كلّه، حين بلغ رشده الاجتماعي واستعد للكمال، واستشرف لسائق من وراء العقل يكون سندًا له إذا زلّ، وهاديًا له إذا ضلّ، ومصححًا لخطئه إذا أخطأ، ومخرجًا له من ظلمات الحيرة إذا التبست عليه مناهج الحياة، ومفسحًا له في آماله إذا ضَيّقت عليه هذه الحياة المحدودة حدود الآمال، ومحررًا له من أصناف العبودية الفكرية والبدنية التي تقلَّب فيها قرونًا، ومرشدًا إياه إلى وسائل الكمال التي كان يطلبها فلا يجدها.

والآية الكريمة التي جعلها جوابًا لسائله بيان إلهي معجِز للحِكَم التي اقتضت نزول القرآن، والحِكَم التي نزل لبيانها القرآن، والمثُل العليا للكمال الإنساني الذي دعا إليه القرآن، متدرجة في وضعها البياني تدرجها الطبيعي من نفس سامعها؛ بلاغ، فإنذار، فعِلْم، فتذكّر.

وأمثال هذا العالم من ربَّانِيِّي هذه الأمّة ممن درسوا القرآن وتدبروه ومارسوه وراضوا أنفسهم على بيانه، واستنبطوا منه الحِكَم التي أُنزل لتحقيقها، والعلوم التي جاء لتجليتها على الناس، يكون من خصائصهم هذه الملَكة، مَلَكة استعراض القرآن في مِثل ارتداد الطرف كلما تحرك لهم وجدان وأرادوا أن يَزِنوه، أو نَجَم في آفاق نفوسهم خاطر وأرادوا أن يصححوه، أو أُلقي عليهم سؤال وأرادوا أن يُجيبوا عليه.

وما نظنّ بصاحبنا هذا أنه راعى القانون الاصطلاحي الجدلي في انطباق الجواب على السؤال، وإنما هي هيمنة القرآن على نفوس أصحابه، وإلهامها الإصابة في الرأي، والتسديد في الجواب، والفيح في الخصومة.

فالسائل يطلب آية جامعة (لوظائف) القرآن، لا جرَم أن أول ما يخطر ببال المجيب أمثال قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ) (المائدة: 67) الآية، وقوله تعالى: (وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ) (الأنعام: 19) الآية، وقوله: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ) (الكهف: 110)، وقوله تعالى: (فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ) (ق: 45)، وغيرها من الآيات المبيّنة لأصول الدعوة القرآنية، ثم يلتمس راية تجمع هذه الأصول مع التنويه بهذا الكتاب الجامع لها، فيقع على تلك الآية أو ما شاكلها، والآيات الجامعة (لوظائف) القرآن كثيرة، ومن السهل السريع الوقوع عليها عند هذه الطائفة التي أوتيَتْ قوة الاستعراض.

وقد يُسأل عالِم آخر فيقع على قوله تعالى: (هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ) (آل عمران: 138)، أو قوله: (هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ) (الجاثية: 29)، والكلّ مُصيب، رضي القانون الجدلي أم سخط، وإن كان هناك تفاوت بين الآيات في الإحاطة والبيان، فلكلّ جملة تزيد في آية موقعٌ ودلالةٌ، ولكلّ كلمة تزيد في جملة معنى وحالةٌ.

أما أنا -ولا أعوذ بالله من كلمة أنا- فلو أُلقي عليّ هذا السؤال لتمردتُ على قوانين الجدال، وأجبتُ على المُغافَصَة والارتجال، ولم أَرْعَ إلَّا الاعتبار المناسب ومقتضى الحال، وجرَرْتُ السائل عن (وظائف القرآن) إلى (وظائف أهل القرآن مع القرآن)، وقلتُ للسائل: ضع على ظهر المصحف بالقلم العريض قولَه تعالى: (وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) (الأنعام: 155)، وقولَه: (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) (ص: 29)، واجعلْ جملتي: (فَاتَّبِعُوهُ)، و(لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ) بين أقواس؛ عَلَّ هذه الأقواس المحنيّة تصيب مِن قارئه شاكلة انتباه فتزعجه إلى معرفة أن هاتين الآيتين هما جواز الداخل إلى أقطار القرآن، وعلَّ هذه القلوب القاسية تستشعر حقّ القرآن عليها ووظيفتها التي يجب أن تقوم بها نحوه، وهي التدبُّر لمعانيه واتّباعه.

إنّ حقوق القرآن علينا من التدبر والاتّباع، هي التي يعروها ما يعروها من الإهمال والضياع، والتفريط والغفلة؛ فهي التي يجب التنبيه لها والتذكير بها دائمًا، والدلالة على مواقعها من آيات الكتاب العزيز، وهي التي يجب على العالِم القرآني أن يختار للتذكير بها أصرح الآيات في معناها، وأظهر الجمل في الدلالة عليها، وأقرب الألفاظ لأذهان الناس.

وإذا قارنّا بين: (لِيُنْذَرُوا) وبين: (لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ)، وجدنا بينهما فرقًا جليًّا لا يُستهان به في مقام التذكير، والإبلاغ في التأثير؛ فإن الإنذار -وإن كان معناه الإعلام بالشيء مع التخويف من عواقبه- لا يستلزم التدبّر الذي هو انفعال نفساني ذاتي، يُفضي إلى النظر في أدبار الشيء وغاياته على وجه من التكلّف والتدرج يفيده بناء (تفَعُّل)؛ وأثر الإنذار تأثير خارجي، وأثر التدبّر تأثر ذاتي، والإنذار لا يشعر النفس ما يشعرها التدبّر من العهد المسؤول والأمانة الثقيلة.

أما الاتِّباع فهو ثمرة التدبر، وهو الذي لا تتحقق الغايات التي يرمي إليها القرآن إلا به، وقد تكرّر ذكره في القرآن في معارض شتّى، تدلّ مُستعرضها على أنه هو سرّ التديّن والتألّه، وأنه المحقق للكمال، وأنه العاصم من الضلال والهلاك، فليتدبر التالي هذه الأمثلة من الآيات القرآنية: (اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ) (الأعراف: 3)، (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ) (الأنعام: 153)، (فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) (آل عمران: 31)، (وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ) (لقمان: 15)، (اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ) (يس: 20)، (اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ) (يس: 21)، (فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى) (طه: 123)، (ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا) (الجاثية: 18)، (وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي) (يوسف: 38).

ويا للعجب من بيان القرآن وبيّناته! وإعجازه بفنون إيجازه! إنّ الاتباع ضَرْب من قَفْوِ أثر الغير، وترسُّم خطاه والانقياد له، وجعْل الهوى تبعًا للهوى، مع اطمئنان بالمشاركة في النتيجة خيرًا كانت أو شرًّا؛ وفي معناه من الهُجْنة أنه ينافي الاستقلال الفكري في الفكريات، والذاتي في الذاتيات، فتجد القرآن يدفع عنك أثر هذه الهُجْنة العارضة، فيأمرك بالتدبر واستعمال الحواس الظاهرة والباطنة في وظائفها الفطرية قبل أن يأمرك بالاتباع، حتى تطمئن إلى أنك إنما تتبع فيما فيه حَقّ وخير ورحمة، ثم إذا أمرك بالاتباع فإنما ذاك فيما يتعالى على فكرك إدراكه، أو يصعب عليك تمييزه، أو يخاف فيه غلبة الأهواء عليك، وبعد الأمر ينهى عن اتباع الهوى المضِلّ عن سبيل الحقّ، وعن اتباع أهواء الذين لا يعلمون، وعن اتباع خطوات الشيطان، وعن اتباع أولياء من دون الله، وعن اتباع السُّبل المتفرقة؛ توكيدًا للمعنى الإيجابي، وإيضاحًا للحقّ الذي يجب أن يتبع.

إلَّا أنّ المتدبرين للقرآن لا يخرجون من هذا الاستعراض البديع إلا مؤمنين موقنين بأن الاتباع الذي يدعو إليه القرآن هو عين الاستقلال التام للفكر والإرادة والعقل والوجدان؛ لأنه يحميها من شرور الأهواء، ويؤويها إلى حِمَى الحقّ وحده، والاحتماء بالحق الذي قامت به السماوات والأرض، واستقر عليه تدبير الكون ونظامه، استقلالٌ ما وراءه استقلال؛ (وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ) (المؤمنون: 71)، هذا حقّ القرآن علينا؛ يجب أن نتخذ الآيات المنبّهة عليه فواتح في المدارسة، وأن تتجاوب أصداؤها في جوانب نفوسنا؛ حتى لا ندخل حرمه إلا بعد أن نكون عرَفْنا حقه.



اقرأ أيضاً:

جولة داخل المصنع القرآني

سؤال القرآن.. المفهوم والمشروعية

هكذا حافظ القرآن على اللغة العربية من الاندثار

الهوامش
  • 1 المصدر: مجلة «الشهاب»، الجزء الرابع، المجلد الرابع عشر، يونيو - يوليو 1938م.
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة