وهْمُ البطولة الرقمية.. هل استبدلنا عداد «اللايكات» بمراد الله؟!
أحدثت وسائل
التواصل الاجتماعي تحوّلًا عميقًا في بنية الوعي الإنساني عمومًا، وفي تصوّرات
الشباب المسلم خصوصًا، لا بوصفها أدوات تواصل فحسب، بل باعتبارها بيئة كاملة
لإنتاج المعاني، وإعادة تعريف القيم، وتشكيل معايير النجاح والفشل، والقيمة
واللاجدوى.
ومن أبرز ما
أفرزته هذه البيئة ما يمكن تسميته بظاهرة «الجماهيرية»، حيث أصبح الظهور،
والانتشار، وعدّاد المتابعين، عناصر حاضرة، صراحة أو ضمنًا، في تقييم الأعمال
والأشخاص، بل وفي تصوّر الإنسان عن موقعه من مراد الله ورسالة وجوده في هذه
الحياة.
في الأصل، سؤال
المراد سؤال تعبّدي محض: ما الذي يريده الله مني حيث أقامني؟
وهو سؤال لا
ينفصل عن الإيمان بالقدر، ولا عن فقه الأولويات، ولا عن إدراك معنى العبودية
الشاملة التي قال الله تعالى فيها: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) (الذاريات:
56)، غير أن هذا السؤال بدأ، تحت تأثير ثقافة المنصات، ينزاح تدريجيًا من
كونه سؤال امتثال إلى كونه سؤال تموضع: أين مكاني بين الناس؟ وما الدور الذي
يجعلني مؤثرًا ومرئيًا وذا صدى؟ وهنا وقع الخلط بين مراد الله من العبد، وهمّ
البطولة الكامن في النفس، الذي يتغذّى بطبيعته على الإشادة والاعتراف الاجتماعي.
هذا الانزياح لم
يأتِ فجأة، بل تشكّل عبر خطاب واسع الانتشار يربط القيمة بالأثر الظاهر، والنفع
باتساع الدائرة، والنجاح بقدرة الإنسان على صناعة الفرق، وهي معانٍ قد تكون صحيحة
في ذاتها، لكنها حين تُفصل عن ميزان الشريعة، وتُختزل في صورتها الجماهيرية،
تتحوّل إلى عبء نفسي ومعياري ثقيل، فيغدو العمل الذي لا يتجاوز دائرة الأهل، أو لا
يظهر في المجال العام، أو لا يصحبه تصفيق، عملًا ناقص القيمة في الوجدان، وإن كان
عند الله من أعظم القربات، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل معيار القيمة هو
القيام بالمسؤولية حيث أنت:
«لَا
تَحْقِرَنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا، وَلَوْ أَنْ تُعْطِي صِلَةَ الْحَبْلِ،
وَلَوْ أَنْ تُعْطِي شِسْعَ النَّعْلِ، وَلَوْ أَنْ تُفْرِغَ مِنْ دَلْوِكَ فِي
إِنَاءِ الْمُسْتَسْقِي، وَلَوْ أَنْ تُنَحِّيَ الشَّيْءَ مِنْ طَرِيقِ النَّاسِ
يُؤْذِيهِمْ، وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ وَوَجْهُكَ إِلَيْهِ مُنْطَلِقٌ، وَلَوْ
أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ فَتُسَلِّمَ عَلَيْهِ، وَلَوْ أَنْ تُؤْنِسَ الْوَحْشَانِ
فِي الْأَرْضِ.. وَمَا سَرَّ أُذُنَكَ أَنْ تَسْمَعَهُ فَاعْمَلْ بِهِ، وَمَا
سَاءَ أُذُنَكَ أَنْ تَسْمَعَهُ فَاجْتَنِبْهُ»(1).
ومع تضييق مفهوم
النفع في التصور المعاصر، تركز مراد الله في العمل المتعدي ذي الصبغة الاجتماعية
الواسعة، خارج نطاق البيت والأسرة والعمل الخاص، فصار التعبد بتربية الأبناء، أو
رعاية الوالدين، أو الالتزام الصامت بالواجبات المهنية، يُنظر إليه بوصفه مرحلة
انتقالية أو عذرًا مؤقتًا، لا رسالة قائمة بذاتها، وهذا اختلال عميق في التصوّر؛
لأن الشريعة لم تجعل القيمة في اتساع الأثر، بل في صدق الامتثال، وفي وضع كل طاقة
في موضعها الذي أراده الله تعالى لها.
وقد زاد من
تعميق هذا الاختلال الإدمان الواسع لمتابعة الشخصيات الجماهيرية، حيث لا يتلقى
المتابع الأفكار والمضامين فقط، بل يتشرّب -دون وعي- أجواء اللمعان، وأرقام
التفاعل، وصورة النجاح كما تُعرض على الشاشات، ومع الوقت، تبدأ المقارنات: لماذا
لا أصل لمثل ما وصل له؟ أين أنا من هذا الكم من المتابعين؟ ما الذي ينقصني؟ ولا
تضع هذه المقارنات في الحسبان المسار الطويل من التعب والتدرّج، أو معيارية
الإخلاص وصحة العمل (أي موافقته للضوابط الشرعية، بل مع عدّادات الإعجاب الظاهري
خارج كل سياق، وهنا تتولّد الحسرة، التي تتحول إلى إحباط ثم فتور، ويُختم المنحنى
العملي بالقعود الكامل عن العمل!
ومن الأخطار
الأخرى أن تُلبّس هذه الحالة النفسية لباس النية الصالحة، فيُقنع المرء نفسه أنه
إنما يطلب الظهور لأجل نفع الناس، أو نشر الخير، أو إيصال الرسالة، مع أن النبي صلى
الله عليه وسلم حذّر من دقّة هذا الباب حين قال: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل
امرئ ما نوى» (متفق عليه)، فالعمل قد يكون واحدًا في صورته، لكنه يختلف اختلافًا
جذريًّا في ميزانه عند الله، وما أكثر ما يختلط التبليغ بالتسميع، والتعريف بالخير
بالتباهي به، إذا لم يكن للعبد خلوة صادقة يراجع فيها نفسه بعيدًا عن أعين الناس.
ومن آثار هذا
المناخ، كذلك، اختلال موازين تقدير الأعمال، واحتقار الصغائر، مع أن النبي صلى
الله عليه وسلم قال قولًا جامعًا مانعًا: «لا تَحقِرَنَّ من المعروف شيئًا»، فالميزان
الإلهي لا يعرف الأعمال الصغيرة بمعناها المتداول، وإنما يعرف القلوب، والنيات،
والاستقامة، لكن النفس التي اعتادت الضجيج تملّ من العمل الصامت، لأنه بلا طنين
ولا رنين، فيدخل الشيطان من باب التثبيط، فيقنع العبد أن ما يفعله لا جدوى منه، أو
يدخل الهوى من باب طلب الإبهار، فيدفعه لترك ما بين يديه بحثًا عمّا يُرى ويُسمع.
وهكذا، وعلى غير
المتوقع، ينتهي هذا كله إلى القعود، فحين تُربط قيمة العمل بالظهور، تعجز النفس عن
الاستمرار في الخفاء، وحين يُربط مراد الله بالإنجاز الكبير، يتوقف الإنسان عن
الحركة حتى تتوفر الظروف المثالية، فينشغل بالتخطيط للرسالة بدل القيام بالواجب،
وبانتظار المشروع بدل إعمار اليوم، مع أن الله تعالى قال: (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ) (البقرة: 148)،
ولم يعلّق الاستباق على حجم الخير، بل على المبادرة إليه حيث وُجد.
لسنا بحاجة إلى
معاداة وسائل التواصل، ولا إلى إنكار أثرها، لكننا بحاجة ماسّة إلى وعي يضعها في
موضعها، حتى لا تتحوّل من وسيلة إلى ميزان، ومن أداة إلى مرجعية، فإذا عاد الميزان
إلى موضعه، عاد العمل خفيفًا، وعادت الهمم صادقة، وتحوّلت تفاصيل الحياة كلّها -بصغيرها
وكبيرها- إلى ساحات لتحقيق مراد الله، لا إلى مسرح انتظار طويل لدور البطولة.
وإن استعادة التصور الصحيح لمفهوم مراد الله تعالى تقتضي تحرير القلوب من ميزان الجماهيرية، وإعادة ربط العمل بمعناه التعبدي، لا بصورته الاجتماعية، فمراد الله يُعرَف في الثبات قبل الظهور، وفي الصدق قبل الانتشار، وفي ابتغاء وجه الله تعالى الباقي أبدًا، ولو لم يشهد أحد!
الهوامش
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً