يوسي داغان.. أخطبوط الاستعمار الاستيطاني بشمال الضفة الغربية

نواف العامر

31 ديسمبر 2025

107

يحتل اسم يوسي داغان حضوراً لافتاً في سياقات الجنون الاستيطاني المحموم بشمال الضفة الغربية لترؤسه مجلس مستوطناتها منذ العام 2015م، واستطاع نقل منتوجاتها للترويج العربي والغربي مترافقاً مع صعود سياسي له ينبئ بتبوئه موقعاً يطمح له خلال المرحلة المقبلة في ساحة الفعل «الإسرائيلي».

ويصنَّف حالياً كناشط سياسي محصّن بشبكة علاقات مفتوحة ذات تأثير وفاعلية، بينما تعود نشأته في مدينة «بني براك» في الداخل المحتل وتحديداً حي «بارديس كاتس»؛ حيث ترتفع نسبة الحريديم فيها، وسرعان ما انتقل عندما كان في الصف العاشر مع والديه وإخوته إلى مدرسة «شافي شمرون» في قلب المستوطنة الملاصقة لبلدة دير شرف شمال نابلس.

محطته الاستيطانية الأولى

بيوت مستعمرة «تصانور» جنوب جنين كانت محطته الاستيطانية الأولى التي تم إخلاؤها ضمن خطة فك الارتباط التي أعلنها ونفذها شارون في العام 2005م، ليقود في أقل من عام «مجلس من أجل العودة إلى صانور والمستوطنات القريبة المخلاة»، بعد أن بادر لإنشائها.

وتنظر إليه وسائل إعلام فلسطينية و«إسرائيلية» بأنه أحد أبرز الداعين لإعادة الاستيطان في قبر يوسف بحي بلاطة البلد في قلب ضواحي نابلس الشرقية، عوضاً عن قيامه بالدفع للزيارات المكثفة الدائمة النصف شهرية للمكان وهو يتقلد بندقيته «إل إم 16» على كتفيه؛ في دلالة على الجهوزية واستخدام القوة.

ولا تبعد مستوطنة «شافي شمرون» حيث يقطن داغان سوى بضعة كيلومترات معدودة عن مستعمرة «قدوميم» التي يستوطنها وزير المالية المتطرف سموتريتش، ويتقاسمان الرؤى بشأن الاستيطان وتوسيعه، وفتح شبكات الطرق الواصلة بين المستعمرات، والتأكيد على ضرورة تهجير الفلسطيني عن أرضه برؤى توراتية تلمودية كهانية المنشأ والسلوك.

خطة المليون مستوطن وأحلام العودة لغزة

أهم إنجازات داغان خطة مجلس مستعمرات الشمال (شومرون) المقدمة لحكومة الاحتلال لرفع عدد المستعمرين بشمال الضفة لمليون مستوطن مع حلول العام 2050م، التي تجلت المحطة المركزية على أراضي جنوب نابلس واحدة من تجلياتها، وتشمل مركزية الحافلات لمستوطنات الضفة كاملة، وخط سكة حديد، ومستشفى، ومطاراً، ومشاريع إسكان جديدة بلغت 45 ألف وحدة، وإنفاذ قرارات بمستوطنات وبؤر جديدة تخنق التجمعات الفلسطينية الكبرى والنامية.

طموح داغان السياسي بغلاف استيطاني تمثل بالدعوة لعودة الاستيطان في قلب قطاع غزة ومنطقة غوش قطيف السابقة؛ للتعريف برؤيته السياسية التي تمهد لإعلانه خوض السياسة من أوسع أبوابها، يضاف إليها نشاطه الذي لا يتوقف في أرجاء المستوطنات وبؤرها التي تفقس مع بزوغ شمس كل يوم.

وفي سياقات نشاطه السياسي منذ تبوأ رئاسة مجلس مستوطنات الشمال، التقى مستشار الرئيس الأمريكي مسعد بولس في واشنطن، باعتباره أحد المنادين بضم الضفة المحتلة، وتحقيق ما يسمى «حلم السيادة»، وشكل قبيل تنصيب الرئيس الأمريكي دونالد ترمب رابطة من أجل الضفة الغربية في الكونغرس الأمريكي، وشارك في اجتماعها الأول أكثر من 20 عضواً من الكونغرس بهدف دفع مخطط لفرض السيادة «الإسرائيلية» على الضفة المحتلة وتبديل اسمها للاسم التوراتي «يهودا والسامرة».

مهندس التهويد

ويوصف داغان بأنه رأس الحربة في مشروع التهويد، والأب الراعي في المشهد الاستيطاني في التأسيس لبيئة طاردة للفلسطينيين وجاذبة للمستوطنين، ومفاصلها حرمان الفلسطيني من أدنى مقومات العيش الكريم، وإغلاق مداخل القرى ومصادرة الأراضي ومنع البناء وهدم البيوت وسحب تصاريح الحركة وتضييق الخناق الأمني والاقتصادي، يقابلها تحسين جودة الحياة للمستوطن من طرق سريعة وكهرباء وإنترنت متطور ومناطق ترفيه وسياحة بيئية وحوافز سكنية وبنية تحتية متكاملة.

داغان وطموحاته بدت في أعقاب نصبه خيمة في بلدة بروقين بسلفيت بعد هجوم فدائي بالمنطقة، خيمة يوسي ترسم مستقبل الضفة بالجرافات تحولت الخيمة إلى مركز قرار فعلي يُبتّ فيه بمصير آلاف الدونمات الفلسطينية، وتُرسم فيه خطوط جديدة على خارطة التهويد الزاحف في الضفة، كما يوصف في وسائل الإعلام المحلية.

هو «صائد الفرص» إذن، داغان المدعوم من أعلى المستويات لا يتحرك كموظف في مجلس المستوطنات كما يوصف في وسائل الإعلام، بل كمهندس ميداني لمشروع تهويد شامل، يستغل نفوذه الواسع وعلاقاته السياسية لتفكيك الوجود الفلسطيني، وتحويل حياته لجحيم، مقابل خلق بيئة جذابة للمستعمرين الغرباء.

وتعتبر أبرز مشاريعه التي غيّرت جغرافيا المنطقة وواقعها شوارع حوارة والفندق الالتفافيين ومجمع الحافلات شرق مستوطنة أرئيل والاستيلاء على المحميات الطبيعية وتحويلها لمناطق سياحية للمستوطنين وربط المستوطنات بشبكة الإنترنت الأسرع في العالم واتفاقية إنشاء قطار عجلات وتشجيع ودعم المستوطنات الرعوية لطرد الرعاة الفلسطينيين من جبال شمال الضفة.

ويسجل في رصيده توقيع وتنفيذ عقود تجارية لبيع وتصدير منتجات مستوطنات شمال الضفة مع دولة عربية من مستوطنات إيتمار وبراخا ورحاليم وحرميشس وهار براخا وغيرهما، وتضمنت تصدير زيت الزيتون ونبيذ العنب.

وبتفاخر، كتب داغان على منصته بمواقع التواصل: «قمنا ببيع منتجات المستوطنات ببلد عربي مسلم، وبات المجلس الإقليمي في السامرة أول سلطة بلدية في الدولة، تنجح في التوصل إلى اتفاقيات، هذا جزء مهم من المسار الإستراتيجي لتمكين السامرة في عدد السكان والبنية التحتية والثقافة، نعمل باستمرار وفي كل مكان، لتحويل السامرة إلى قوة اقتصادية أيضًا».

ويبدو أن داغان الليكودي يسير بمنافسة واضحة مع اليمين المتطرف ورموزه بكاريزما قيادية لافتة على وقع تحقيقه إنجازات، وكان آخرها جمع التبرعات بملايين الشواكل لشراء بنادق قنص محدثة للمستوطنين بالضفة، وهي ما تشكل الخطر الداهم على الفلسطيني.

ويشكل داغان وفق المراقبين ثلاثية متطرفة مع سموتريتش، وبن غفير، لكنه يقاتلهم على أصوات المستوطنين في مرحلة سياسية مقبلة يشكل فيها اليمين القوة المركزية، وسيقفز لمنصب سياسي حيوي ليقطف ثمار جهده ونشاطه.

وكانت مواقع التواصل الإعلامي «الإسرائيلي» بثت فيديو لداغان متأثراً ويطلق العنان لدموعه محتضناً سموتريتش في قلب منطقة ترسلا الفلسطينية التي تسمى مستوطنة «تصانور»، ويجدد العهد على العودة للمكان وتحويله لموقع يهودي للأبد.

وقال داغان، في 10 أغسطس الماضي، في لقاء مع قادة المسيحيين الإنجيليين في العالم عبر تطبيق «زووم»: إنّ «الإسرائيليين» ينتظرون بفارغ الصبر اليوم الذي يتم فيه الإعلان عن فرض السيادة «الإسرائيلية» على يهودا والسامرة وغور الأردن، مشيراً إلى أن ذلك يحقق نبوءة النبي إلياهو بعودة اليهود إلى ديارهم! بحسب زعمه.

داغان ورؤيته التلمودية الابتلاعية لها حضور في مجتمع «إسرائيلي» بوصلته المتنامية نحو اليمينية المتطرفة، وباتت تمثل التيار المركزي للمجتمع «الإسرائيلي»، على وقع وجود دولة المستوطنين بالضفة بمليشيات تنفذ اعتداءات وإحراقاً واستيطاناً لا يتوقف، وتوفير الاحتياجات المالية لهذه المشاريع لتنسجم في النهاية مع التيار المركزي «الإسرائيلي» في سباق مع الزمن لحسم الصراع وتحويل الوجود الفلسطيني لكانتونات متناثرة.

داغان يعد واحداً من رموز التطرف الاستيطاني الذي تخلق له الأجواء العامة الدافعية للانطلاق السياسي نحو تحقيق طموحه متزامنة مع نجاحاته، ويرنو للتأثير على صاحب القرار حيث تصبح مهمته سهلة بعد انتهاء الحرب، حيث يخدم التيار العام «الإسرائيلي» الحالي توجهات داغان وسط توقعات بدور سياسي له في قادم الأيام مع تنامي التأثير للمستوطنين تدعم مستقبله وطموحه.


اقرأ أيضاً:

نفوذ اليمين الديني في الحكومة الصهيونية الجديدة ومخاطره 

الضفة الغربية ومحاولات التهويد

الرابط المختصر :

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة