‏8 فضائل للاعتكاف

عبادة جاء ذكرها في القرآن، وحافظ عليها النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك أزواجه من بعده، ولم يختلف أحد من الفقهاء على أنها سُنة مؤكدة، هذه مؤهلات تجعل من الاعتكاف في المساجد قُربة إلى الله تعالى.

1- الاعتكاف قُرْبة إلى الله:

مدح الله أهل الاعتكاف في قوله تعالى: (وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ ‌وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) (البقرة: 125)، ومعنى تطهيره: صيانته من كل ما لا يليق ببيوت الله من الأقذار والأرجاس والأوثان وكل ما كان مظنة للشرك، فالمقصود تطهيره من كل رجس حسي ومعنوي، (التفسير الوسيط، 1/ 269)، وفي الآية أمرٌ بتطهير البيت للطائفين والعاكفين والركع السجود، فدلّ هذا على فضل الاعتكاف، حيث إنه مقرون بالصلاة والطواف. (شرح زاد المستقنع، 5/ 17).

كما مدح الله تعالى أهل الاعتكاف حين أودع كتابه تشريعاً لهم، حيث قال تعالى: (وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ ‌عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ) (البقرة: 187)، ففي الآية إضافة الاعتكاف إلى المساجد التي هي الأماكن المختصة بالقُرَب، وترك ما يباح للمرء مِن الجِماع من أجل القيام به؛ ففي هذا دليل على أن هذا الفعل وهو الاعتكاف قُرْبة مستحبة. (شرح عمدة الفقه: لابن تيمية، 3/ 588).

2- الاعتكاف سُنة مؤكدة:

قال أبو داود عن أحمد بن حنبل: لا أعلم عن أحد من ‌العلماء خلافاً أنه ‌مسنون. (فتح الباري لابن حجر، 4/ 272)، فقد واظب عليه النبي صلى الله عليه وسلم ودعا إليه، ففي صحيح البخاري عَنْ ‌عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ، ‌ثُمَّ ‌اعْتَكَفَ ‌أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ».

وعَنْ ‌أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‌يَعْتَكِفُ ‌فِي ‌كُلِّ ‌رَمَضَانٍ ‌عَشَرَةَ ‌أَيَّامٍ، فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ اعْتَكَفَ عِشْرِينَ يَوْمًا».

ففي قوله: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتكف في كل رمضان» دليل على أن الاعتكاف من السنن المؤكدة؛ لأنه مما واظب عليه النبي صلى الله عليه وسلم، فينبغي للمؤمنين الاقتداء في ذلك بنبيهم، وذكر ابن المنذر عن ابن شهاب أنه كان يقول: عجبًا للمسلمين تركوا الاعتكاف، وإن النبي عليه السلام ‌لم ‌يتركه ‌منذ ‌دخل ‌المدينة ‌كل ‌عام في العشر الأواخر حتى قبضه الله. (شرح صحيح البخاري: ابن بطال، 4/ 181).

3- المعتكف يعمر مساجد الله:

قال تعالى: (إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ) (التوبة: 18)، والعمارة تشمل البناء والتشييد كما تشمل العبادة والتمجيد لله رب العالمين، والمعتكف مقيم في بيت الله يعمره بالصلاة والذكر، فهو ضيف الله وجاره، ففي مسند الحارث بسند صححه الألباني عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ لَيُنَادِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ ‌أَيْنَ ‌جِيرَانِي؟ ‌أَيْنَ ‌جِيرَانِي؟ قَالَ: فَتَقُولُ الْمَلَائِكَةُ رَبَّنَا وَمَنْ يَنْبَغِي أَنْ يُجَاوِرَكَ فَيَقُولُ أَيْنَ عُمَّارُ الْمَسَاجِدِ».

والمعتكف المعمر لبيت الله يعد من أوتاد المساجد، الذين تتفقدهم الملائكة وتعينهم، ففي مسند أحمد بسند صححه الألباني عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ ‌لِلْمَسَاجِدِ ‌أَوْتَادًا الْمَلَائِكَةُ جُلَسَاؤُهُمْ، إِنْ غَابُوا يَفْتَقِدُونَهُمْ، وَإِنْ مَرِضُوا عَادُوهُمْ، وَإِنْ كَانُوا فِي حَاجَةٍ أَعَانُوهُمْ».

4- الاعتكاف سبيل إلى إيقاف الذنوب وجمع الحسنات:

روى ابن ماجه، والبيهقي، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي الْمُعْتَكِفِ «هُوَ يَعْكِفُ الذُّنُوبَ، وَيُجْرَى لَهُ مِنَ الْحَسَنَاتِ ‌كَعَامِلِ ‌الْحَسَنَاتِ ‌كُلِّهَا»، ففي الحديث دليل على أن الاعتكاف يعكف الذنوب أي يحبسها ويمحوها عن صاحبه.، ويُجرِي له من الحسنات أي يكتب له مثل أجر عامل الحسنات كلها، فرائضها وسننها، بدنيتها وماليتها؛ أي: يعطى ثواب من عمل جميع الحسنات والخيرات كلها. (شرح سنن ابن ماجه: للهرري، 10/ 386).

قال الصنعاني: المعتكف يعكف الذنوب، أي: يمنعها ويدفعها، ويجري له من الأجر حال عكفته كأجر عامل الحسنات كلها، ‌وهذا ‌أجر ‌عظيم ‌وفضل ‌جسيم. (التنوير شرح الجامع الصغير، 10/ 486)، والحديث وإن كان فيه ضعف إلا أن الاعتكاف بما يفتح على العبد من الطاعات يسهم في إيقافه عن الذنوب وإعانته على كسب الحسنات.

5- الاعتكاف معين على أداء العبادات:

قال ابن تيمية: إن المعتكف قد حبس الذنوبَ ووَقَفَها وامتنع منها، فلا تخْلُص إليه، ‌وقد ‌تهيَّأ ‌لجميع ‌العبادات، وقد أجمع المسلمون على أنه قُرْبةٌ وعملٌ صالح، ففيه من القُرب والمُكْث في بيت الله، وحَبْس النفس على عبادة الله، وإخلاء القلب من الشواغل عن ذِكْر الله، والتخلِّي لأنواع العبادات المحضة من التفكُّر وذِكْر الله وقراءة القرآن والصلاة والدعاء والتوبة والاستغفار إلى غير ذلك من أنواع القُرَب. (شرح عمدة الفقه، 3/ 580).

وقال ابن رجب: وإنما كان يعتكف النبي صلى الله عليه وسلم في هذا العشر التي يطلب فيها ليلة القدر قطعا لإشغاله وتفريغا للياليه ‌وتخليا ‌لمناجاة ‌ربه ‌وذكره ‌ودعائه. (لطائف المعارف، ص 190).

6- الاعتكاف من أشرف الأعمال إذا كان عن إخلاص:

قال عطاء الخراساني: مثل المعتكف كمثل رجل له حاجة إلى عظيم فيجلس على بابه، ويقول: لا أبرح حتى تقضي حاجتي، والمعتكف يجلس في بيت الله تعالى، ويقول: لا أبرح حتى يغفر لي، ‌فهو ‌أشرف ‌الأعمال ‌إذا ‌كان ‌عن ‌إخلاص، (المبسوط للسرخسي، 3/ 115).

7- حجاب من النار:

روى الطبراني، والبيهقي، والحاكم، وقال: صحيح الإسناد عن عبدالله بن عباس أن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال: «من اعتكفَ يومًا ابتغاءَ وجهِ اللَّه تعالى، جعلَ اللَّهُ بينهَ وبينَ النار ثلاثَ خنادق أبعدَ ما بينَ الخافقين».

8- الاعتكاف دليل على تعلق القلب بالمسجد:

المعتكف مقيم في المسجد بنية العبادة والتقرب إلى الله سبحانه وتعالى، فهو متعلق بالمسجد، وقد أوضحت السُّنة النبوية الشريفة أن المتعلق بالمسجد ينال ظل الرحمن يوم القيامة، ففي الصحيحين عَنْ ‌أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ الْإِمَامُ الْعَادِلُ، وَشَابٌّ نَشَأَ بِعِبَادَةِ اللهِ، ‌وَرَجُلٌ ‌قَلْبُهُ ‌مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ، وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ، وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ، فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ، فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ يَمِينُهُ مَا تُنْفِقُ شِمَالُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ».


اقرأ أيضا

هل يشترط الصوم للاعتكاف

الاعتكاف عزلة في زمن الضوضاء

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة