أَبٌ.. لكنه «فيزا كارد»!‏

أحمد عبد الواحد

22 ديسمبر 2025

213

أَبٌ.. لكنه «فيزا كارد»!‏

«أنا أشتري السعادة لأولادي».. هكذا علق أب على دوره داخل الأسرة، موفراً لأفرادها من زوجة وأبناء، ما يحتاجونه من مال وطعام شهي وملابس فاخرة وألعاب وهدايا وسيارة ورحلات ترفيهية وممتلكات عقارية، وغير ذلك مما يظن أنه مجلبة للسعادة.

نعم.. لقد اشترى ما يريد بماله، لكنه غاب بروحه وعقله، لم يشاركهم فرحتهم، لم يلهُ معهم، لم يحتضن صغيراً، أو يربت على كتف كبير منهم، لم يتحاور معهم، لم يتنزه برفقتهم، لم يشاركهم صناعة السعادة!

الأب الحاضر، جسداً فقط، بات واقعاً اجتماعياً مؤلماً، في كثير من الأسر والمجتمعات، وقد تحول إلى «فيزا كارد»، أو «صراف آلي»، يضخ يومياً المال الوفير لأفراد أسرته، دون أن يضخ شيئاً من عواطف الحنان والأبوة.

أحدهم قال لي: إنه يعمل منذ التاسعة صباحاً إلى الواحدة من صباح اليوم التالي، وقد لا يرى بنيه لأيام، وقد ناموا مبكراً، لكنه وفر لهم «لبن العصفور»، حسب وصفه.

وثالث يقول: «كل طلبات أبنائي مجابة؛ لأني أحاول تعويضهم عن غيابي؛ إما للعمل، أو السفر لفترات طويلة».

أدوار غائبة

من الأهمية بمكان أن يعي هذا الأب حجم الأخطار التي تداهم الأبناء، حال «تأنيث الأسرة»، إذ يتواصل غياب الأب، وتتراجع سلطته الأبوية، والتربوية، فتضطر الزوجة إلى شغل الفراغ الذي تركه الزوج بحثاً عن المال، وقد تضيع البوصلة، فيقع الجميع تحت وطأة المشكلات الأسرية والخلافات الزوجية.

هناك من الآباء من يغيب لسنوات، سعياً وراء جني المال، واكتناز الثروات، ثم يعود إلى أسرته، فيشكو جراء المعاناة من الشعور بالاغتراب، وجفاء وجشع الأبناء، ويتذمر من الأنانية التي رآها في ذريته، متناسياً أنه حرمهم من الحنان في الصغر، فحرموه من العطف في الكبر، وأنه منحهم المال فقط، ولم يمنحهم الحب والأمان.

تفيد دراسة أمريكية، صادرة حديثاً عن جامعة ميامي، بأن الطفل الأناني الذي يفكر في الذات فقط، يكتسب صفة الأنانية من والديه، عن طريق أسلوب التربية، فالأنانية سلوك مكتسب، وليس نتاج جينات وراثية، كما يظن البعض.

إن من وعي الأب بوظيفته ومهامه الأبوية، أن يخلع رداء المادية، وأن يتخلص من وظيفة «الصراف الآلي»، وأن يحضر بجسده وعقله وروحه لضبط إيقاع الأسرة، واحتواء أفرادها، وغرس القيم فيهم، وتقديم الدعم المعنوي والنفسي لهم.

المال لا يكفي

يخطئ الأب الذي يظن أنه بالمال فقط، يؤدي دوره التربوي والقيادي داخل الأسرة، وقد يرتكب خطيئة إذا ظن أن السعادة لأبنائه تُشترى بالمال فقط.

في الصحيحين، أن النبي صلى الله عليه وسلم قبّل الحسن بن علي رضي الله عنهما وعنده الأقرع بن حابس التميمي جالساً، فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قبّلت واحداً منهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من لا يرحم لا يرحم» (حديث صحيح).

وعن عائشةَ رضي اللَّه عنها قَالَتْ: قدِم ناسٌ مِن الأَعْرابِ عَلَى رسولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم فقالوا: أَتُقبِّلونَ صِبْيَانَكُمْ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، قالوا: لَكِنَّا واللَّه مَا نُقَبِّلُ، فَقَالَ النبي صلى الله عليه وسلم: «أَوَ أَمْلِكُ إِنْ كَانَ اللَّه نَزعَ مِنْ قُلُوبِكُم الرَّحمَةَ» (متفقٌ عَلَيْهِ).

إن الأب الحقيقي ليس ممولاً، أو مصرفاً متنقلاً للوفاء باحتياجات الأسرة، بل هو محضن تربوي، وقدوة حسنة، ووعاء احتواء، وينبوع حنان، يتكامل بأدواره تلك مع دور الأم، فيشتد بنيان الأسرة، ويقوى تماسكها، ويصلح أفرادها.

عندما تلهو مع طفلك، وتتسابق معه، وتداعب خصيلات شعره، وتربت على كتفه، وتسمع له، وتتشاور معه، وتشاركه أفراحه وأتراحه، فأنت تصنع إنساناً بداخله، نفساً سوية، عقلاً متزناً، لا جسداً يتربى على شهوة المال فقط.

قد تعدل لمسة حانية على رأس الصغير، آلاف الريالات والدنانير، وقد يفوق أثر قبلة على خد صغيرتك، ما لا يفعله مليون دينار، وقد يحقق حضنك الدافئ لابنك، ما لا يحققه مال الدنيا بأسرها.

صناعة السعادة

ما أخطر أن نعلم أبناءنا المادية والأنانية والاستهلاكية، ونحن نظن أننا نشتري لهم السعادة بالمال، أو أن توفير الرفاهيات فقط سيصنع منهم سعداء، دون إدراك أن هناك أشياء كثيرة لا يستطيع المال شراءها.

هناك أناس يعيشون بالقليل من المال، لكنهم راضون وسعداء مثل أولئك الذين يعيشون في المجتمعات الغنية؛ وذلك لأنهم يجدون المتعة في جوانب أخرى من أهمها العائلة والأسرة؛ بسبب قضائهم وقتاً أطول مع من يحبون، بحسب دراسة أجرتها جامعة برشلونة الإسبانية، عام 2021م.

إن صناعة السعادة لأطفالك لن تكون بالمال فقط، بل بالحب والاحتواء، والنصح والتوجيه، والدعم والاهتمام، وأن تكون لهم أباً صالحاً، وصديقاً مخلصاً، وقدوة حسنة، ومعلماً ناضجاً، فاحذر أن تكون مجرد «فيزا كارد».



اقرأ أيضاً:

كيف نعوّض الأب الغائب؟

تربية الأبناء بين المادة والقيم.. دليل النجاة

غياب الزوج عن الأسرة.. الآثار والحلول

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة