طريقنا إلى استعادة الأسلمة في بيوتنا.. السيدة فاطمة نموذجاً
إن السعي في
إصلاح البيوت سعيٌ في صلاح الأمة، فإذا صلحت اللبنة وهي البيت؛ صلح البناء كله
بإذن الله، وقد امتن الله تعالى على عباده فقال: (وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّن بُيُوتِكُمْ
سَكَناً) (النحل: 80).
كان بيت النبي
صلى الله عليه وسلم أول أسرة مؤمنة بالله تعالى، منقادة لشرعه في الإسلام، ولهذا
البيت النبوي الأول مكانة عظمى في تاريخ الدعوة الإسلامية؛ لما حباه الله به من
مزايا، وخصه بشرف الأسبقية في الإيمان، وتلاوة القرآن، وإقام الصلاة؛ فهو أول مكان
تُلي فيه وحي السماء بعد غار حراء، وأول بيت ضم المؤمنة الأولى سابقة السبق إلى
الإسلام، وأول بيت أقيمت فيه الصلاة.
اكتسى هذا البيت
بأبهى حلل الإيمان، وأضاء أركانه قبس نور التصديق، فكان بين الزوجين التجاوب،
والتكافل، وتم بذلك تجسيد معنى قوله تعالى في محكم تنزيله: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ
وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا) (الأعراف: 189).
وفيه أيضاً
تجسيد ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في مجال التربية في قوله: «ما من مولود
إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه» (رواه البخاري
(1358)، ومسلم (2658)).
ومن استقامة
التربية كانت بناته رضي الله عنهن من السابقات إلى التصديق، والإيمان، وهكذا كان
للبيت النبوي مكانته الأولى، والواجب يدعو إلى أن يكون قدوتنا، والأنموذج الذي
نسير على هديه، في المعاشرة، ومثالية السلوك بالصدق، والتصديق في الاستجابة.
فأبوّة النبي صلى
الله عليه وسلم لبناته حدث جديد في حياة المرأة، وفي هذا قال عمر بن الخطاب رضي
الله عنه: «والله إن كنا في الجاهلية ما نعد للنساء أمراً حتى أنزل الله فيهن ما
أنزل وقسم لهن ما قسم».
إن الإنسان إذا
تفقه في دين الله ووقف عند حدوده واقتفى أثر النبي صلى الله عليه وسلم في كل أمر
من أمور حياته لعاش مطمئناً مرتاح البال قرير العين، ولعرف كيف يعبد ربه، وكيف
يتعامل مع إخوانه، وأهله، وزوجته، وكيف يربي أولاده، فالحمد لله أنه ما من خير إلا
ودلنا ديننا الإسلامي الحنيف عليه، وما من شر إلا وحذرنا منه.
منهج النبي في تربية البنات
من هديه صلى
الله عليه وسلم في تربية بناته في مرحلة الطفولة أنه كان يسر ويفرح لمولد بناته
رضي الله عنهن، فقد سر واستبشر لمولد ابنته فاطمة رضي الله عنها، وتوسم فيها
البركة واليمن، فسماها فاطمة، ولقبها بـ«الزهراء»، وكانت تُكنى أم أبيها.
كان لفاطمة رضي
الله عنها مكانة عظيمة في قلب أبيها النبي صلّى الله عليه وسلّم لم يتمكن منها
أحد، حتى إنّه صلّى الله عليه وسلّم كان يُعلن ويفاخر بحبه لها، وكان يقول صلى
الله عليه وسلم: «فاطمة سيدة نساء أهل الجنة».
وفيما يأتي ذكر
بعض المواقف التي تثبت عظمة وعمق منزلة فاطمة في قلب أبيها صلّى الله عليه وسلّم.
روت ذلك أمّ
المؤمنين عائشة رضي الله عنها فقالت: «وَكانَت إذا دخلَت على النَّبيِّ صلَّى
اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ قامَ إليها فقبَّلَها وأجلَسَها في مجلسِهِ، وَكانَ
النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ إذا دخلَ عليها قامت من مجلسِها فقبَّلتهُ
وأجلَستْهُ في مجلسِها».
ولمَّا نزلت
هذِهِ الآيةُ على النَّبيِّ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ
لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) (الأحزاب:
33)، في بيتِ أمِّ سلمةَ فدعا فاطمةَ وحَسنًا وحُسينًا فجلَّلَهم بِكساءٍ
وعليٌّ خلفَ ظَهرِهِ فجلَّلَهُ بِكساءٍ ثمَّ قالَ: «اللَّهمَّ هؤلاءِ أَهلُ بيتي
فأذْهِب عنْهمُ الرِّجسَ وطَهِّرْهم تطْهيرًا».
وفاء فاطمة كزوجة وابنة
كان النبي صلى
الله عليه وسلم يقول: «فاطمة بضعة مني فمن أغضبها أغضبني»، ولما تزوجت من علي بن
أبي طالب كان النبي صلى الله عليه وسلم فرحاً بزواجهما، وقد تربت السيدة فاطمة في
بيت النبوة، تربت على القيم الأخلاقية الرفيعة، ونقلت هذه التربية إلى بيت زوجها،
فكانت تحب زوجها علياً رضي الله عنه وتقف بجانبه وتدعمه، وكانت تحب أبناءها
وبناتها كحب أبيها له.
كان النبي صلى
الله عليه وسلم كذلك يحبها ويحب أولادها، فكان يقول عن الحسن والحسين رضي الله
عنهما: «من أحبهما فقد أحبني ومن أبغضهما فقد أبغضني».
وكذلك زينب، وأم
كلثوم، ابنتا السيدة فاطمة، حيث جاء في الروايات أن أم كلثوم ابنة فاطمة الزهراء
سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن محبته لها، فأجابها بأنه «يحبها كحبه لأمها
فاطمة»، وهنا لنا وقفة: كم تفتقد البيوت مثل هذه المودة والمحبة! وكم تفتقد
التعبير عن هذه الأمور! ولنا في نبينا محمد صلى الله عليه وسلم خير قدوة وأسوة
حسنة.
ومما يروى كذلك أن
فاطمة كانت تشتكي إلى النبي صلى الله عليه وسلم ما يزعجها، فقد كانت تعمل في
بيتها، وتقوم بحاجات البيت؛ حتى مجلت يداها من الطحن، وتعبت من ذلك، فجاء إلى
النبي صلى الله عليه وسلم وجاءه سبي، فجاءت تسأله خادمة تعينها على شغل البيت،
فردها، واعتذر إليها، وقال لها: »أدلك على ما هو خير من خادم: تسبحين الله عند
النوم ثلاثاً وثلاثين، وتحمدين الله عند النوم ثلاثاً وثلاثين، وتكبرينه عند النوم
أربعاً وثلاثين، فهذا خير لك من خادم»، فقالت فاطمة: فعملت بهذا فما وجدت تعبًا
بعد ذلك.
وكما كان معها
صلى الله عليه وسلم في شدتها كانت هي معه في أكثر المواقف شدة عليه وهو وقت وفاته.
روت كتب السير
أن النبي صلى الله علي وسلم أسرّ خبر انتقاله إلى الرفيق الأعلى لابنته فاطمة وحدها،
صراحة ومشافهة دون غيرها فبكت، ثم أسرّ إليها ثانية بعد حزنها على سماع خبر فراقه،
بأنها ستكون أول أهله لحوقاً به، فسرت بذلك وضحكت.
لقد كانت فاطمة تشاهد
وتشعر بالألم والمعاناة التي يشعر بها النبي صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي توفي
فيه، وقد دفعها ذلك كما في رواية البخاري أن تقول: «واكرب أباه»، فعن أنس بن مالك قال:
لما ثقل النبي صلى الله عليه وسلم جعل يتغشاه، فقالت فاطمة: واكرب أباه، فقال لها صلى
الله عليه وسلم: «ليس على أبيك كرب بعد اليوم».
ما أجمل تلك
الرابطة بين الأب وابنته! وما أجمل أن يجعل المسلم قدوته في حياته النبي صلى الله
عليه وسلم حتى يصل إلى بيت كله طمأنينة وسكينة واستقرار!
من البيت تنطلق
التربية، إن كان البيت يسكنه مؤمنون، وكانت قلوب المؤمنين يسكنها حب الله عز وجل،
والخوف منه والرجاء فيه، فلا ريب أن تكون الأسرة كياناً محورياً لبناء شخصية الطفل
ومحضناً قوياً لتكامل نفسيته وتقويم سلوكه.
الحب والحنان
والرعاية من جانب، وتنمية الثقة المتبادلة والاحترام والتقدير؛ كل ذلك هو السبيل
إلى إعادة الأسرة المسلمة إلى الطريق السوي وفق المنهج النبوي الشريف.
اقرأ
أيضاً:
الرسول ﷺ..
والتربية الوالدية (3)
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً