هل يُبيح الشرع لطهران انتهاك حرمة دماء الأبرياء؟

10 ركائز شرعية تدحض تبريرات إيران للعدوان على دول الخليج

جمال خطاب

07 أبريل 2026

5483

لا يحتاج المسلم أن يكون عالماً أو فقيهاً متبحراً ليعرف يقيناً أن لحقن الدماء في الإسلام أولوية قصوى تتقدم على سائر المصالح الأخرى، وذلك من خلال استقراء بسيط لما يقرأ من القرآن الكريم وما يطلع عليه من السُّنة النبوية.

ففي «صلح الحديبية»، وفي ذروة التوتر والصراع مع كفار قريش، نزلت آية بيّنة في سورة «الفتح» تضع قانوناً إلهياً لحكم حركة الجيوش الإسلامية وقرارات الحروب، قال تعالى: (هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ ۚ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ ۖ لِّيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ ۚ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) (الفتح: 25).

نزلت هذ الآية الكريمة حين كاد القتال أن يندلع بين المسلمين ومشركي مكة، ليبين الله عز وجل أنَّ مانع الفتح العسكري حينها لم يكن عجزاً من جيش المسلمين، ولا خوفاً من قوة قريش، بل كان رحمةً ربانية ورعايةً لوجود مستضعفين من المؤمنين والمؤمنات يعيشون داخل مكة بين أظهر الكفار، لم يتميزوا عنهم بمكان خاص؛ فأراد الله أن ينزه المؤمنين ويصونهم من أن «يطؤوا» هؤلاء الأبرياء بجيوشهم وخيلهم، فتصيبهم منهم «معرة»؛ وهي الإثم، والعيب والعار، وهنا يقرر القرآن أن قتل المسلم للمسلم عار، لا يجب أن يقع، عمداً، أو عرضاً، تحت أي ظرف.

ميزان «المعرة» القرآنية والواقع الإقليمي

إذا كان الله عز وجل قد كفَّ أيدي جيش المسلمين، والنبي صلى الله عليه وسلم بين ظهرانيهم، عن دخول مكة بالقوة صوناً لدماء أفراد معدودين من المؤمنين العالقين بين الكفار، فكيف يبيح شرع الله لإيران الإسلامية إطلاق الصواريخ البالستية والطائرات المسيرة لتدمير مرافق مدنية ومنشآت حيوية تعجُّ بملايين المسلمين والمستضعفين في دول الخليج والجوار؟

إن الذريعة التي يسوقها بعض المخدوعين والمغرضين بأن هذه الاعتداءات تهدف لضرب قواعد معادية تنهار تماماً وتتلاشى أمام منطق هذه الآية؛ فإذا لم «يتزيل» الأبرياء عن الأهداف العسكرية، بمعنى أنهم يسكنون ويعملون في محيطها ولا يمكن ضمان سلامتهم عند استهدافها، فإنَّ الإقدام على القصف في هذه الحالة هو تعمدٌ لسفكِ الدم الحرام وإيقاعٌ للإيرانيين في «المعرة».

فما بالنا والقصف يطال محطات مياه وكهرباء ومطارات ومستشفيات، تبعد أميالاً عن القواعد التي يدعون استهدافها، وهي عصب الحياة لملايين المسلمين الذين لا ذنب لهم في هذه التوازنات السياسية؟! وماذا عن الاستهداف المتعمد لموارد الماء والطاقة والغذاء؟!

المبنى الشرعي لبيان الأزهر الشريف

من هذا المنطلق القرآني الراسخ، انطلق بيان الأزهر الشريف في إدانته للاعتداءات الإيرانية غير المبررة على دول الخليج ودول الجوار الأخرى، والأزهر هنا فقط يعيد تذكير «الجمهورية الإسلامية!» بأصول دينها التي توجب صون دماء الرجال المؤمنين والنساء المؤمنات.

وقد أكد الأزهر أن استهداف المناطق السكنية والمنشآت الاقتصادية في دول لم تكن طرفاً في أي نزاع مسلح مباشر مع إيران، يعدُّ انتهاكاً جسيماً للقانون الدولي الإنساني، وهو، قبل ذلك، خروج صريح على ما أوجبه الإسلام من حفظ الضروريات الخمس، وعلى رأسها «حفظ النفس»، فحقن دماء المدنيين وصون أمنهم واستقرارهم، وإن لم يلتفت إليه السياسيون والعسكريون الميكافيليون، هو المقصد الأسمى للشريعة، وهو الذي يتقدم على كل غاية سياسية أو عسكرية.

الحيدري.. وتهافت المنطق التحريضي

في المقابل، يبرز خطاب الشيخ هاشم الحيدري الذي رفض بيان الأزهر، متسائلاً باستنكار عن المبنى الشرعي لهذا البيان، في محاولة لشرعنة العدوان تحت ستار مواجهة القواعد الأمريكية، والحيدري الذي ينتقد البيان ويطالب شيخ الأزهر بالاعتذار، يطالب بما أسماه المبنى التشريعي للبيان ولكنه لا يقدم مبنىً فقهياً ولا معنىً إنسانياً لمبررات قصف محطات المياه والكهرباء في دول مسلمة مسالمة.

إن ممارسة دول الخليج لسيادتها في عقد تحالفات لحماية أمنها هو حق شرعي وقانوني، خاصة بعد تجارب مريرة لم تراعِ فيها إيران حق الجوار؛ بدءاً من تهديد الملاحة الدولية في الخليج (حرب الناقلات في الثمانينيات)، وصولاً إلى التهديدات المستمرة للأمن القومي العربي، ولجوء هذه الدول للاحتماء بقوى عالمية كان ضرورة ملجئة لتجنب شرور جيرانٍ استمرؤوا التدخل في الشؤون الداخلية وزعزعة الاستقرار تحت شعارات طائفية أو سياسية.

10 ركائز شرعية تدحض تبريرات إيران للعدوان

إن محاولة الالتفاف على حرمة الدماء تحت ذريعة الأهداف الإستراتيجية تصطدم بثوابت إسلامية قطعية كثيرة نستطيع أن نجمع منها 10 ثوابت:

1- الحرمة المطلقة للنفس:

قال تعالى في محكم التنزيل: (وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ) (الإسراء: 33)، فالقتل كله محرم، ما عدا القصاص الشرعي أو دفع الصائل المباشر، أما القتل الناتج من القصف العشوائي أو شبه العشوائي في العمليات العسكرية الاستراتيجية! التي تضحي بالمدنيين للضغط على خصم لا تطاله أيديهم، فهذا بلا أدنى شك حرام شرعاً.

2- مقاصد الشريعة:

من مقاصد الشريعة جلب المصالح ودرء المفاسد، وقصف البنية التحتية والمدنيين مفسدة محضة لا يترتب عليها إلا خراب العمران ونشر الضغينة بين أبناء الأمة الواحدة، ولا ريب أن تدمير مقدرات الشعوب لا يصنع نصراً، بل يؤسس لبيئة من الثأر المستمر، وهذا يناقض مقصد حفظ النظام العام واستقرار المجتمعات؛ لذا، فإن هذا النوع من العمليات العسكرية يفتقر للمسوغ الشرعي والمنطق العقلاني، ويصنف كـفساد في الأرض تأباه الفطرة والقانون الإلهي.

3- أخلاق النبوة في الحرب:

أين هؤلاء من الحديث الذي أخرجه أحمد: كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا بعَث سَريَّةً قال: «اغزُوا بِسمِ اللهِ وفي سبيلِ اللهِ فقاتِلوا مَن كفَر باللهِ لا تغُلُّوا ولا تغدِروا ولا تُمثِّلوا ولا تقتُلوا وليدًا ولا امرأةً ولا شيخًا» وهو قانون ملزم في الحرب، فإذا كانت هذه حال الجيش المسلم مع غير المسلمين، فكيف يشرع قصف عواصم ومدن المسلمين؟!

4- وعيد الله للقاتل المتعمد:

يتوعد الله تعالى: (وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ) (النساء: 88) القاتل بجهنم وبئس المصير، وهو وعيد مطلق لا يرفعه أي مسوغ سياسي أو عسكري، وهذا الوعيد يهدف أيضاً لقطع الطريق على تسييس القتل، فالعقيدة تضع حاجزاً إيمانياً يمنع ذلك منعاً مطلقاً.

5- قاعدة «لا ضرر ولا ضرار»:

لا يجوز دفع ضرر محتمل أو متوهم (بسبب وجود قواعد أو عقوبات) بإيقاع ضرر يقيني ومحقق بملايين الأبرياء من خلال قصف مصادر الحياة مثل محطات الماء والكهرباء، والعدوان الإيراني هنا يتجاهل القاعدة الإسلامية التي تدعو إلى سلوك كل الطرق التي تمنع الضرر ويتبنى بأفعاله على الأقل قاعدة الغاية تبرر الوسيلة.

6- حق الجوار:

يرتقي الإسلام بحق الجوار إلى مرتبة الإيمان، حيث جعل أذى الجار مانعاً من كماله، فكيف إذا تحول هذا الأذى إلى عدوان عسكري وسفك للدماء؟

ونقض هذا الحق في السياق العسكري يمثل انتكاسة أخلاقية كبرى، كونه يغدر بالأمان الذي هو أصل العلاقة بين الجيران، وتتضاعف بشاعة هذا الجرم حين يجمع الطرفين رباطُ الدين ووحدة القبلة؛ فبدلاً من أن يكون الجوار مبعثاً للتكافل والتراحم كما أمر الشارع، يصبح ميداناً للغدر والقطيعة.

لذا، فإن العدوان على الجار المسلم ليس مجرد صراع سياسي، بل هو هدم لعروة وثقى من عرى العقيدة وتجاوز سافر.

7- مبدأ العدالة:

هل يبرر الخلاف السياسي مع الأنظمة ظلم الشعوب واستباحة أمنها وسفك دمائها؟ ألا يتناقض هذا مع قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) (المائدة: 8).

8- عصمة الدم المسلم:

يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل مؤمن بغير حق» (رواه بن ماجه).

9- مبدأ الأخوة الإيمانية:

قال تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) (الحجرات: 10)، ولا شك أن قصف إيران لجيرانها المسلمين تمزيق لهذه الأخوة، وزرع لفتنة عمياء يمكن أن تأكل الأخضر واليابس.

10- ترويع الآمنين كبيرة توجب اللعنة والطرد من رحمة الله:

يضع الإسلام سياجاً منيعاً حول المسلم، حيث يمنع مجرد الإشارة إليه بالسلاح، فكيف بإطلاق القذائف المدمرة التي تهدم البيوت وتقطع الأرزاق؟ يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ رَوَّعَ مُؤْمِنًا لَمْ يُؤَمِّنِ اللَّهُ رَوْعَتَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (رواه الطبراني) ويقول: «مَنْ أَشَارَ إِلَى أَخِيهِ بِحَدِيدَةٍ، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَلْعَنُهُ، حَتَّى يَدَعَهُ وَإِنْ كَانَ أَخَاهُ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ» (رواه مسلم).

السيادة الوطنية لدول الخليج خط أحمر شرعي وقانوني، والتحالفات التي تعقدها هذه الدول تهدف لحماية رعاياها ومقدسات المسلمين من أي طيش عسكري خارجي، وإنَّ بيان الأزهر الشريف لم يكن إلا صرخة حق في وجه من أرادوا جعل المنطقة ساحة لتجاربهم الصاروخية ومشاريعهم التوسعية.

والعالم اليوم، والمجتمع الإسلامي على وجه الخصوص، مطالب باتخاذ موقف حازم ضد هذه الانتهاكات العدوانية غير المبررة، فالصمت على استهداف المدنيين في الخليج مشاركة في «المعرة» التي حذر منها القرآن، والحاجة باتت ملحة لتغليب صوت الحكمة والحوار.

التاريخ لن يرحم، والشرع لن يغفر لمن جعل من دماء الرجال المؤمنين والنساء المؤمنات وقوداً لمعارك النفوذ ووسائل للضغط.

الهوامش
  • 1 https://www.youtube.com/watch?v=d7EGh6MtaVA&t=3s
  • 2 https://www.youtube.com/watch?v=MThjY712QJs&t=113s
  • 3 الأزهر يطالب إيران بوقف فوري وغير مشروط لاعتداءاتها على دول عربية وإسلامية
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة