10 مسائل مهمة في قضاء الديون

القول الثمين في نصح الدائن والمدين (3)

عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه «ذكر رجلاً من بني إسرائيل سأل بعض بني إسرائيل أن يسلفه ألف دينار، فقال: ائتني بالشهداء أُشهدهم، فقال: كفى بالله شهيدًا، قال: فأْتني بالكفيل، قال: كفى بالله كفيلًا، قال: صدقت، فدفعها إليه إلى أجل مسمى.

فخرج في البحر فقضى حاجته، ثم التمس مركبًا يركبها يقدم عليه للأجل الذي أجله، فلم يجد مركبًا فأخذ خشبة فنقرها، فأدخل فيها ألف دينار وصحيفة منه إلى صاحبه، ثم زجج موضعها، ثم أتى بها إلى البحر، فقال: اللهم إنك تعلم أني كنت تسلفت فلانًا ألف دينار، فسألني كفيلًا فقلت: كفى بالله كفيلًا فرضي بك، وسألني شهيدًا فقلت: كفى بالله شهيدًا فرضي بك، وإني جهدتُ أن أجد مركبًا أبعث إليه الذي له فلم أقدِر، وإني أستودعكها، فرمى بها في البحر حتى ولجت فيه، ثم انصرف وهو في ذلك يلتمس مركبًا يخرج إلى بلده.

فخرج الرجل الذي أسلفه ينظر لعل مركبًا قد جاء بماله، فإذا بالخشبة التي فيها المال، فأخذها لأهله حطبًا، فلما نشرها وجد المال والصحيفة، ثم قدم الذي كان أسلفه فأتى بالألف دينار، فقال: والله ما زلت جاهدًا في طلب مركب لآتيك بمالك، فما وجدت مركبًا قبل الذي أتيت فيه، قال: هل كنت بعثت إليَّ بشيء؟ قال: أخبرك أني لم أجد مركبًا قبل الذي جئت فيه، قال: فإن الله قد أدى عنك الذي بعثت في الخشبة، فانصرف بالألف دينار راشدًا». (رواه البخاري، وغيره).

القصة وإن كانت تعلمنا أدب الوفاء وحسن القضاء للغرماء، فإنها تحوي في طياتها جملة من المسائل والأحكام الفقهية المتعلقة بقضية المداينة، ومنها:

المسألة الأولى: مشروعية الدَّيْن:

من المشروع في ديننا إقراض الناس والاقتراض منهم، وهذا يُسْر في الشريعة، وعون للناس على أمور حياتهم وتقلبات زمانهم.

ودليل مشروعيته من القرآن قوله تعالى: (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً) (البقرة: 245)؛ والقرض هنا يشمل الصدقة كما يشمل إقراض الناس.

ومن السُّنة قوله صلى الله عليه وسلم: «ما من مسلم يُقرِض مسلمًا قرضًا مرَّتين إلا كان كصدقتها مرة» (رواه ابن ماجه).

وقد أجمع المسلمون على إباحته وجوازه، فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه اقترض من غيره وسدد قرضه وأجزل، فقد روى مسلم في صحيحه من حديث أَبِي رَافِعٍ، أَنَّ النبي صلى الله عليه وسلم اسْتَسْلَفَ مِنْ رَجُلٍ بَكْرًا، فَقَدِمَتْ عَلَيْهِ إِبِلٌ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ، فَأَمَرَ أَبَا رَافِعٍ أَنْ يَقْضِيَ الرَّجُلَ بَكْرَهُ، فَرَجَعَ إِلَيْهِ أَبُو رَافِعٍ، فَقَالَ: لَمْ أَجِدْ فِيهَا إِلَّا خِيَارًا رَبَاعِيًا، فَقَالَ: «أَعْطِهِ إِيَّاهُ، إِنَّ خِيَارَ النَّاسِ أَحْسَنُهُمْ قَضَاءً».

المسألة الثانية: اشتراط الأجل في القرض:

اختلف الفقهاء في جواز اشتراط الأجل في القرض بين مجيز ومانع، وقال الإمام مالك بجوازه مستدلاً بقوله تعالى: (إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى) (البقرة: 282).

وعليه، فإذا ضُرب أجلٌ معلوم لقرض تأجل إليه، ولا يحق للمقرض المطالبة قبل حلول ذلك الأجل، وهذا هو الأيسر للناس والأقرب لأحوالهم.

المسألة الثالثة: كتابة الدَّيْن:

استحب الفقهاء كتابة الدَّيْن وتوثيقه والإشهاد عليه، فهي بمثابة صمام أمان للمعاملات؛ لأن في التوثيق والإشهاد حفظًا للحقوق، وحسمًا للخلاف عند التنازع.

وقد يخجل البعض من طلب كتابة الدَّيْن عند الإقراض، لكن الحق أحق أن يتبع، وما في الأمر من خجل ولا في الحق من حياء، فقد يموت الدائن أو المدين، ولربما يجحد الورثة ما على ميتهم من دَيْن، فتكون الكتابة هي الحاسمة للخلاف والقاصمة ظهر النزاع بين الأطراف.

إن أطول آي القرآن آية الدَّيْن التي حوت جملة من أحكامه، وقد تصدر الأمر بكتابة الدَّيْن كل ما حوت من أحكام، فقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ...) (البقرة: 282).

ومما ورد فيها من أحكام:

  • نهي الكاتب عن الامتناع عن الكتابة مع القدرة.
  • نهي الدائن والمدين عن الإضرار بالكُتَّاب والشهود.
  • أن يقوم المدين بإملاء ما عليه مِن الدَّيْن، دون بخس أو إنقاص.
  • أن يتولَّى الإملاء عنه القائمُ على أمره في حاله تعسره أو عدم أهليته.

المسألة الرابعة: الإشهاد على الدين:

قال تعالى: (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ ۖ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ) (البقرة: 282)؛ والمقصود بقوله تعالى: «من رجالكم»؛ أي الأحرار دون العبيد، وبقوله: «ممن ترضون من الشهداء»؛ يعني من العدول المرتضى دينهم وصلاحهم(1).

وهنا سؤال يتكرر:

إن ادَّعى رجل أنَّ له دَيْنًا على غيره وليس معه ما يثبت حقه إلا شاهدٌ واحدٌ، فما الحكم؟

نقول: إن الدَّيْن إذا لم يكن مكتوبًا فلا يثبتُ إلا بشاهدين، فإن لم يكن معه إلا شاهدٌ واحدٌ، فإنه يدلي بشهادته، ثم يحلفُ صاحب الدَّيْن يمينًا مكان الشاهد الثاني، وبذلك يستحق دَيْنه، ودليل ذلك ما رواه مسلمٌ عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم «قضى بيمين وشاهدٍ»(2).

سؤال آخر: هل يكفي قول المدين: «كفى بالله شهيدًا»، أو «كفى بالله كفيلاً» إذا طلب الدائن شاهدًا أو كفيلًا؟

الجواب: أن الكفالة والإشهاد ليسا من شروط صحة المداينة ولا من أركانها، إنما هما من قبيل توثيق الدَّيْن لغرض الاحتجاج بذلك عند اللجوء للقضاء؛ ولذا أجاز الفقهاء إتمام المداينة مع إسقاطهما لا سيما عند وجود الثقة بين المتداينين

قال ابن العربي في قوله تعالى: (فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً) (البقرة: 283): معناه إن أسقط الكتاب، والإشهاد، والرهن وعول على أمانة المعامل فليؤد الذي ائتمن الأمانة، وليتق الله ربه.

المسألة الخامسة: العجز عن سداد الدَّيْن:

من عجز عن سداد الدَّيْن المباح وقد حل موعد القضاء فهو الغارم، قال الإمام الطبري: وأما «الغارمون» فالذين استدانوا في غير معصية الله، ثم لم يجدوا قضاء في عين ولا عَرَض، وعن الزهري قال: هم أصحاب الدَّيْن.

وهؤلاء يجوز إعطاؤهم من أموال الزكاة لأنهم من أصنافها الثمانية، كما في قوله تعالى: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ) (التوبة: 60).

المسألة السادسة: زكاة الدَّيْن:

سؤال مهم: هل على الدائن زكاة في دَيْن بلغ نصابًا وحال عليه الحول عند المدين؟

الجواب: إذا كان الدَّيْن على إنسان معسر أو كان على إنسان مماطل، تطلبه الحق ولا يعطيك، فإنه لا زكاة عليك حتى تقبضه وتستقبل به عامًا جديدًا.

أما إذا كان الدَّيْن على إنسان مليء غير مماطل متى طلبته أعطاك فإن الواجب عليك الزكاة حتى وإن لم تقبضه طالما حال عليه الحول؛ لأنه كالمال الذي عندك(4).

المسألة السابعة: خصم الدَّيْن من جملة المال:

سؤال: ماذا يفعل من كان معه مال بلغ نصابًا وحال عليه الحول، لكن عليه دَيْن مساويًا لما معه من المال، فهل يخرج زكاة على المال الذي معه؟

الجواب: جمهور الفقهاء يرون أن الدَّيْن يخصم من جملة المال الذي وجبت فيه الزكاة، فإن تبقى شيء وكان بلغ نصاباً فإنه يخرج زكاة ما تبقى، فإن كان ما تبقى لا يبلغ نصاباً بعد خصم الدَّيْن لم تجب فيه الزكاة.

وعند الشافعي في الجديد، واختاره ابن باز، وابن عثيمين أن الدَّيْن لا يخصم من الزكاة، ومن ثم فإن الزكاة لازمة في المال كله.

ومذهب مالك أنه إن كان عنده عرض يمكن أن يجعل في مقابلة الدَّيْن، جعل في مقابلته، ووجبت عليه الزكاة في ماله كله، وإن لم يجد فلا زكاة عليه(5).

المسألة الثامنة: إسقاط الدَّيْن بنية الزكاة:

وصورتها: كمن أقرض رجلاً مالاً إلى أجل مسمى، فلما حلَّ الأجل وأعسر المدين في السداد، نوى الدائن إسقاطه عنه وخصمه من زكاة ماله، فما الحكم؟

الجواب: أكثر الفقهاء على أن هذا تصرف لا يجوز، فهو حيلة باطلة، لأن الزكاة إعطاء ودفع، وليست إبراء، كما أن الزكاة حق لله تعالى، والدَّيْن حق للمدين.

لكن إن أعطاه من زكاة ماله دون شرط منه أن يسد به الدَّيْن الذي له عليه، فهذا جائز، وهو قول الجمهور.

المسألة التاسعة: قاعدة «ضع وتعجل»:

وهي مساومة المدين للدائن كي يسقط عنه بعض الدَّيْن، ولها صورتان:

الأولى: إن كان على سبيل المسامحة والتراضي، فلا حرج، قال أحمد: إذا كان للرجل على الرجل الدَّيْن، ليس عنده وفاء، فوضع عنه بعض حقه، وأخذ منه الباقي؛ كان ذلك جائزاً لهما؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كلم غرماء جابر ليضعوا عنه، فوضعوا عنه الشطر.

قال الشيخ ابن باز: هذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم، الصواب أنه جائز، وإن كان كثير من أهل العلم يرى خلاف ذلك، لكن الصحيح أنه جائز؛ لأن هذا فيه مصالح تعجيل الحق، وبراءة الذمة، هذا فيه مصلحتان: تعجيل الحق لصاحبه ولو ناقصًا بدل ما يكون في سنوات يعطيه إياه حالًا، وتخفيفه على المدين يطيح عنه قطعة من الدَّيْن.

الثانية: المساومة على معنى: لن أعطيك حقك حتى تسقط عني بعضه، فهذا أكل للمال بالباطل.

قال ابن قدامة: «ومن اعترف بحق، فصالح على بعضه، لم يكن ذلك صلحاً؛ لأنه هضم للحق».

المسألة العاشرة: مهر الزوجة المؤجل دَيْن على الزوج:

المهر: هو مؤخر الصداق وهو دَيْن في ذمة الزوج، وحق من حقوق المرأة على زوجها، يجب عليه قضاؤه على الأجل الذي تم الاتفاق عليه حال العقد.

فإذا لم يحدد أجل معين لسداد مؤخر الصداق، فإن المطالبة به تكون عند الفرقة بطلاق أو نحوه، أو عند موت أحد الزوجين؛ فإن مات الزوج أولاً: حق للزوجة أن تأخذ من تركته مؤخر صداقها، قبل إخراج وصيته، أو توزيع تركته على الورثة، ثم تأخذ نصيبها من التركة كاملاً، إن بقي شيء فيها.

وإن كانت الزوجة هي التي ماتت قبل زوجها: فلورثتها أن يأخذوا نصيبهم في مؤخر الصداق، كغيره من أموالها، ويوزع عليهم بحسب نصيبهم في الميراث، بمن فيهم الزوج(6).

المسألة الأخيرة: اشتراط الدائن على المدين أن يضع رهناً:

فمن حيث المبدأ لا خلاف عند العلماء في جواز الرهن كما قال تعالى: (فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ) (البقرة: 283).

وقد تضمَّنت هذه الآية مشروعية وضع رهنٍ من المدين لدى الدائن ضمانًا لحق الدائن، وهو مشروع في السفر والحضر، والرهن هو جعل الشيء محبوساً بحق يمكن استيفاؤه من الرهن، وفائدة الرهن هو استيفاء الحق عند العجز عن الوفاء، أما عن الانتفاع بالشيء المرتهن ففيه تفصيل لا يسع المقام بسطه، والله تعالى أعلى وأعلم.


اقرأ أيضاً:

القول الثمين في نصح الدائن والمدين (1)

القول الثمين في نصح الدائن والمدين (2)

____________________

الهوامش

(1) تفسير الطبري.

(2) فتاوى الشيخ وحيد بالي.

(3) أحكام القرآن لابن العربي.

(4) فتاوى العلامة ابن باز.

(5) فتاوى موقع إسلام ويب.

(6) فتاوى اللجنة الدائمة.

الرابط المختصر :

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة