3 فضائل لذي القعدة.. شهر السلام والطاعات
تهل علينا مواسم
الطاعات من جديد، بعد انقضاء رحمات رمضان، وقد أنس الكون بأصوات المهللين المقبلين
من أقاصي الأرض صوب بيته الحرام تلبية وتكبيراً؛ لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك
لبيك.
قال تعالى: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ
اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ
وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا
تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ) (التوبة: 36)، (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ ۚ فَمَن فَرَضَ
فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ۗ وَمَا
تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ۗ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ
الزَّادِ التَّقْوَىٰ ۚ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ) (البقرة: 197)،
قال ابن عمر: أشهر الحج: شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة. (أخرجه البخاري).
ذو القعدة.. ثاني الأشهر الحرم
والشهر الحرام ذو
القعدة من الأشهر المباركة، وهو ثاني الأشهر الحرم بعد رجب، وثاني أشهر الحج بعد
شوال، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الزمان قد استدار كهيئة يوم خلق السماوات
والأرض؛ السنة اثنا عشر شهراً، منها أربعة حرم، ثلاثة متواليات: ذو القعدة، وذو
الحجة، والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان» (أخرجه البخاري، ومسلم).
يقول ابن كثير: (أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ) قال
ابن عمر: هي شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة(1)، وسمي ذو القعدة بذلك
لأن العرب كانوا يقعدون فيه عن الغزو والغارات وكذلك الترحال للتأهب للحج، فهو شهر
كان ينعم فيه الناس بالسلام والأمان وفرحة دخول الحج.
يقول الفراهيدي:
ذو القعدة شهر كانت العرب تقعد فيه، ثم تحج في ذي الحجة، والقُعدة (ضم القاف): ما
يقتعده الرجل من الدواب للركوب خاصة، والقعود والقعودة من الإبل: ما يقتعدها
الراعي فيركبها ويحمل عليها زاده، ويجمع على القعدان(2)، وبها يكون سبب
تسمية شهر ذي القعدة بهذا الاسم أن العرب كانوا إذا نووا الحج يقعد أحدهم في هذا
الشهر يجهز فيه إبلاً أو دابة في البيت، ويقوم بعلفها وإعدادها ليركبها في ذهابه
للحج، فتحمله وتحمل زاده.

من فضائل ذي القعدة
1- هو الشهر
الذي اعتمر فيه النبي صلى الله عليه وسلم كافة عمراته الأربع، وقال صاحب كتاب «سبل
الهدى والرشاد في سيرة خير العباد»: اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع عمر،
كلهن في ذي القعدة:
الأولى: عمرة
الحديبية وهي أولاهن سنة 6هـ، فصده المشركون عن البيت فنحر البدن، حيث صد
بالحديبية، وحلق هو أصحابه رؤوسهم وحلوا من إحرامهم ورجع من عامه صلى الله عليه
وسلم إلى المدينة.
الثانية: عمرة
القضية من العام المقبل، دخلها فأقام بها ثلاثاً، ثم خرج بعد كمال عمرته، واختلف:
هل كانت قضاء للعمرة التي صد عنها في العام الماضي، أم عمرة مستأنفة؟ ويخلص الخلاف
إلى أنها لم تكن قضاء، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يأمر من كان معه
بالقضاء(3).
الثالثة: حين
اعتمر صلى الله عليه وسلم من الجعرانة حين خرج إلى حنين ثم رجع إلى مكة فاعتمر من
الجعرانة داخلاً إلى مكة.
الرابعة: عمرته
التي قرنها مع حجة الوداع(4).
2- من الأشهر
الحرم وموسم للطاعات، حيث تتضاعف فيه الحسنات، كما تضاعف فيها السيئات، وقد أمر
الله عز وجل باغتنام تلك المواسم والمسارعة إلى فعل الطاعات، قال تعالى: (وسَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ
رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ
لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ
يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) (الحديد: 21).
وعلى المسلم أن
يجتنب المحرمات والظلم، ويستحضر في قلبه عظمة الشهر الحرام تعظيماً لشعائر الله.
3- وهو المدخل
لشهر ذي الحجة، فيجب على المسلم أن يستقبل الأيام المباركة بصفاء قلب وروح وطهارة
نفس، فيبدأ فيه بتجديد التوبة، وعليه بمراعاة حفظ جوارحه من الوقوع في المعاصي
والذنوب وكل ما يغضب الله؛ (فَلَا
تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ) (التوبة: 36)، فيجب صيانة اللسان عن
الغيبة والنميمة، وغض البصر، ورد المظالم إلى أصحابها، والإكثار من ذكر الله تعالى.
فإن إدراك قيمة هذا الشهر لا يكون بتعداد فضائله فحسب، بل بتحويله إلى ممارسة واعية؛ من كف عن الظلم، ومراجعة للنيات، واستدراك لما فوت من الطاعات، واستعداد حقيقي لموسم الحج بما يحمله من تجديد للعهد مع الله.
الهوامش
- 1 تفسير القرآن العظيم، ص 256، دار بن حزم.
- 2 العين، الخليل بن أحمد (1/ 142).
- 3 ينظر النجم الوهاج في شرح المنهاج (3625)، وينظر: مجلة الأزهر في مقال للدكتور مظهر كمال أبو الحمد قاسم مدرس الدعوة والثقافة الإسلامية بكلية أصول الدين والدعوة بجامعة الأزهر بتاريخ أبريل 2026م.
- 4 سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد، للصالح الشامي (8/ 445).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً