5 أبواب يدخل منها الحسد إلى حياة الناس

عزة مختار

03 نوفمبر 2026

19

تصوير يرمز الى الحسد

ليس بالضرورة كي يكون الإنسان حاسداً أن يتمنى زوال النعمة عن الآخرين؛ فقد يباغت المرءَ ضيقٌ عابر عن سماع خبر نجاح قريب، أو تمر به لحظة مرونة حين يرى صديقاً قد حقق ما عَجَز عنه، فيتردد في صدره تساؤل خفي: لماذا هو وليس أنا؟

وقد كشف القرآن الكريم خفايا الحسد في مواضع شتى، رابطاً إياه بأخلاق مذمومة كالبغي، والكراهية، والحقد، والغضب؛ يقول تعالى: (وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم) (البقرة: 109)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ولا يجتمعان في قلب عبد الإيمان والحسد» (رواه النسائي).

فكيف يتسلل هذا الداء إلى قلب المسلم؟ وكيف ينعكس سلوكاً مؤذياً في حق إخوانه؟

أولاً: حين تتحول مقارنة الأرزاق إلى شعور بالضيق:

ليس كل شعور بالظلم حنقاً؛ فقد يقع حيف حقيقي على الإنسان في توزيع الحقوق فيغوص في الغضب مدافعاً عن حقه، وذلك مشروع، وإنما تكمن المشكلة الحقيقية حين يقارن المرء بين نصيبه ونصيب الآخرين دون وجه حق.

وقد تجسد هذا النموذج بوضوح في قصة إخوة يوسف عليه السلام حين قالوا: (إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ) (يوسف: 8).

ولم يقف الأمر عند اتهام الأب بالجور، بل تطور إلى ما هو أخطار؛ وهو التخلص من الأخ الذي استأثر بحب الأب كما ظنوا: (اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ) (يوسف: 9)، وهكذا تفعل المقارنات حين تحترق بنيران الحسد، فلا تنتهي إلا بزوال النعمة عمن تملّكها.

ثانياً: حين نرى النعمة ولا نرى ما خلفها:

أسهمت وسائلالتواصل الاجتماعي في تشويه واقع الحياة بتقديم لقطات منتقاة وبراقة؛ فهذا ينشر عرساً في قاعة فاخرة، وذاك يستعرض سيارته الفارهة، وثالث يتباهى بترقيته وعلاوته.

والمتابع يقلب الطرف في هذه الصور فتضيق نفسه، مقصراً عن رؤية كواليسها؛ فلا يبصر سهر الليالي الطوال في المذاكرة، ولا يعلم بالابن المريض في تلك الأسرة، ولا يدرك الخلافات الزوجية التي رافقت السعي خلف تلك الترقية.

وقد أشار القرآن الكريم إلى جذور هذا الداء بقوله تعالى: (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَىٰ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) (النساء: 54)؛ حيث إن موضع العلة هنا التبرم بنعم الله على العباد، لقصور الأبصار عن إدراك الحقائق وراء الواجهات المزيفة.

ثالثاً: حين يصبح نجاح الآخرين تهديداً لمكانتنا:

تلك آفة العاملين في الحقل الواحد؛ فإذا تميز أحدهم وتألق، سرى القلق في نفوس البعض خشية أن يسحب بساط الشهرة من تحت أقدامهم، أو أن يحوز مكانة وثناءً يحرمون منهما.

وقد لخص الإمام الغزالي هذا السبب بقوله في إحياء علوم الدين (ج3، ص 1688): «الخوف من فوت المقاصد، وذلك يختص بمتزاحمين على مقصود واحد..».

وكذا ذكر من الأسباب: «حب الرياسة وطلب الجاه لنفسه.. كالرجل الذي يريد أن يكون عديم النظير في فن من الفنون.. فإنه لو سمع بنظير له في أقصى العالم لساءه ذلك وأحب موته أو زوال النعمة عنه».

ولذلك جاء التوجيه النبوي دقيقاً حين قال صلى الله عليه وسلم: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلمها» (رواه مسلم)؛ والمقصود بالحسد هنا الغبطة؛ وهي أن يتمنى المرء مثل ما أعطي أخوه دون أن يتمنى زوال النعمة عنه.

رابعاً: حين تثير النعمة الجديدة عداوة قديمة:

قد تذيب الأيام الخلافات القديمة وينسى أصحابها أسبابها، فإذا ما برزت نعمة جديدة على أحدهم، استيقظت البغضاء الكامنة في النفوس، فيشرع الحاسد في البحث عن الثغرات للتقليل من شأن هذا النجاح عجزاً عن تحمله.

وفي ذلك يقول الغزالي: «العداوة والبغضاء، وهذا أشد أسباب الحسد، فإن من آذاه شخص.. أبغضه قلبه وغضب عليه ورسخ في نفسه الحقد، والحقد يقتضي التشفي والانتقام، فإن عجز المبغض عن أن يتشفى بنفسه أحب أن يتشفى منه الزمان».

وفي بيان علاقة الحقد بالحسد، يقول تعالى: (وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ {119} إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ) (آل عمران).

خامساً: حين يتحول الحسد إلى رغبة في التشفي:

قد يختبئ الحسد ردحاً من الزمن في ثنايا الروح، حتى ينفجر هجوماً غير مبرر على نجاحات الآخرين؛ بالتشكيك في استحقاقهم لها، أو تتبع عثراتهم، أو تداول أخبارهم المؤلمة من باب الشماتة، وقد وصف القرآن هذا الصنيع بقوله: (إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا) (آل عمران: 120).

وجاء النهي النبوي قاطعاً: «لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخواناً» (رواه البخاري)؛ وارتباط النهي عن الحسد بالنهي عن البغضاء والتدابر يضع أمام كل مشاركة وتصرف سؤالاً: أريد بهذا إصلاحاً حقاً، أم أبحث عن فرصة لإهانة صاحبي والنيل منه؟

إن العلاج ليس في إغماض الأعين عن نِعَم الآخرين، بل في تدبرها بإنصاف، وسؤال الله من فضله وحده، والانشغال بشكر النعم الخاصة، عوضاً عن استنزاف الروح في مراقبة ما في أيدي الناس.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة