5 أخلاق غابت عن سلوكيات المسلمين

حين نتحدث عن الذوق والرقي في التعامل مع الناس، يتعجب البعض متسائلاً عن علاقة هذا بالإسلام؟! في حين أن الإسلام كله هو حسن الخلق والذوق العالي وسمو النفس والرقي في التعامل مع الآخرين.

وللأدب والذوق أنواع، منها:

1- حسن الخلق مع الوالدين:

البعض يحسب أنه حين يؤدي حق واليه من بر، فله أن يقدم على بعض السلوكيات (غير البارة) باعتبار أن عدم علم الوالدين بها يعفيه من الحساب والمساءلة الربانية، فعلى سبيل المثال حين يشتري فاكهة أو صنفاً من الطعام يؤثر به أولاده دونهما، أو يمر على بيتهما دون أن يصدر صوتاً كي لا يمر عليهما، أو أن يختلي بنفسه في غرفته مع هاتفه أو عمله أو أصدقائه، ويتركهما وحيدين دون أن يسليهما بالكلام أو يساعدهما بيديه.

عن أبي هريرة قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَمْ يَتَكَلَّمْ في المَهْدِ إِلَّا ثَلَاثَةٌ: عِيسَى، وَكانَ في بَنِي إِسْرَائِيلَ رَجُلٌ يُقَالُ له: جُرَيْجٌ، كانَ يُصَلِّي، جَاءَتْهُ أُمُّهُ فَدَعَتْهُ، فَقالَ: أُجِيبُهَا أَوْ أُصَلِّي؟ فَقالَتْ: اللَّهُمَّ لا تُمِتْهُ حتَّى تُرِيَهُ وُجُوهَ المُومِسَاتِ، وَكانَ جُرَيْجٌ في صَوْمعتِهِ، فَتَعَرَّضَتْ له امْرَأَةٌ وَكَلَّمَتْهُ فأبَى، فأتَتْ رَاعِيًا فأمْكَنَتْهُ مِن نَفْسِهَا، فَوَلَدَتْ غُلَامًا، فَقالَتْ: مِن جُرَيْجٍ، فأتَوْهُ فَكَسَرُوا صَوْمعتَهُ وَأَنْزَلُوهُ وَسَبُّوهُ، فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى ثُمَّ أَتَى الغُلَامَ، فَقالَ: مَن أَبُوكَ يا غُلَامُ؟ قالَ: الرَّاعِي، قالوا: نَبْنِي صَوْمعتَكَ مِن ذَهَبٍ؟ قالَ: لَا، إِلَّا مِن طِينٍ» (رواه البخاري، ومسلم).

2- حسن الخلق بين الزوجين:

للزوجين حقوق أحدهما عند الآخر، عرفت بها النصوص الإسلامية ووضعت حدوداً أخلاقية لتستقيم الحياة الزوجية، لكن هناك نوعاً من السلوكيات التي ألحت إليها السُّنة التي يحسبها الشباب أنها سلوكيات غربية، بينما هي من عمق الدين ومقاصده، منها الملاطفة بينهما ورعاية أحدهما للآخر، وتبادل الهدايا، والخروج من المنزل منفردين لتجديد نمط الحياة الجامدة.

فنجد النبي صلى الله عليه وسلم ينبه المسلمين إلى أن: «إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها، حتى ما تجعل في فم امرأتك» (رواه البخاري)، ومنها الرفق بالزوجة والتلطف بها في أوقات خاصة، كفترة الحيض، والحمل، والوضع، والرضاعة، والمرض.

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم هاشاً في بيته، وكان في خدمة أهله، سئلت عائشةَ رضيَ اللهُ عنها: ما كانَ يصنعُ النَّبيُّ في أهلِهِ؟ فقالت: كان يكونُ في مِهْنَةِ أهلِهِ، فإذا حضرتِ الصَّلاةُ خرجَ. (أخرجه البخاري).

وفي العلاقة الخاصة بين الزوجين يتدخل كتاب الله في تنظيمها، حيث يجب على الزوج أن يقدم لتلك العلاقة فلا يتعامل معها من باب الحق المكتسب بأي حال ينال حقه، وإنما يجب أن يسبقها الملاطفة والاستعداد البدني بالنظافة الشخصية والرائحة الطيبة والمداعبة، فيقول تعالى: (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ ۖ وَقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُمْ) (البقرة 223).

3- حسن الخلق في الشارع:

السير في الشارع ليس متروكاً لهوى صاحبه، فالتسكع وإطلاق البصر في خلق الله ليس من حق أحد، فقد «كاَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا مَشَى تَكَفَّأَ تَكَفُّؤًا، كَأَنَّمَا يَنْحَطُّ مِنْ صَبَبٍ» (رواه الترمذي).

ومن السلوكيات التي تتنافى مع أخلاق الإسلام استخدام آلة التنبيه بالسيارة بدون داع لإزعاج الناس ونشر الضوضاء، بينما يشير القرآن لظاهرة رفع الصوات وإثارة الضوضاء رافضاً إياها، فيقول تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ) (الحجرات 4).

ومن السلوكيات المرفوضة في الشارع إلقاء القمامة في عرض الطريق، أو في غير المكان المخصص لها، حيث يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إماطة الأذى عن الطريق صدقة» (صحيح مسلم).

ومثل إلقاء القمامة في عرض الطريق من يبصق على الأرض، فهو سلوك يؤذي المسلمين، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه ابن آدم» (أخرجه البخاري)، فمن يفعل ذلك إنما يفعل إثماً يتنافى مع أخلاق الإسلام، مثله أن يكون رائحة المسلم كريهة يتأذى منها المارون، أو من يجاورونه في وسائل المواصلات العامة.

ولا يمكن أن نمرر أدب الجلوس في الطرقات حيث يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إياكم والجلوس في الطرقات!»، قالوا: يا رسول الله، ما لنا بد إنما هي مجالسنا! قال: «إن أبيتم إلا الطريق فاعطوا الطريق حقه»، قالوا: وما حق الطريق يا رسول الله؟ قال: «غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» (متفق عليه).

4- حسن الخلق في الزيارة:

الزيارة في الإسلام لها أحكام وآداب ذكرها القرآن الكريم في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (النور: 28)، فلا زيارة بغير موعد مسبق، ويكون أهل البيت مستعدين لتلك الزيارة ومرحبين بها، وحين تشعر أن هناك حرجاً ما أو أن الوقت غير مناسب فلتطلب وقتاً آخر دون غضب، فأهل البيت أدرى بظروفهم؛ (وَإِن قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ) (النور: 28)، ولا تستقبل الباب وأنت تطرقه؛ حتى لا تكشف عورة حين ينفتح، ولا تطرق الباب بطريقة تزعج أهله، أو تدق جرس الباب بإلحاح، فإن لم يرد أحد فلا تطل وانصرف حتى لو أخذت موعداً مسبقاً فربما قد جدَّ جديد.

أما إذا سأل من بالداخل مَنْ بالباب؟ فلا تقل: أنا، بل قل: أنا فلان، حتى يعلم من أنت، ثم لا تفاجئ أهل البيت بأنك اصطحبت معك آخرين دون أن تخبرهم، فربما لا يكون لديهم من يضيفونكم به.

ومن الآداب كذلك ألا تمتد يدك على شيء دون إذن، فلا تستخدم هواتفهم الخاصة لإجراء مكالمات طويلة دون إذنهم، ولا تمتد يدك لمأكولات أو مشروبات بأكثر من حاجتك، فربما قدم صاحب البيت لك كل ما يملك وأنت لا تدري، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفسه»(1)، ثم لا تطل المكوث بعد وقت الزيارة وتثقل على أهل البيت خاصة في زيارة المريض.

5- حسن الخلق مع الجيران:

للجيران في الإسلام حقوق عظيمة، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت يا رسول الله: إن لي جارين، فإلى أيهما أهدي؟ قال: «إلى أقربهما منك باباً» (أخرجه البخاري)، وقد حذَّر النبي صلى الله عليه وسلم من أذى الجار، فقال كما في حديث أبي شريح رضي الله عنه: «والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن»، قيل: مَن يا رسولَ الله؟ قال: «الذي لا يأمن جارُه بوائقَه» (رواه البخاري)، ومن حسن الخلق مع الجار أنه حين يشم رائحة طعامك أن تعطيه منه، أو على الأقل تخفي رائحته عنه خاصة إذا كان محتاجاً شرط ألا يراك أحد وأنت تحسن إليه فتؤذيه، استأذنه إذا أردت الارتفاع ببنيان بيتك، هو لن يمنعك، لكن استئذانك يرضيه.

وما زال هناك الكثير من السلوكيات الغائبة عن الخلق الإسلامي القويم، مثل سلوكيات المسلم في المسجد، وسلوكيات الطالب في المدرسة مع معلميه، وسلوكيات الزوجة مع أهل زوجها، فيجب على المسلم أن يبحث ويتحرى الذوق الإسلامي العام في جميع تعاملاته للوصول لمرضاة الله تعالى في التحلي بأخلاق الإسلام، لتتحول الحياة من عادات لعبادات على مدار العمر.




___________________

(1) المحدث الألباني، المصدر هداية الرواة، ص 2875.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة