5 ثمرات للثناء على الأموات

روى البخاري، ومسلم، في صحيحيهما عَنْ ‌أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: مُرَّ بِجِنَازَةٍ فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا خَيْرًا فَقَالَ نَبِيُّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَجَبَتْ، وَجَبَتْ، وَجَبَتْ»، وَمُرَّ بِجِنَازَةٍ فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا شَرًّا، فَقَالَ نَبِيُّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَجَبَتْ، وَجَبَتْ، وَجَبَتْ»،

قَالَ عُمَرُ: فِدًى لَكَ أَبِي وَأُمِّي، مُرَّ بِجِنَازَةٍ فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا خَيْرٌ فَقُلْتَ: وَجَبَتْ، وَجَبَتْ، وَجَبَتْ، وَمُرَّ بِجِنَازَةٍ فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا شَرٌّ فَقُلْتَ: وَجَبَتْ، وَجَبَتْ، وَجَبَتْ،

فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ، وَمَنْ أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا وَجَبَتْ لَهُ النَّارُ، ‌أَنْتُمْ ‌شُهَدَاءُ ‌اللهِ ‌فِي ‌الْأَرْضِ، ‌أَنْتُمْ ‌شُهَدَاءُ ‌اللهِ ‌فِي ‌الْأَرْضِ، ‌أَنْتُمْ ‌شُهَدَاءُ ‌اللهِ ‌فِي ‌الْأَرْضِ».

في هذا الحديث بيان لحالة من حالات حديث الناس عن الأموات، وهي حالة معبرة عن موقف الناس من الميت، وذلك من خلال ما شهدوه منه أو عاينوه عليه، وهي شهادة ينبغي أن تكون صادقة، من غير تكلّف ولا مجاملة، وإنما عن معرفة بحاله وأعماله.

وقد حث النبي صلى الله عليه وسلم على ذكر محاسن الميت ونشرها، ففي الحديث الذي رواه ابن حبان في صحيحه عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلى الله عَلَيه وسَلم: «اذْكُرُوا ‌مَحَاسِنَ ‌مَوْتَاكُمْ وَكُفُّوا عَنْ مَسَاوِئِهِمْ»، ولهذا الأمر دلالات وثمرات، منها:

1- جلب الدعاء والشفاعة للميت:

حين يذكر كل إنسان مواقف الصلاح للميت يكون ذلك سبباً في جلب الدعاء له، وهذا من أعظم ما ينفعه، ويشفع له عند ربه.

ففي صحيح مسلم عَنْ ‌عَائِشَةَ رضي الله عنها، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَا مِنْ مَيِّتٍ تُصَلِّي عَلَيْهِ أُمَّةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَبْلُغُونَ مِائَةً كُلُّهُمْ يَشْفَعُونَ لَهُ إِلَّا ‌شُفِّعُوا ‌فِيهِ»، وفي صحيح مسلم عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّهُ مَاتَ ابْنٌ لَهُ بِقُدَيْدٍ أَوْ بِعُسْفَانَ، فَقَالَ: يَا كُرَيْبُ! انْظُرْ مَا اجْتَمَعَ لَهُ مِنَ النَّاسِ، قَالَ: فَخَرَجْتُ فَإِذَا نَاسٌ قَدِ اجْتَمَعُوا لَهُ، فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: تَقُولُ هُمْ أَرْبَعُونَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: أخرجوه، فإني سمعت رسول اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَا مِنْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ يَمُوتُ فَيَقُومُ عَلَى جَنَازَتِهِ أَرْبَعُونَ رَجُلًا، لَا يُشْرِكُونَ بِاللَّهِ شَيْئًا إِلَّا شَفَّعَهُمُ اللَّهُ فِيهِ».

2- المغفرة للميت ودخوله الجنة:

روى أحمد، وابن حبان، في صحيحه عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلى الله عَلَيه وسَلم: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَمُوتُ فَيَشْهَدُ لَهُ أَرْبَعَةُ أَهْلِ أَبْيَاتٍ مِنْ جِيرَتِهِ الأَدْنَيْنَ أَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ إِلَاّ خَيْرًا إِلَاّ قَالَ اللهُ جَلَّ وَعَلَا: قَدْ ‌قَبِلْتُ ‌عِلْمَكُمْ فِيهِ، وَغَفَرْتُ لَهُ مَا لَا تَعْلَمُونَ».

وروى البخاري في صحيحه عَنْ ‌أَبِي الْأَسْوَدِ قَالَ: قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ، وَقَدْ وَقَعَ بِهَا مَرَضٌ، فَجَلَسْتُ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَمَرَّتْ بِهِمْ جِنَازَةٌ، فَأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا خَيْرًا، فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: وَجَبَتْ، ثُمَّ مُرَّ بِأُخْرَى فَأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا خَيْرًا، فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: وَجَبَتْ، ثُمَّ مُرَّ بِالثَّالِثَةِ فَأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا شَرًّا، فَقَالَ: وَجَبَتْ، فَقَالَ أَبُو الْأَسْوَدِ: فَقُلْتُ: وَمَا وَجَبَتْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: قُلْتُ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّمَا مُسْلِمٍ شَهِدَ لَهُ أَرْبَعَةٌ بِخَيْرٍ، ‌أَدْخَلَهُ ‌اللهُ ‌الْجَنَّةَ»، فَقُلْنَا: وَثَلَاثَةٌ؟ قَالَ: «وَثَلَاثَةٌ»، فَقُلْنَا: وَاثْنَانِ؟ قَالَ: «وَاثْنَانِ»، ثُمَّ لَمْ نَسْأَلْهُ عَنِ الْوَاحِدِ.

3- تسلية أهله وذويه:

يعد الثناء على الميت من أهم دواعي الصبر والسلوان لأهل الميت وذويه، حيث تطمئن قلوبهم أن الله عز وجل يحب ميتهم بحب الناس له وثنائهم عليه، ولهذا شرع الإسلام التعزية، وحث عليها النبي صلى الله عليه وسلم ووضح ثوابها ليقبل الناس عليها، ففي سنن ابن ماجه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «‌مَنْ ‌عَزَّى مُصَابًا فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ»، وفي سنن ابن ماجه أيضاً بسند حسنه الألباني عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «مَا مِنْ مُؤْمِنٍ يُعَزِّي أَخَاهُ بِمُصِيبَةٍ، إِلَّا كَسَاهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مِنْ ‌حُلَلِ ‌الْكَرَامَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».

4- أداء الشهادة:

لقد أمر الله تعالى عباده ألا يكتموا الشهادة، وهذا أمر عام يشمل كل الشهادات، ومن أهم الشهادات أن يشهد المسلم لمن صلح بصلاحه، فمن فعل فقد حقق مراد الله تعالى، ومن لم يفعل فإنه آثم قلبه، قال تعالى: (وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ ‌آثِمٌ ‌قَلْبُهُ) (البقرة: 283)، وفي الحديث الذي سبق ذكره: «‌أَنْتُمْ ‌شُهَدَاءُ ‌اللهِ ‌فِي ‌الْأَرْضِ».

5- إحياء القدوة الحسنة وتعزيز القيم الصالحة في المجتمع:

حين يُثني الناس على الميت بخير، فإنهم يبرزون صفاته وأعماله الطيبة والحسنة، وهذا سبيل إلى اقتداء الأحياء به، وحرصهم على أن يفعلوا فعله، ليبلغوا ما بلغه من ثناء الناس وشهادتهم في حقه.

وإن إحياء القدوة الحسنة أمر ضروري وواجب في المجتمع، فإنه يسهم في صلاحه ومعالجة الخلل الذي يقع فيه، والناس في حاجة إلى مثال يقتدون به، ليكون معيناً لهم، فهو يعيش حالهم ويتعرض لما يتعرضون له، ومع ذلك يحرص على الصلاح والاستقامة، وهذا الأمر يسهم في تعزيز القيم الصالحة في المجتمع وترسيخها بين الناس، فيتحول المجتمع إلى الصلاح والتقوى واحترام القيم العليا والحرص على التحلي بها.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة