7 أخلاق يربيها رمضان في الصائم
لقد شرع الله عز
وجل الصيام لعباده المؤمنين لحكمة سامية تتجاوز مجرد الامتناع عن الطعام والشراب،
فهو عبادة تهدف إلى تزكية النفس، وتهذيب السلوك، وبناء الإنسان إيمانيًا وأخلاقيًا،
وليس الصوم تعذيبًا للجسد أو إرهاقًا للنفس، وإنما هو وسيلة لسمو الروح، وارتقاء
الإرادة، وتعميق الصلة بالله تعالى.
ومن العجيب أن
المجتمع الذي يلتزم بهذه الفريضة، رغم ما فيها من مشقة، يكون مجتمعًا قوي العقيدة،
متماسك البنيان، تسوده الرحمة والتكافل؛ لما للصيام من آثار إيجابية تمتد إلى
الجوانب الصحية والاقتصادية والأخلاقية.
والصيام مدرسة
تربوية عميقة، يتخرج فيها الصائم بأخلاق رفيعة، نعرض لأبرزها فيما يلي:
1- الصدق:
أول ما يتربى
عليه الصائم خلق الصدق، وأعظمه الصدق مع الله عز وجل؛ إذ لا يطلع على حقيقة صيامه
أحد من البشر، فقد يستطيع أن يأكل أو يشرب خفية، ولكن صدقه مع ربه يمنعه من ذلك، فهو
يمتنع عن المباحات مختارًا، مراقبًا لله، موقنًا أن الله مطّلع على سره وعلانيته.
والمحروم حقًا
من اقتصر صومه على الجوارح دون القلب والأخلاق؛ فالله عز وجل لم يُرد لعباده مشقة
الجوع، وإنما أراد لهم ثمرة الصيام، ومن أعظمها الصدق، يقول جابر بن عبدالله رضي
الله عنه: «إِذَا صُمْتَ فَلْيَصُمْ سَمْعُكَ وَبَصَرُكَ وَلِسَانُكَ عَنِ
الْكَذِبِ، وَدَعْ عَنْكَ أَذَى الْخَادِمِ، وَلْيَكُنْ عَلَيْكَ سَكِينَةٌ
وَوَقَارٌ، وَلَا تَجْعَلْ يَوْمَ صَوْمِكَ وَيَوْمَ فِطْرِكَ سَوَاءً» (رواه ابن
أبي شيبة، والبيهقي).
وقد قرن الله
تعالى الصدق بالتقوى فقال: (يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) (التوبة:119).
وحذّر النبي صلى
الله عليه وسلم من الكذب وعدّه من خصال النفاق فقال: «آية المنافق ثلاث: إذا حدَّث
كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان» (متفق عليه).
2- التقوى:
قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ
لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة: 183).
تُصرّح هذه
الآية الكريمة بأن التقوى هي الغاية العظمى من الصيام، فهي مقصد الصوم وأثره في
آنٍ واحد، وقد عرّفها السيوطي بقوله: أن رجلًا سأل أبا هريرة عن التقوى؟ فقال له
أبو هريرة: هل أخذت طريقًا ذات شوكٍ؟ قال: نعم، قال: فكيف كنت تصنع إذا رأيت
الشوك؟ قال: أَعْدِلُ عنها، أو جاوزتها، أو قَصُرت عنها، قال: ذاك التقوى؛ أي:
فكذلك التقوى، وبنحوه عن عمر أنه سأل أبي بن كعب، فقال له كما قال أبا هريرة (الدر
المنثور للسيوطي، 1/ 61).
فالتقوى هي
الحذر من كل ما يُغضب الله، واستحضار معيته في السر والعلن، ولذلك قال النبي صلى
الله عليه وسلم: «الصوم جنة» (متفق عليه)؛ أي وقاية وستر من المعاصي، فمَن ترك
المباح ابتغاء مرضاة الله، كان تركه للحرام أولى وأحرى.
3- الصبر:
يجتمع في الصيام
3 أنواع من الصبر: الصبر عن المعصية، والصبر على الطاعة، والصبر على أقدار الله؛ قال
النبي صلى الله عليه وسلم: «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة أن يدع
طعامه وشرابه».
ويصبر الصائم
على مشقة الجوع والعطش نهارًا، وعلى القيام ليلًا، فينال وعد الله تعالى: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ
أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ) (الزمر: 10).
ومن خصوصية
الصوم ما جاء في الحديث القدسي: «كل عمل ابن آدم له إلا الصيام، فإنه لي، وأنا
أجزي به، إنه ترك شهوته وطعامه وشرابه من أجلي» (متفق عليه).
4- حفظ اللسان:
الصوم الحقيقي
إمساكٌ عن الطعام والشراب، وإمساكٌ كذلك عن آفات اللسان، قال صلى الله عليه وسلم:
«الصيام جنة، فإذا كان أحدكم صائماً فلا يرفث ولا يجهل، فإن امرؤ شاتمه أو قاتله
فليقل إني صائم» (أخرجه البخاري، ومسلم)، وقال أيضًا: «من لم يدع قول الزور والعمل
به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه» (أخرجه البخاري)؛ فالغيبة، والنميمة،
والكذب، والسخرية، وسائر آفات اللسان، تذهب بأجر الصيام وتفرغه من مضمونه.
5- الأخوة والتكافل:
يُجسّد شهر
رمضان أسمى معاني التكافل الاجتماعي، ويوقظ في النفوس روح الرحمة، وكان النبي صلى
الله عليه وسلم لا يُردّ سائلاً، ويحث على تفطير الصائمين، فقال: «من فطَّرَ
صائمًا كانَ لَهُ مثلُ أجرِهِ غيرَ أنَّهُ لا ينقصُ من أجرِ الصَّائمِ شيءٌ» (رواه
الترمذي).
فالصيام يذكّر
الغني بحاجة الفقير، ويبعث في المجتمع روح التعاون والتراحم.
6- ضبط الوقت:
تُسهم العبادات
في تنظيم حياة المسلم، ويأتي الصوم في مقدمتها؛ إذ يرتبط بمواقيت محددة للسحور
والإفطار والصلوات، فيتعلم المسلم الانضباط، وإدارة يومه وفق أولويات واضحة، كما
يتيح له رمضان فرصة للاجتماع بأهله وأبنائه، وإعادة ترتيب حياته على أساس إيماني
متوازن.
7- الكرم والسخاء:
عن ابن عباس رضي
الله عنهما قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون
في رمضان، حين يلقاه جبريل، وكان جبريل يلقاه في كل ليلةٍ من رمضان فيدارسه
القرآن، فالرسول الله صلى الله عليه وسلم حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح
المرسلة» (أخرجه البخاري)، وقال: «ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان فيقول
أحدهما: اللهم أعط منفقاً خلفاً، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلفاً» (متفق
عليه).
ومن أعظم صور
الجود في هذا الشهر ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم: (وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ
مِنَ النَّارِ، وَذَلِكَ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ) (رواه الترمذي).
اقرأ أيضا
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً