8 أخطاء شائعة في فهم «الستر»
بعض المفاهيم
والقيم حين يساء استخدامها أو قراءتها بشكل جزئي، قد تتحول من أدوات إصلاح إلى
ذرائع للتجاوز والانحراف عن القيمة ذاتها، ومن هذه القيم، قيمة الستر في الإسلام،
والتي تمثل قيمة أخلاقية عالية إن هي استخدمت بضوابطها الشرعية السامية، وهي تمثل
ركيزة أساسية في حفظ كرامة الإنسان وصيانة وتماسك المجتمع، وفي ظل ما يدور على
الساحة العالمية من فظائع أخلاقية يندى لها جبين الإنسانية خجلا وعجبا، وفي ظل ما
يدور على الساحة المحلية في التعامل مع الإعلام الرقمي وثقافة (الفضائح السريعة)،
بات تصحيح مفهوم الستر واجب الوقت وضرورة أخلاقية ونفسية واجتماعية في آن واحد،
والستر في الاصطلاح هو: إخفاء ما ينبغي إخفاؤه، والتنزه عن الرغبة في إظهار
العورات، أو إبداء العيوب، أو كشف المحرمات(1)، وللخروج من فخ الفهم
الخاطئ في تطبيق معنى الستر، نعرض لثمانية أخطاء في فهم الستر يقع فيها الكثير من
المسلمين، وذلك لتجنب الوقوع فيها
1- الخلط بين الستر والتستر:
والستر من أكثر
القيم الأخلاقية التي حث عليها الإسلام، واتخذ سبل وإجراءات لدعم ذلك، فمن أجله
شرع حد القذف لمحاسبة من يطلق لسانه في أعراض المسلمين، وحدد إثبات الزنا بأربعة
شهود، وهو الأمر الذي يصعب تحقيقه على أي مدعي، وجعل التجسس على المسلمين من أصحاب
المعاصي، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا
تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ
لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ
رَّحِيمٌ) (الحجرات: 12)؛ قال الغزالي: ومعنى التجسس ألا يترك عباد الله تحت ستر
الله، فيتوصل إلى الاطلاع وهتك الستر حتى ينكشف له ما لو كان مستورا عنه كان أسلم
لقلبه ودينه(2).
والستر محمود في
الزلات الخاصة، لكنه محرم إذا أدى إلى استمرار الظلم أو ضياع حقوق الخلق، ولذلك
فمن أخطر الانحرافات الأخلاقية التي يمكن أن تقع، اعتبار الستر مبررا لإخفاء جرائم
أو حماية المعتدين، خاصة إذا تعلق الأمر بحقوق الناس أو الأمن العام، ولذلك فقد
غلظ الشرع عقوبة من يجاهر بالمعصية، حيث إنه لم يستر على نفسه وتجرأ على إعلانها،
أي أنه ممن يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، فيقول النبي صلى الله عليه
وسلم: «كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملا،
ثم يصبح وقد ستره الله عليه، فيقول: يا فلان، عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات
يستره ربه، ويصبح يكشف ستر الله عنه» (رواه البخاري، ومسلم).
2- اعتبار الستر صمتاً عن المنكر:
حيث يظن البعض
أن من الستر أن يترك النصيحة أو تجاهل الخطأ بلا توجيه، بينما في الحقيقة أنه أدعى
لتقديم النصح، والقيام بمهمة المسلم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهو من
مقتضيات ستر المسلم ليرتدع عن إساءته ويتخلى عن معصيته، وقد فرق ابن حجر بين محل
الستر والإنكار، قال: والذي يظهر أن الستر محله في معصية قد انقضت، والإنكار في
معصية قد حصل التلبس بها، فيجب الإنكار عليه، وإلا رفعه إلى الحاكم، وليس من
الغيبة المحرمة، بل من النصيحة الواجبة(3)، والأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر هو مهمة المسلم في كل وقت، ليس من المباح أن يتخلى عنها، وإلا فإنه يتخلى
عن واجب الأمة الذي وجدت من أجله، فقال تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ
تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّه)
(آل عمران: 110)، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الدين النصيحة» (رواه
مسلم).
3- تحويل الستر كأداة للتخويف من قول الحق:
وفي بعض الأحيان
يساء مفهوم الستر لإسكات الشهود أو تبرير السكوت عن الفساد، بينما القرآن في توازن
عجيب لخص الأمر في جملة واحدة، قال تعالى: (لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَن
ظُلِمَ) (النساء: 148) فحين يتعرض الإنسان للظلم، أو يتوقف على شهادته
استرداد حق لأحد، فعليه أن يتكلم بالحقيقة، طالما أن الأمر يتعلق بالحقوق، ونصرة
المظلوم، وتحقيق العدالة، ورد المظالم.
4- اعتبار المجاهرة بالخطأ نوعاً من الصراحة:
والبعض تحت
ادعاء الصراحة والشفافية والتحضر يتحدث بما ستره الله عز وجل عليه، فيتبجح بمعصيته
ويروي للناس ما اقترفه، فيكون ممن يشيعون الفاحشة من حيث لا يدري وفي هذا يقول
الله تبارك وتعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ
الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا
وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (النور: 19).
5- التقليل من الأثر النفسي المدمر للتشهير والفضيحة:
ويلقي أحدهم
بالكلمة على صفحته في حق أحدهم مشهرا به، أو يعلق تعليقا غير لائق بكلمات تحمل
التأويلات مقللا من تأثير ذلك على نفسية من كتب في حقه، إن الأثر النفسي لضحايا
عمليات التشهير على وسائل التواصل الاجتماعي وغيرها من الوسائل تتجاوز التأثير
السلبي على أصحابها، وتتعداها إلى ذويهم من أبناء أو زوجات، أو آباء، خاصة إذا بين
هؤلاء مراهقين أو فتيات في عمر الزهور، منهم من يقع في الاكتئاب والعزلة
المجتمعية، وقد صار الهاتف في كل يد لا تعبأ بما تكتب، ولا تبالي بأثره.
6- استخدام الستر كذريعة لعدم محاسبة النفس:
بعض الناس يطلب
الستر لنفسه من الآخرين حين يوجهه أحدهم لترك المعصية، بينما هو يصر على عدم
التوبة أو مراجعة إيمانه، والله عز وجل يقول: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا
الْمُؤْمِنُونَ) (النور: 31)، ويقول تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ
تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ
وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) (التحريم: 8).
7- الظن أن الستر يعني تزييف الحقائق:
والستر لا يعني
قلب الباطل حقا، ولا تزوير الواقع، أو تضليل المجتمع، ومع أن الله عز وجل جعل الله
النميمة والغيبة من الكبائر، وقد ذمه في كتابه فقال تعالى: (أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ
أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ) (الحجرات: 12)، إلا أن قول الحقيقة إذا طلبت للشهادة واجب إذا كان
سيترتب عليها حقوق للغير، ولا يجوز فيها تبديل الحق بباطل تحت دعاوى الستر، ولكن
إذا كانت الشهادة مبنية على الشك والظن والتخمين، فالمسلم في هذه الحالة مأمور
بستر عيوب أخيه، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ومن ستر مسلماً ستره الله يوم
القيامة» (رواه البخاري).
8- الاعتقاد أن الستر ضعف أو مجاملة أخلاقية:
يظن بعضهم أن الستر مظهر ضعف، بينما هو في حقيقته قوة أخلاقية وضبط للنفس وحكمة في إدارة الخطأ، فمن القوة أن تحكم عقلك وضميرك حين تتعامل مع أخطاء الآخرين لمصلحته هو ليرتدع ويعود، يقول ابن القيم: فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد وهي عدل كلها ورحمة كلها ومصالح كلها وحكمة كلها(4)، والستر في جوهره ممارسة راقية للحكمة والقوة.
اقرأ أيضا
الهوامش
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً