اليوم العالمي للغة العربية..

«العربية» في المؤسسات الأكاديمية.. تشخيص الواقع ومفاتيح النهوض

د. كمال عبد البر

14 ديسمبر 2025

214

إذا أردنا أن نقوِّم واقع لغتنا العربية في المؤسسات التعليمية، فلا بد من تقويم أهم محاور العملية التعليمية لأي تخصص؛ وأحسب أن أهم هذه المحاور أربعة، لا تحصر العملية التعليمية وإنما تمثل أهمها، وهي: الرغبة والإقبال، والمحتوى والمنهج، والطالب والمعلم، ووسائل التقويم.

المحور الأول: الرغبة والإقبال.. بين جذور الحب وتهديدات التراجع:

لا ريب أن التميز في دراسة أي تخصص يحتاج أول ما يحتاج إلى حُبٍ ورغبة وإقبال من الدارس، وقد ارتبطت اللغة العربية بالقرآن الكريم، فغرس الله حبَّها في قلوب المسلمين كوسيلتهم إلى فهم كتاب الله.

وقد تجد من أبناء الديانات الأخرى من يعشق تلك اللغة ويحرص على دراستها، مثل ناصيف اليازجي، المسيحي الكاثوليكي اللبناني، الذي نَبغَ في الشعر، وأَلمَّ إلماماً دقيقاً بالمعارف العربية، وألَّف فيها، وكان معتزاً بالثقافة العربية ومتعصباً للعربِ ولغتِهم، ورفض أن يتعلم لغة أجنبية لأنه يراها أفضلَ اللغاتِ، وقد بلغ حبه أن كتب مجموعة مِنَ المقامات يُحاكي فيها مقامات الحريري، أسماها «مَجمَعُ الْبَحْرَيْنِ»، يريد بهما النظْم والنثر.

تراجع الإقبال.. «الفرانكو آراب» وفتور سوق العمل

تشهد كثرة المتخرجين في كُليات اللغة العربية ومعاهدها على مستوى العالم العربي والإسلامي على حجم الحب والإقبال، ولكن هذا الحب بدأ يتراجع أو يقل، ومن أسباب ذلك:

  • خطر وسائل التواصل وانتشار استخدام ما يسمى لغة «الفرانكو آراب» بين الشباب؛ وهو ما يهدد قدرتهم على التعبير بلغتهم.
  • تأثير سوق العمل والتراجع الملحوظ في إقبال طلاب العلم على دراستها بسبب زهْد سوق العمل في خريجي كليات اللغة العربية، حتى المتميزين منهم.

التصورات الخاطئة.. لغة صعبة لا تناسب العلوم

تطارد اللغة العربية تصورات خاطئة تضعف قيمتها في نفوس الأجيال الناشئة:

  • الصعوبة: اتهامها بأنها لغة صعبة في تعلمها، وهي تهمة غير مسلّمة؛ فاللغة الصينية قد تكون أصعب، لكن تقدم الصين الحضاري صار عاملاً مهماً في الإقبال عليها.
  • عدم الملاءمة العلمية: اتهامها بأنها لغة غير مناسبة للعلوم التجريبية (الفيزياء، الطب..)، وهي تهمة باطلة، فقد كانت لغة هذه العلوم يوم كان المسلمون أصحاب نهضة.

حبُّ اللغة تراجع.. وسوق العمل تزهد بخريجي العربية

إن اللغة والحضارة متلازمتان، ولا مغنى للمسلمين عن النهوض الحضاري لاسترداد مكانة لغتهم، فاللغة لا تضيق برؤية، وإنما تضيق قدرات مستخدميها، وكما قال حافظ إبراهيم:

وَسِعْتُ كِتَابَ اللهِ لَفْظاً وَغَايَة            وَمَا ضِقْتُ عَنْ آيٍ بِهِ وَعِظَاتِ

فَكَيْفَ أَضِيقُ اليَوْمَ عَنْ وَصْفِ آلَةٍ     وَتَنْسِيقِ أَسْمَاءٍ لِمُختَرَعَاتِ

أَنا البَحْرُ فِي أَحْشَائِهِ الدُرُّ كَامِنٌ        فَهَل سَاءَلُوا الْغَوَّاصَ عَنْ صَدَفَاتِي

المحور الثاني: مناهج العربية بين مزاحمة الأجنبية وضعف المحتوى:

ثمةَ تحوّلٌ كذلكَ في مقررات اللغةِ العربية ومناهجها في المؤسسَاتِ التعليميّة، ولعل من مظاهره:

1- مزاحمة اللغات الأجنبية في التكوين الأوَّلي: أخطر ما يواجه الناشئة أن مقررات اللغات الأجنبية أصبحت تُزاحِمُ مقرر اللغة العربية بدءاً من مراحل التعليم الأولى (الابتدائية وما قبلها)، وهذا خطر عظيم؛ لأن هذه السنوات سنوات التكوين اللغوي، ولا يحسن أن تُزاحِمَها اللغةَ الأمَّ فيها لُغةٌ أَجْنِبيّةٌ؛ فَقَدْ تمخضت تلك المزاحمَة عَن أجيال تُحسِنُ التحدَّثَ باللغَاتِ الأَجنبيّةِ، وَلَكنَّهَا لا تحسن تقيم جُمْلَة عَربيَّة صَحِيحَة.

مناهج ضعيفة ومذكرات للتكسب بدلاً من عمق العلم

2- المدارس الدولية (مدارس اللغات): تُهمَّشُ فيها اللغة العربية؛ ما يُنتج أجيالاً تؤكد المفارقة الساخرة: عَجمٌ في العَربِيَّةِ، وَعَرَبٌ فِي الأَعْجَمِيّةِ! (د. فتحي جمعة، اللغة الباسلة)، وهذه المدارس تربة خصبة لاستنبات مشاعر الاستعلاء والانسلاخ من الأمة.

3- تراجع مستوى المناهج المتخصصة: في الكليات المتخصصَةِ للغَة العربية، ضعفت مناهجها ضعفاً ملحوظاً مقارنة بما درسَتْهُ أجيَالٌ سَابِقَةٌ في عهد الأصالة والتدقيق حيث كان أستاذ الجامعة يُعِدُّ المحتوى التعليمي على مُكث، ويعطيه حقه من المراجعة والتدقيق.

والآن أصبحنا في عهد التسرع والتربح؛ حيث غلبت المذكرات الطلابية التي تُعَدُّ على عَجلٍ، ويهدف بها كثير من الأساتذة إلى التربح لا العلم، ومن ثم تخرج فقيرة في محتواها، تعتمد على النقول أكثر مما يتضح فيها عقل كاتبها وشخصيته، وفي مِثْلها يُستَحضَرُ قَوْلُ مصطفى صادق الرافعي: «وَلَا أَقْبَحَ مِنْ كِتَابٍ تُستَعْرَضُ فِيهِ العُقُولُ، وَتُتَصَفَّحُ الآرَاءُ إِلَّا عَقْلَ صَاحِبِهِ وَرَأْيَهُ» (تحت راية القرآن، ص 62).

إن التراجُعَ في مستوى المقررات العلمية محزن؛ لأن الأصل هو أن تزداد تلك المقررات عمقاً وأصالة، وهذا التراجع الملحوظ يُفسِّرُهُ التحول الواضح في طبيعَة الطَّالب والمعَلِّم.

المحور الثالث: الطالب والمعلم.. بين وسائل التواصل وتحقيق المادة:

إنَّ دراسة الواقع وتقويمه تحملنا على مقارنته بالأمس سواء للطالب أم المعلم، فطالب الأمس كان محباً للكتاب، شغوفاً به، ولم يكن يكتفي بالمقررات الجامعية، بل كان مقبلاً على كتابات الأدباء والمفكرين (كالرافعي، والعقاد، ومحفوظ) لتنمية تكوينه اللغويِّ والمعرفي، أما طالب اليوم فألهتْه وسائل التواصل الاجتماعي عن هذا التكوين الذاتي، وصحيح أن تلك الوسائل لا تخلو من معارف، ولكنها معارف يختلط فيهَا الغث بالسَّمين، وقليل من يعرف حقَّها مِنْ باطِلِهَا.

وليس الطالب مسؤولاً وحده، فمعلمو اللغة العربية يتحملون نصيباً من المسؤولية:

  • فالمعلم: أثر حِرْصُ بعضِهم على الكسْبِ المادِّي تأثيراً سلبياً على أداء واجبات الرسالة.
  • والأستاذ الأكاديمي: طاردت المشكلات الفنية والإدارية والمالية أساتذة اللغة العربية، وحملهم الاحتِيَاجُ الْمَادِّيُّ على كتابة مذكرات خفيفة في وَزْنِهَا العِلْمِيِّ لأن غايتَها التربح.

اللغة والحضارة متلازمتان.. نهوض الأمة يعيد مكانة اللغة

ولم يكن أستاذُ الأمس يفعل ذلك؛ فقد كانَت كتُبهم الأكاديميةُ هِيَ ذاتها الكتبَ المقررة على الطلابِ، وكان في دخلهم ما يغنيهم عن اتخاذ المذكرة الجامعية وسيلة للكسب أو التربح، ناهيك بأن أساتذة اليوم يكتبون لطالب لا يصبر على القراءة والاطلاع، وما يستلزمه العلم من تدبر وتحليل، ولكنه يسعى إلى معلومة جاهزة أو سريعة لا تكلفه عناءً أو جهداً، ومثل هذا الطالب لا تناسبه إلا المذكرات الموجزَةُ التي تقنع من العلوم بقُشُورِهَا!

المحور الرابع: وسائل التقويم وخطر «البابل شيت»:

ينبغي أن نؤكد تداخل هذه المحاور وتأثر بعضها ببعض، ومن ثم فإن ضعف الإقبال والمحتوى مفضٍ ولا ريب إلى ضَعْف التقويم، بخاصة بعد أن ظهر ما يُعرف بـ«البَابل شيت» (ويسميه د. حسن شحاته: نظام الورقة الفقاعية)؛ وهو عبارة عن ورقة تتضمن أسئلة موضوعية في ثلاثة أشكال وهي: اختيار من متعدد، وصواب أو خطأ، وأكمل الفراغات، ومن مساوئه:

  • التأثير السلبي: يؤثر هذا التقويم على التحصيل العلمي للطلاب بوجه عام؛ لأنه يحمل الطالب على التخمين في اختيار البدائل أكثر مما يحمله على الفهم والتدبر.
  • قصوره في العلوم الإنسانية: هذا التقويم لا يقيس كل جوانب التحصيل؛ فلا يقيس قدرة الطالب على تنظيم أفكاره، ولا قدرته على النقد والتقويم.
  • خطره على اللغة العربية: قد يُقبَلُ في العلوم التي لَا تحتاج إِلَى تَعبِير وإبداع لغوي (كالرياضيات)، أمَّا في مجال اللغة العربية (والعلوم الإنسانية) فإن حاجة الطالب فيها إلى التعبير مُلحة، وإلا فنحن ننتج أجيالاً بكماء تجيد تظليل الدوائر، ولا تحسن التحدَّث بالفصحى.
  • «البابل شيت» يصنع أجيالاً بكماء لا تحسن الفصحى

    تلك بعض الأخطار التي تُهدّدُ دراسة اللغة العربية في مؤسساتنا التعليمية؛ ما أردنا بِهَا الاستقصاء، بقدر ما أردنا أن نلفت الأنظار إلى خطر يُهدِّدُ لُغتنا؛ فيهدد هويتنا، ولا مَغْنَى لَنا مِن تَضافر الجهود كي تستعيد لغتُنا العربية صدارتها.

    أما خطوات الاستدراك فهي:

    • رعاية الطلاب النابهين: بتوفير ما يكفيهم مؤونة العيش، ويُساعدهم على الدراسة والتحصيل.
    • رعاية العلماء: كي يتفرغوا للعطاء والتطوير.


    اقرأ أيضا:

     - الأثر الخالد.. القرآن الكريم حارس العربية وسيد بلاغتها

     بين البلاغة والفصاحة.. جدل الائتلاف والاختلاف

    الرابط المختصر :

    تابعنا

    الرئيسية

    مرئيات

    جميع الأعداد

    ملفات خاصة

    مدونة