بلسان عربي مبين (5)
الأثر الخالد.. القرآن الكريم حارس العربية وسيد بلاغتها
بعد الحديث في هذه السلسلة عن عروبة القرآن ومرامي التعقل والإنذار، وكذلك الحكمة من اختيار الله تعالى للعربية لتكون لغة كتابه، وما أثير حول هذا الأمر من شبهات تتعلق بعالمية الإسلام وتعرضها مع محلية لغة الضاد، نتناول في هذه الحلقة الأثر القوي الذي أحدثه القرآن الكريم في اللغة العربية، وما الذي استفادته اللغة من حملها لكتاب الله تعالى؛ حيث حفظها بحفظ الله تعالى له، كما كان له دور كبير في تطويرها وزيادة الاهتمام بها؛ حيث اتجه الباحثون والمختصون في كل العصور صوب لغة كتابهم دراسة وبحثاً وكشفاً لوجوه الإعجاز والبلاغة فيها.
وبالإضافة إلى
ما سبق، فإن نزول القرآن الكريم باللغة العربية كان حدثاً مفصلياً لم يغيّر مسار
العقيدة والتشريع فحسب، بل أحدث ثورة جذرية ودائمة في بنية اللغة العربية ذاتها،
مانحاً إياها خلودًا وقوة لم تحظَ بهما أية لغة أخرى؛ حيث كان القرآن الكريم -بحد
ذاته- وثيقة حفظ اللغة ومرجع توحيدها، وقمة إعجازها البلاغي، وسفيرها الحضاري إلى
العالم، على النحو التالي:
أولاً: القرآن وحفظ البنية اللغوية وتوحيدها:
كانت اللغة
العربية قبل الإسلام مقسمة بين لهجات قبلية متفرقة، يسودها تفاوت في المفردات
والقواعد؛ ما كان يهددها بالتشتت، لكن مع نزول القرآن، اتخذت اللغة مساراً
توحيدياً حاسماً، وقد لخص د. عبدالصبور شاهين هذا الأثر في نقاط جوهرية:
1- توحيد اللغة وفرض الفصحى:
بمجرد نزول
الوحي، «تشبث العرب جميعًا باللغة الفصحى؛ لأنها لغة الوحي والعقيدة»، لم يعد
الأمر اختيارياً، بل أصبح لسان قريش، الذي نزل به الوحي، هو المعيار الأوحد
للفصاحة، هذا التشبث أدى إلى انحسار اللهجات.
ويوضح شاهين ذلك
بقوله: «إن اللهجات العامية اقتصرت على حيز ضيق جدًا من ممارسة الحديث الخاص بين
الأفراد، مع اتساع مجالات استخدام الفصحى القرآنية»(عربية القرآن، ص78).
2- الخلود وديمومة الاستعمال:
حقق القرآن للغة
ما لم تحققه لها الطبيعة الزمنية؛ فقد أثبت شاهين أن «مرور الزمن وتتابع الأجيال
لم يكن له تأثير على بقاء اللغة العربية الفصحى إلا مزيداً من تفاعلها مع القرآن؛
بحيث بقيت لغة الأمة العربية بخلود القرآن»، حيث إن هذا التفاعل الدائم مع النص
المؤسس ضمن للغة العربية الاستمرارية والثبات، خلافاً للغات الأخرى التي تتعرض
للتحول الجذري مع مرور القرون.
3- ولادة علوم التقنين:
فرضت الحاجة إلى
فهم القرآن فهماً سليماً وضبط قراءته بعيداً عن اللحن ضرورة وضع القواعد، وهنا
يكمن الأثر الأهم؛ حيث لم تكن قواعد النحو والصرف لتُدون بهذا الشكل المنهجي
والعميق لولا خدمة المصحف الشريف؛ فجهود أعلام النحو الأوائل كانت مدفوعة بالحرص
على سلامة النص القرآني، وبذلك، حفظ القرآن الأبنية اللغوية وصانها من الاندثار.
ثانياً: الأثر البلاغي والجمالي:
لم يحفظ القرآن
اللغة كأداة فحسب، بل رفعها إلى مستوى كبير من الإعجاز؛ فقد كان التحدي بالإعجاز
البياني السبب المباشر لتأسيس علوم البلاغة العربية وتطويرها، على النحو التالي:
1- نشأة علوم البلاغة والإعجاز:
لقد ألهمت دراسة
النظم القرآني الفريد علماء البلاغة مثل الجاحظ، وعبدالقاهر الجرجاني، وغيرهما،
لوضع أسس علوم المعاني والبيان والبديع؛ فالقرآن هو النموذج الذي يُقاس عليه كل
كلام، وبذلك أصبحت اللغة العربية، بفضل القرآن، لغة ذات تقنيات تعبيرية متفوقة
ودقيقة.
2- جمال النظم والإيقاع:
يتميز أسلوب
القرآن بخصائص فريدة لا تُضاهى، من بلاغة الإيجاز، والقدرة على التعبير عن المعاني
العميقة بأقل عدد من الكلمات، إلى الفواصل القرآنية التي تمنح النص إيقاعًا
صوتيًّا مميزًا مختلفُا عن زمزمة الكاهن وسجعه، ورجز الشعر وهزجه وقريضه ومقبوضه
ومبسوطه، ونفث السحار وعقدهم (كما أقر أحد أساطين البلاغة رغم كفره وهو الوليد بن
المغيرة)؛ وهو ما يؤثر في الوجدان والسمع، ويضع معياراً أسلوبياً رفيعاً للكاتب
العربي.
ثالثاً: الأثر الحضاري والعالمي:
الأثر الأكبر
والأعمق للقرآن تحويل اللغة العربية من مجرد لغة قومية إلى لغة عالمية للحضارة
والعلوم، من خلال:
1- التدويل والانتشار العالمي:
بفضل القرآن،
تجاوزت اللغة العربية حدود جزيرة العرب، وهذا ما سماه د. عبدالصبور بـ«النصر الذي
حققه القرآن للعربية على مستوى عالمي»، موضحاً أن «نطاق اللغة العربية قد اتسع
بحيث امتد إلى كل المسلمين في أنحاء العالم؛ فهم يقرؤون القرآن بالعربية، ويتعبدون
بحروفه ويتخذون طريقة كتابته وسيلة لتسجيل لغاتهم، وهذا في حد ذاته نصر حققه
القرآن للعربية على مستوى عالمي» (عربية القرآن، ص78)، لقد أصبحت العربية اللغة
المشتركة لأمم متعددة الأعراق، وهو ما جعلها لغة علم وحضارة عالمية عابرة للقارات.
2- الصلاحية العلمية والحضارية:
الأثر الذي
يعتبره شاهين الأهم هو أن «آية القرآن اللغوية إعلان عن صلاحية اللغة العربية
علمياً وإنسانياً لحمل وترشيد مفاهيم الحضارة، والتعبير عنها مهما يكن مستواها؛
لأن اللغة التي تتسع للقرآن وآياته بهذا الاقتدار البالغ لا بد أن تكون أقدر على
التعبير عن أي مستوى من مستويات تقدم الإنسان عبر كل العصور» (عربية القرآن، ص78).
إن هذا الإعلان
أسس لقرون من الازدهار العلمي، حيث أصبحت العربية لغة الطب، والفلك، والرياضيات،
والفلسفة، واستوعبت المصطلحات المعقدة بفضل مرونتها التي أثبتها القرآن.
وهكذا نجد أن
اللغة هي التي استفادت من القرآن وليس العكس، وهي التي حُفظت بالقرآن وليس العكس.
إن هذه الخلاصة
الموجزة تؤكد حقيقة العلاقة بين القرآن الكريم واللغة العربية؛ فقد كان القرآن القوة
الدافعة والضمانة الإلهية التي حفظت اللغة العربية من التشتت والاندثار، ونظمت
قواعدها، ورفعت من مستواها البلاغي، ودفعت بها لتكون لغة الحضارة العالمية، مؤكداً
أنها ستبقى بخلود القرآن لغة الأمة والوحي إلى قيام الساعة.
اقرأ في
هذه السلسلة:
عروبة القرآن.. دلالة البيِّنة ومرامي التعقُّل والإنذار
الحكمة من اختيار الله تعالى اللغة العربية لتكون لغة القرآن
الكريم
جدل الكلمات الأعجمية والدخيلة في القرآن الكريم
هل تتعارض عروبة القرآن مع عالمية
الإسلام؟