«الملثم» خلف كواليس الكوفية
لم نشهد عليه
الثراء، أو نرى حتى ملامحه التي أخفيت سنوات طويلة خلف الكوفية الحمراء المتوشحة
بالربطة الخضراء على جبينه التي كتبت عليها باللون الأبيض «لا إله إلا الله محمد
رسول الله».
اسمه أيضاً كان
لا يعرفه معظم أهل الأرض، لكن الله تعالى يعرفه، إلا أن كنيته «أبو عبيدة» كانت
ترعب الاحتلال، وكل من عاونه وخذل غزة.
العلم والجهاد
الشهيد حذيفة
سمير الكحلوت، الذي اشتهر اسمه بعد نبأ استشهاده، فقد كان ملثماً بالكوفية، وكانت
أعداد محدودة من تعلم ملامحه واسمه، فشهرة أبي عبيدة كانت كوفية اسمه الحقيقي،
وكذلك كنيته الحقيقية بـ«أبي إبراهيم».
كان يسير على
علم بأصول العقيدة السليمة التي قادته في طريق الجهاد منذ سنوات شبابه الأولى أو
الأصح منذ طفولته، فكيف «لا» وهو الشاب الذي تربى بأحضان عائلة تحب القرآن
وتلاوته، وتربط آيات الجهاد فيه بالتطبيق العملي في ساحة الميدان.
وكان من قبله
خاله القائد في حركة المقاومة الإسلامية (حماس) الخطيب والداعية والمجاهد الشهيد د.
نزار ريان، الذي كان يجمع بين العلم والجهاد.
وكما يقال في
المثل: «ثلثين الولد لخاله»، وقد يكون أكثر من ذلك.
أبو عبيدة.. حافظ القرآن
اتصف أبو عبيدة
كنيته التي ارتبطت بالصوت الذي زلزل الاحتلال سنوات طويلة، منذ طفولته، بأنه كان
ذكياً، سريع البديهة، يقظ الروح، ذكي القلب، طيباً مطياباً، يألف ويؤلف، قليل
الكلام، لكنه إذا تكلم أفصح، خفياً لا تكاد تعرف دواخله، لكنه إذا ظهر أبهر.
حفظ القرآن منذ
صغره وتشرب معانيه من والديه، وتربى على موائده مع إخوانه، وكان متفوقاً في كل
مراحل دراسته إلى أن حصل على درجة الماجستير بعنوان «الأرض المقدسة بين اليهودية والنصرانية والإسلام»، وقد التحق ببرنامج الدكتوراة لكن انشغالاته حالت دون إتمام
الرسالة.
ورغم انشغاله
بالجهاد، فإنه كان مجتهداً في دراسته الجامعية، فورقة إجابة الامتحان في مادة
مناهج المحدثين التي ما زال أستاذه رأفت نصار يحتفظ بها منذ 20 سنة وبالتحديد منذ
أن عرف أن هذه الورقة التي تحمل اسم الطالب المجتهد الذي حصل على علامة كاملة
حذيفة الكحلوت، هو نفسه أبو عبيدة، شاهدة على ذلك.
الجوع والنزوح
أبو عبيدة
وعائلته لم تكن لهم امتيازات في الحرب؛ أي أنهم كانوا مثل أهالي غزة في معاناتهم
من القصف والجوع والنزوح والعيش داخل خيمة صنعت يدوياً من شوادر لا تحمل أي شيء من
الرفاهية أو المتانة التي تمنع المطر الدخول إليها.
جسده كان واضحاً
عليه المجاعة، فقد كان يختلف من كلمة وأخرى كانت تنقل في الحرب على شاشات التلفاز.
في المجاعة كذلك
كان طفله يمان يشتهي رغيف خبز مثله مثل أطفال غزة.
فقد تساءل نجله
الناجي الوحيد من مجزرة عائلته إبراهيم ذات (15 عاماً): كيف لي أن أسامح من كان
سبباً في صراخ أخي الشهيد الصغير يمان من الجوع أيام المجاعة وهو يقول لي: أريد
خبزاً وأنا لا أستطيع فعل شيء كباقي سكان قطاع غزة؟!
وما زالت
كلماته: سامحني يا أخي؛ لأني لم أحضر لك الخبز يومها، ولكنك الآن في نعيم مقيم إنك
من أصحاب الجنة الذين هم في شغل فاكهون.
وكما تربى حذيفة
على موائد القرآن منذ طفولته، فقد أورث أولاده ذلك عبر كلمات نجله: «شكرا لك يا
أبي أنت وأمي، لقد ربيتموني على حفظ القرآن فحفظت أنا وأخواتي القرآن كاملاً، ولقد
فقهتموني في الدين وأريتموني طريق العز والكرامة والجهاد، وعلمتموني أن هذه الحياة
فانية، وأن الدار الآخرة باقية، إن فقدكم لا يطاق لكن لا نقول إلا ما يرضي الله:
إنا لله وإنا إليه راجعون، وحسبنا الله ونعم الوكيل».
ورغم أن إبراهيم
كان معهم، وملتصقاً بشقيقه يمان الذي استشهد، وهو يمسك بيده، لكن كتب الله له
البقاء، فكان الناجي الوحيد للعائلة، لعله يكون يوماً من الأيام أبا عبيدة بكنية
والده قائد الإعلام العسكري، والمتحدّث باسم «كتائب الشهيد عزّ الدين القسَّام»، ويعلن
من القدس تحرير المسجد الأقصى بطوفان جديد يكمل طوفانه الأول.