«سامح لوجه الله».. تكافل فلسطيني رغم الاحتلال!

إحراق دفاتر وقيود الديون تعبيراً عن التسامح والتكافل الاجتماعي في فلسطين

قد تبدأ فكرة عظيمة بكلمة عابرة، لكن أثرها قد يمتد أجيالاً، وهو ما تجسد في قصة الإمام محمد بن إسماعيل البخاري، صاحب «صحيح البخاري»، حين سمع من شيخه إسحاق بن راهويه كلمة اقترح فيها جمع كتاب في سُنة النبي صلى الله عليه وسلم، فوقعت الفكرة في قلبه، ومضى بعدها في جمع الأحاديث الصحيحة على مدى نحو 16 عاماً.

ومنذ ذلك الحين، ظل «صحيح البخاري» حاضراً في حلقات العلم والكليات الشرعية والبحوث الإسلامية، شاهداً على أن الكلمة الطيبة قد تتحول إلى عمل عظيم يمتد أثره إلى أجيال متعاقبة.

فالحكاية أحياناً تبدأ بكلمة؛ كلمة واحدة تجد طريقها إلى القلب، ثم تتحول إلى بذرة خير.

لا تحبس فكرة الخير

ما أعظم الكلمة الطيبة حين تتوج بعمل! فلا ينبغي لفكرة خير أن تبقى حبيسة الذهن، من دون أن تجد طريقها إلى الواقع.

تخيل مزارعاً يحمل سلة كبيرة من البذور، ثم ينثرها في الأرض برفق وعناية؛ قد لا يرى لحظة إنباتها، وربما لا يشهد الشجرة وهي تكبر أو ثمارها وهي تنضج، لكنه يعلم أن ما زرعه لن يضيع.

وهكذا هو عمل الخير؛ قد لا يشهد الإنسان جميع آثاره، لكنه يرجو أجره عند الله، مصداقاً لقوله تعالى: (وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى) (الأعلى: 17).

فكرة صغيرة قد تتحول إلى عمل يخفف عن إنسان كربة، أو يعيد إلى أسرة شيئاً من الطمأنينة، أو يفتح أمام محتاج باباً لم يكن يتوقعه.

«سامح لوجه الله».. حين تتحول الفكرة إلى تكافل

من هذه الفكرة انطلقت حملة «سامح لوجه الله تعالى» التي أطلقها الصحفي الفلسطيني علاء الريماوي، داعية إلى مسامحة المدينين الذين عجزوا عن الوفاء بما عليهم من ديون، في مبادرة حملت معنى إنسانياً وتكافلياً.

وانطلقت الحملة في الضفة الغربية، رغم الاحتلال والحواجز والظروف الصعبة، ولاقت ترحيباً وتفاعلاً، إذ بادر أصحاب حقوق إلى إسقاط مبالغ مالية عن أشخاص عجزوا عن سدادها.

وفي حالات مختلفة، تحولت الشيكات والأوراق التي تثبت المديونية إلى أوراق انتهت قيمتها بعبارة: «مسامح لوجه الله تعالى»؛ لتسقط معها أعباء مالية كانت تثقل أصحابها، وتفتح أمامهم باباً جديداً للأمل.

ولا تقف قيمة المبادرة عند إسقاط الدين من الناحية المالية، بل تمتد إلى جبر خاطر إنسان أنهكته المطالبات وأثقلت كاهله الالتزامات، ليصله خبر المسامحة في لحظة قد تغير الكثير في حياته.

فما أجمل أن يُبلَّغ إنسان كان الدين يؤرقه ويحرمه النوم بأن صاحب الحق قد سامحه وأسقط عنه ما عليه من مال، ابتغاء وجه الله.

من الضفة إلى غزة.. الخير لا تعوقه الحواجز

انطلقت الحملة من الضفة الغربية، ووجدت صداها في قطاع غزة، في مشهد يعكس أن التكافل لا تحده الجغرافيا، وأن الظروف الصعبة لا تلغي قدرة الإنسان على فعل الخير.

ورغم قسوة الظروف التي يعيشها سكان قطاع غزة، ظهرت حالات لمسامحة مدينين بديون متفاوتة، استجابة لفكرة «سامح لوجه الله تعالى»، بما يعكس حضور قيم التراحم والتعاون حتى في أشد الأوقات صعوبة.

فالوطن واحد، والإنسان الفلسطيني واحد، وفعل الخير يستطيع أن يعبر الحواجز التي تعجز الظروف عن إقامتها بين الناس.

الدين.. بين الحق والمسامحة

الدين من حقوق العباد التي تظل في ذمة المدين حتى الوفاء بها أو إبرائها من صاحب الحق، ولذلك فإن المسامحة بالدين تمثل باباً من أبواب الإحسان، خصوصاً عندما يكون المدين عاجزاً عن السداد.

وفي هذا الفعل تجتمع معانٍ عدة؛ إسقاط حق مالي، وتفريج كربة، وجبر خاطر، ومنح إنسان فرصة للتخلص من عبء أثقل حياته.

ومن هنا، فإن المسامحة لا تعني مجرد إسقاط مبلغ مالي، وإنما قد تكون سبباً في إعادة الطمأنينة إلى بيت، وتخفيف القلق عن أسرة، ومنح المدين فرصة لبدء صفحة جديدة.

سامح لوجه الله

ولأن الديون من الحقوق التي لا ينبغي التساهل فيها، فإن أصحاب الحقوق يملكون في المقابل باباً عظيماً من أبواب الخير حين يعفون ويسامحون، خصوصاً عن العاجزين والمحتاجين.

وتزداد أهمية ذلك عندما يتعلق الأمر بديون لأشخاص استشهدوا أو رحلوا؛ إذ تبقى الحقوق المالية قائمة حتى تُؤدى أو يعفو عنها أصحابها أو من يملك الحق في الإبراء عنها.

ومن هنا، يمكن أن تتحول عبارة «سامح لوجه الله تعالى» إلى رسالة إنسانية تتجاوز المال نفسه؛ رسالة تقول: إن الرحمة قادرة على تخفيف أعباء ثقيلة، وإن العفو قد يكون سبباً في تفريج كربة إنسان أنهكه الدين.

فكم من دين أرهق صاحبه، وكم من كلمة «مسامح لوجه الله» أعادت إلى قلبه الطمأنينة، وفتحت أمامه باباً جديداً للحياة.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة