إسلامية الصراع حول القدس وفلسطين.. طبيعة المشكلة (2)

إسلامية الصراع حول القدس وفلسطين.. طبيعة المشكلة (2)

إن مشكلتنا لم ولن تكون مع «اليهودية»، التي جاء بها موسى عليه السلام، فنحن المسلمين نؤمن باليهودية رسالة سماوية من رسالات السماء، بل لا يكتمل إيمان المسلم إلا إذا أمن باليهودية كمعلم من معالم طريق الدين الإلهي الواحد، وشريعة متميزة لبني إسرائيل.

ومشكلتنا ليست مع «توراة» موسى عليه السلام فقرآننا الكريم يعلمنا أنها تنزيل إلهي، فيها هدى ونور: (إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتَحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) (المائدة: 44).

ومشكلتنا ليست مع «الإنسان اليهودي»، فحضارتنا الإسلامية هي التي جعلت من تعددية الشرائع والملل والشعوب والقبائل والأمم والأجناس والألوان والألسنة واللغات والقوميات والمناهج والثقافات والحضارات سنة من سنن الله التي لا تبديل لها ولا تحويل.. ووضعت هذه السنة الإلهية في الممارسة والتطبيق قرونا طوالا، تمتع فيها اليهود بكنف الحضارة الإسلامية وأحضانها كما لم يحدث لهم في أي وطن من الأوطان أو حضارة من الحضارات، فأثروا وتأثروا، وفتحت أمامهم كل ميادين التفاعل الحضاري، حتى غدت فلسفتهم فرعاً من الفلسفة الإسلامية، ولاهوتهم متأثراً بعلم الكلام الإسلامي، وعروض شعرهم متأثرا بعروض الشعر العربي، وأجرومية عبريتهم متأثرة بأجرومية العربية.. فاستظلوا، لأكثر من عشرة قرون، بمظلة التعددية، في إطار الأمة الواحدة، وحراسة المبدأ الإسلامي: «لهم ما لنا، وعليهم ما علينا» الذي لم تصل إلى مستوى سموه حضارة من الحضارات الأخرى حتى الآن!

مشكلتنا ليست مع اليهودية الدين ولا مع التوراة وشريعتها ولا مع اليهود وإنما مشكلتنا هي مع «الصورة التلمودية لليهودية»(1)، تلك التي نسخت ومسخت توحيد اليهودية، فحولته إلى وثنية أحلت (يهوه) محل الله، ثم جعلته إلها لبني إسرائيل وحدهم، من دون الشعوب الأخرى، التي لها آلهتها المغايرة والمتعددة.

ومشكلتنا هي مع «اليهودية الصهيونية»، التي جردت اليهودية من عموم الدين، وجعلتها ذروة العنصرية، عندما عرفت اليهودي بأنه: هو المولود من أم يهودية وليس المتدين حقاً باليهودية الحقة.. فأصبح المولود من أم يهودية بحكم وحق «الولادة البيولوجية» «من شعب الله المختار»، حتى ولو كان ملحدا، أو ابن زنى!

ومشكلتنا كذلك هي مع «المشروع الصهيوني»، الذي تبنى أو استثمر عنصرية «اليهودية التلمودية»، ووظف إمكانات الجماعات اليهودية في الشراكة التي دعت إليها الإمبريالية الغربية، في مرحلة زحفها الاستعماري الحديث على وطن العروبة وعالم الإسلام لأن هذا المشروع الصهيوني، ذو طبيعة استيطانية، تناقض وتنفى الوجود الوطني والعربي والإسلامي في فلسطين وما حولها، وذو وظيفة إمبريالية غربية، تجعل من الكيان الصهيوني جسماً غربياً وغريباً، مزروعاً بالقسر في قلب وطن أمتنا، يقطع وحدة أرضها، ويجهض محاولات نهوضها، ويتصدى بالعداء لصيغة يقظتها، قومية تلك الصيغة أو إسلامية.

فنحن بإزاء مشروع استيطاني غربي النشأة والطبيعة والمقاصد تبلور أول ما تبلور في «اللاهوت البروتستانتي» الغربي انطلاقاً من الفكر الأسطوري حول «رؤيا يوحنا» وعودة المسيح عليه السلام ليحكم الأرض ألف سنة سعيدة بعد معركة «هرمجدون»، والذي جعل من جمع اليهود وحشرهم في فلسطين، وتهويد القدس، وإقامة الهيكل على أنقاض المسجد الأقصى أي جعل من تحقيق العلو والهيمنة الصهيونية دينا يتدين به البروتستانت في الغرب، ثم حدث التبشير بهذا المشروع الديني بين الجماعات اليهودية فتلقفته الصهيونية كحركة قومية عنصرية والإمبريالية الغربية إبان زحفها على الشرق الإسلامي، وبحثها عن أقليات توظفها كمواطئ أقدام في المشروع الاستعماري(2).

الهوامش
  • 1 هو الشروح الدينية والدنيوية الجامعة للتراث اليهودي، والذي دونه الحاخامات على امتداد نحو خمسمائة عام، فعكس نفسية الشتات وأحقاد اليهود على الأغيار، ومثل الفكرية الانعزالية للجامعات اليهودية أي فكرية اليهودية الأرثوذكسية على وجه التحديد وكما تم تدوين التلمود في قرون عديدة، فلقد تنوع أيضاً باختلاف أماكن التدوين.. فمنه: التلمود البابلي، والتلمود الأورشليمي.
  • 2 المصدر: كتاب «إسلامية الصراع حول القدس وفلسطين».
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة