الغش الجماعي.. أزمة ضمير أم خلل في النظام التعليمي؟

عامر شماخ

14 أغسطس 2025

502

الغش الجماعي.. أزمة ضمير أم خلل في النظام التعليمي؟

مع انتهاء امتحانات آخر العام الدراسي في عدد من البلدان العربية، تبرز على السطح قضية «الغش الجماعي»، التي باتت في تطور لافت، رغم تعزيز الإجراءات الرقابية والعقابية ضد الطلاب المتورطين؛ وذلك لارتدائها ثوب التكنولوجيا الحديثة. وتعد هذه الظاهرة من التحديات الخطيرة التي تواجه المنظومات التعليمية العربية؛ حيث تهدد القيم التربوية، وتعكس فشلًا بنيويًّا يتطلب إصلاحًا جذريًّا عاجلًا.

لقد فضحت –في صيف هذا العام- منصّات وحسابات «وسائل التواصل الاجتماعي» في إحدى الدول العربية هذه الظاهرة، بتداولها لعشرات من فيديوهات الغش خلال امتحانات الثانوية العامة، وتسريب الامتحانات قبل توزيعها على اللجان، ونشر قوائم تشير إلى حصول مئات الطلاب في بعض المدارس الثانوية (عُرفت بلجان أولاد الأكابر) على معدلات «امتياز»؛ ما يؤكد وجود ممارسات غش جماعي، ظهرت آثاره بوضوح في عجز هؤلاء الطلاب عن اجتياز امتحانات كليات القمة التي التحقوا بها.

دور التكنولوجيا في تفشي الظاهرة

غدتِ التكنولوجيا الحديثة و«السوشيال ميديا» من العوامل الرئيسة في تفشي ظاهرة الغش الجماعي، فلم يعد الغش تقليديًّا كما كان في السابق، إنما يتم الآن عبر أجهزة ذكية، مثل الكاميرات المتناهية الصغر التي تلتقط صور أسئلة الامتحانات وإرسالها إلى أي جهة، في الداخل أو الخارج، ومثل النظارات الذكية، والأقلام والساعات الإلكترونية، والسماعات اللاسلكية غير المرئية المزروعة داخل الأذن، ومثل الهواتف الذكية المربوطة بـ«الإنترنت» وتتيح للطالب الحصول على الإجابات بسهولة ويسر.

ونظرًا لضعف الرقابة الإلكترونية في بعض البلدان العربية، وعدم مواكبة الجهات التعليمية للتطورات التقنية، فإنه يسهل استخدام «وسائل التواصل الاجتماعي» في الغش الجماعي؛ فقد تُستخدم تطبيقات مثل «جوجل» و«وتس آب» و«تيليجرام» في عملية تبادل الأسئلة والإجابات بين الطلاب، وقد يتم تنسيق جماعي عبر مجموعات مغلقة، بما يشبه «التشكيل العصابي»، تتوزع فيها الأدوار بين أفراد المجموعة؛ لضمان سرعة الأداء وتأمين عملية الغش. وقد تطورت هذه الطريقة حتى صارت هناك مجموعات متخصصة تقوم بهذه الجريمة مقابل المال.

 

كيف تواجه الأسر صدمة الثانوية العامة؟ | مجلة المجتمع

كيف تواجه الأسر صدمة الثانوية العامة؟ | مجلة المجتمع
مجلة المجتمع الكويتية: منصة إعلامية رائدة تُعنى بالشأن الإسلامي وتقدم تقارير ومقالات تعزز الوعي الحضاري للأمة الإسلامية انطلاقاً من مرجعية إسلامية تجمع بين الأصالة والمعاصرة، وهي تابعة لجمعية الإصلاح الاجتماعي بدولة الكويت، وترفع شعار "مجلة المسلمين حول العالم".
mugtama.com
×


الآثار السلبية للغش الجماعي

تُعمّق ظاهرة «الغش الجماعي» مشكلة التعليم في البلاد، وتقوّض الثقة في العملية التعليمية، وما ينشأ عن ذلك من نشوء أزمات جديدة، وإهدار موارد مادية وبشرية كبيرة. ولا تقتصر آثارها السلبية على المنظومة التعليمية وحدها، بل تتعداها إلى المجتمع بأسره؛ حيث:

- ينعكس أثر هذا الغش في تعثر أو عدم قدرة الطلاب الذين استفادوا منه في الاستمرار في مسارهم العلمي، ولو أكملوا تعليمهم فستبدو آثاره من دون شك في انخفاض كفاءتهم الوظيفية.

- إهدار مبدأ تكافؤ الفرص، بحرمان المجتهد من حقه في التميز، وإعطاء البليد ما لا يستحق، وما ينتج عن ذلك من اضطرابات نفسية للمجتهدين، لفقدانهم الثقة بالنفس، وخوفهم الدائم من الفشل والانكشاف.

- يفشو الفساد، وتضطرب قيم المجتمع، ويصبح الغش سلوكًا مقبولًا ومعتادًا، وينطبع في ذهن الأجيال عدم احترام القانون، وأن النجاح يمكن إحرازه بسهولة بالغش والاحتيال. 

- ضعف جودة التعليم، وتراجع حوافز التعلُّم الذاتي، وانعكاس ذلك على الاقتصاد الوطني وتراجع الكفاءة الإنتاجية.

أزمة قيم وضمير

رغم أن الغش محرمٌ في شريعتنا، بكل صوره وأشكاله، باعتباره نوعًا من الخيانة وصفة من صفات المنافقين –فإنه صار يُمارَس في بعض البيئات العربية كعُرفٍ مجتمعي، حتى اعتبر البعض «الغش في الامتحانات» حقًّا مكتسبًا، مسقطين بذلك قيمًا كثيرة مثل: الصدق والأمانة والعدالة والمسئولية واحترام الكفاءة. ومن أعجب العجب أن هناك «جروبات غش» على منصات التواصل الاجتماعي في إحدى البلاد العربية، يقدر عدد المشتركين فيها من الطلاب وأولياء الأمور بمئات الألوف، وتعليقاتها لا تخلو من الدعاء الحارِّ للقائمين عليها جزاء ما يقدمونه من خدمات لأعضائها!! دليل وجود أزمة قيم وضمير.

لا يعد «الغش الجماعي» إذًا خرقًا فقط لقواعد النظام التعليمي أو القانون، بل هو خلل في منظومة القيم المجتمعية بكاملها، بعدما تحوّل إلى ممارسة جماعية مبررة ومقبولة اجتماعيًّا. ومجتمع كهذا هو في الحقيقة مجتمع ذو ضمير معتلٍّ، لا يرى في هذه الظاهر شيئًا مقلقًا، وهو بهذه الصورة قد يقبل الرشا والتزوير وغيرها من مظاهر الاعتلال المجتمعي. ولا خير من ثم في طالب اعتاد الغش منذ صغره، فإنه يكتسب مهارات سيكوباتية تتراكم مع الزمن، فيصير مخادعًا كبيرًا، يجيد السطو على حقوق الآخرين.

 

رسالة إلى طلاب الثانوية العامة | مجلة المجتمع
رسالة إلى طلاب الثانوية العامة | مجلة المجتمع
مجلة المجتمع الكويتية: منصة إعلامية رائدة تُعنى بالشأن الإسلامي وتقدم تقارير ومقالات تعزز الوعي الحضاري للأمة الإسلامية انطلاقاً من مرجعية إسلامية تجمع بين الأصالة والمعاصرة، وهي تابعة لجمعية الإصلاح الاجتماعي بدولة الكويت، وترفع شعار "مجلة المسلمين حول العالم".
mugtama.com
×


خلل في النظام التعليمي

تعد المؤسسات التعليمية محاضن تربوية لإنتاج القيم، ومنظومة معرفية لبناء مواطن سوي يمتلك مهارات التفكير الإيجابي السليم. وقد تحوّل «الغش الجماعي» إلى ظاهرة متوحشة في بعض البلدان بتحوّل هذه المؤسسات عن مهامها الأساسية، التربوية والمعرفية. فاعتماد العملية التعليمية على الحفظ والتلقين، دون بناء مهارات التفكير والفهم، ودون ربط المناهج بواقع الطلاب، أدى إلى خلق ضغط نفسي على الطلاب، جعلهم ينظرون إلى الغش كوسيلة مشروعة للنجاح وللإفلات من الضغط المجتمعي.

فإذا أضفنا إلى ذلك تدني كفاءة بعض المعلمين، أو غياب القدوة في كادر التدريس، ومنهم من يتهاون في هذا الأمر، أو يتواطأ مع الطلاب في عملية الغش؛ فإن ذلك يرسّخ لدى الطالب أن الغش مقبول. وقد وُجد، في بعض البلدان، تغاضي بعض الإدارات المدرسية عن الغش، بل تنظيمه أحيانًا؛ من أجل رفع نسب النجاح لأسباب سياسية أو ربحية بحتة. ويمثل غياب القانون وضعف الرقابة فرصة للغشّاشين لممارسة جريمتهم دون خوف من ردع أو عقاب.

نحو منظومة تعليمية وأخلاقية متكاملة

لمواجهة ظاهرة «الغش الجماعي» في الامتحانات، نحتاج إلى رؤية شاملة تجمع بين إصلاح التعليم، وتعزيز الأخلاق، وتفعيل الرقابة، والمشاركة المجتمعية الفاعلة، فالطالب ليس مسئولًا وحده عن الغش، بل هو مسئولية مجتمعية لا بد أن يتكاتف الجميع لمواجهتها.

- يجب البناء –قبل كل شيء- على مقاربة قيمية متكاملة، تنطلق من رفض هذا السلوك المنحرف، وترسيخ القيم الدينية والأخلاقية، وتعزيز روح الانضباط الذاتي.

- تطوير آليات التقويم والاختبارات لتقيس الفهم وليس الحفظ، وتنويع طرقها، وتدريب المعلمين على أساليب الرقابة التربوية.

- تعزيز الرقابة الصارمة للحفاظ على نزاهة الامتحانات، بتوظيف التكنولوجيا الحديثة لكشف الغش داخل اللجان، وتعزيز إجراءات التفتيش، وإتاحة وسائل آمنة للإبلاغ عن حالات الغش، وتطبيق عقوبات رادعة على كل من يشارك أو يسهّل أو يتستر على الجريمة.

- توجيه الإعلام ومؤسسات التربية المجتمعية، وعلى رأسها الأسرة، لتعزيز القيم التربوية لدى الأبناء، وتكريس ثقافة ربط النجاح الحقيقي بالاجتهاد.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة