«مضيق هرمز».. كيف وصلت الأزمة من البحر إلى البيت؟!

«مضيق هرمز».. كيف وصلت الأزمة من البحر إلى البيت؟!

مي عبدالشكور

 

هناك مناطق في العالم لا تبدو على الخريطة أكبر من نقطة، لكنها تحمل من الثقل الإستراتيجي ما يفوق مساحتها بأضعاف.

ومضيق هرمز واحد من هذه المناطق النادرة؛ فهذا الممر المائي الضيق الذي يبلغ اتساعه عند أضيق نقاطه 33 كيلومتراً، تمر عبر ممراته الملاحية شرايين الطاقة والتجارة، وهو ما يجعل أي اضطراب فيه قضية تتجاوز حدود الجغرافيا إلى استقرار الاقتصاد العالمي.

نقطة اختناق إستراتيجية

ووفقاً لبيانات وكالة الطاقة الدولية (IEA)، مر عبر المضيق في عام 2025م في المتوسط نحو 20 مليون برميل يومياً من النفط الخام ومشتقاته؛ أي نحو 25% من تجارة النفط المنقولة بحراً عالمياً.

ومع اندلاع الحرب الأمريكية الإيرانية الأخيرة، لم يعد هرمز مجرد ممر مائي على خريطة الصراع، لقد تحول إلى نقطة اختناق إستراتيجية تمنح إيران قدرة كبيرة على التأثير في أسواق الطاقة وإرباك حركة التجارة، ودفع العالم إلى إعادة حساباته الاقتصادية تحت وطأة الاحتمالات.

ولعل أبسط ما يكشف حجم هذا التحول أن هذا الممر الذي كان يشهد قبل الحرب عبور نحو 130 إلى 140 سفينة يومياً، تراجعت حركة الملاحة فيه إلى مستويات بالغة الانخفاض؛ وصلت في أحد أيام أغسطس الجاري إلى 6 سفن فقط، في مشهد يكشف مدى خطورة الوضع.

لكن خطورة هرمز لا تكمن في النفط الذي يمر عبره فحسب، فالمسألة أعمق من ذلك؛ إذ إن منظومة الاقتصاد العالمية قد بُنيت خلال عقود طويلة على افتراض استمرار حركة الملاحة فيه بصورة طبيعية، وحين يتعطل هذا الافتراض، تبدأ الدول في البحث عن مسارات بديلة، وقد يستدعي ذلك تغييراً كاملاً للبنية التحتية في بعض الدول المصدرة، فيما تصبح طرق الإمداد الأطول والأكثر تعقيداً جزءاً من معادلة اقتصادية جديدة، قبل أن تتسلل بعض آثارها تدريجياً إلى الأسواق والأسعار.

تداعيات اجتماعية واقتصادية

ولو تعمقنا في الأزمة أكثر، لظهرت لنا منها طبقة أخرى؛ طبقة لا تحظى بالمساحة الإعلامية نفسها، لكنها ربما تكون الأكثر حضوراً في الشارع العربي.

فحين يضطرب ممر ضيق في البحر، لا يبقى أثر اضطرابه في الموانئ وأسواق الطاقة فقط، بل قد يصل بعد رحلة طويلة من التداعيات والتحولات إلى البقالة الصغيرة في الحي، ثم إلى رب الأسرة وهو ينظر في فواتير المنزل فيعيد ترتيب أولوياته، وإلى الأم وهي تقف مترددة أمام سلعة اعتادت أن تضعها في عربة الشراء دون أن تفكر كثيراً في سعرها.

وهنا تحديداً تبدأ الحكاية التي تتجاوز هرمز؛ ففي الأحوال المستقرة تكون علاقتنا بالأشياء بسيطة ومحددة، فنشتري ما نحتاجه فعلاً، ونترك للغد ما يخصه، لكن أخطر ما تفعله الأزمات الكبرى أنها تعبث بوعينا، فتغير فهمنا لبعض المعاني، حتى يختلط علينا أحياناً الفرق بين ما نحتاجه وما نخشى افتقاده.

وما إن يدخل احتمال الفقد إلى وعينا، حتى يتسلل الخوف إلى سلوكنا، فخوف الإنسان اليوم من احتمال ألا يجد بعض السلع غداً، قد يدفعه إلى التصرف كما لو أن هذا الاحتمال أصبح حقيقة واقعة؛ فيشتري كميات إضافية تفوق حاجته، وما يبدأ بكمية إضافية قد يتحول إلى مراقبة دائمة للأسعار، ثم إلى شراء احترازي لا ينتهي، ثم إلى اعتقاد بأن الأمان لن يتحقق إلا إذا امتلأت المخازن، وعندها يتحول الاستهلاك من إدارة للموارد إلى إدارة للقلق، وتصبح الكفاية قيمة نفسية قبل أن تكون قيمة اقتصادية.

ولذا، فإن أول ما ينبغي أن نتعلمه في وقت الأزمات أن نكون أكثر وعياً باستهلاكنا، فنتوقف لحظة أمام دوافعنا، ونسأل أنفسنا عن الأسباب الحقيقية التي تدفعنا إلى الشراء.

فاستعدادنا للمستقبل يحتاج إلى توازن؛ إذ إن هناك بوناً شاسعاً بين أن يعيد الإنسان ترتيب أولوياته حين تضيق موارده، وأن يندفع إلى تكديس ما يستطيع خوفاً مما قد يحدث.

فالتدبير يقوم على ثقة الإنسان بأنه يستطيع أن يُنظم موارده ويميز بين الضروري والكمالي، فيترك للمستقبل حقه دون أن يسلمه زمام الحاضر.

عقلية الندرة

أما عقلية الندرة، فتنطلق من القلق الدائم من غد يحمل احتمال الفقد، ومن اعتقاد بأن النجاة لا تكون إلا بامتلاك المزيد، غير أن أثر عقلية الندرة لا يتوقف عند حدود الأسرة، فبعض ما يحدث داخل البيوت لا يظل حبيس جدرانها طويلاً، فالأسرة في النهاية لبنة في سلوك اقتصادي أوسع، وحين تتسع دائرة القلق، قد يبدأ المجتمع في التصرف وكأن النقص واقع لا محالة؛ فيشتري الناس أكثر، ويرى بعضهم سلوك بعض، فيزداد القلق، ويتسابقون إلى التخزين، فيرتفع الطلب على بعض السلع، خصوصاً إذا تزامن ذلك مع اضطراب حقيقي في الإمدادات، فتزداد الضغوط على السوق، فتبدو الرفوف أقل امتلاء، وتتأكد المخاوف التي بدأت منها الحكاية.

وهكذا يستطيع الخوف أن يقطع المسافة بين الاحتمال والواقع، فيصنع بعض آثار الأزمة قبل أن تصنعها الأزمة نفسها.

ولذلك، فإن مقاومة الخوف ليس شأناً فردياً محضاً، ففي أوقات الاضطراب تصبح المعلومة جزءاً من الأمن الاقتصادي، ويصبح وضوح الخطاب العام ضرورة؛ لأن الفراغ الذي تتركه المعلومة الموثوقة تملؤه الشائعة والتخمين وسلوك القطيع، وقد تكون الشائعة في لحظة حساسة، قادرة على تحريك السوق أكثر مما تحركه الحقيقة نفسها.

وتبدأ المواجهة الحقيقية بوضع الخوف في حجمه الصحيح؛ فتعرف الأسرة حقيقة الوضع، وما الذي يستدعي الاستعداد فعلاً، وما الذي لا يعدو أن يكون احتمالاً أو شائعة، ثم تتصرف وفق حاجتها لا وفق ما يفعله الآخرون.

فكما يحتاج المجتمع إلى توفير احتياجاته من السلع والخدمات الممكنة في زمن الأزمات، فإنه يحتاج أيضاً إلى اليقين والصدق، فكلما اتسعت مساحة المعرفة الموثوقة ضاقت المساحة التي يستطيع الخوف أن يحتلها في النفوس، وكلما استعاد الإنسان قدرته على التمييز بين الاحتمال والواقع؛ عاد السلوك الشرائي إلى وظيفته الطبيعية.

وهنا نصل إلى مسألة تمس عمق استقرار الأسرة نفسها؛ كيف نعلم أبناءنا معنى الأمان؟

إن الطفل حين يرى الكبار يتعاملون مع أزمة ما بمنطق الهلع، قد يتعلم تدريجياً أن العالم مكان ينبغي أن يسبق فيه الخوف الحاجة، أما حين يرى والديه يعيدان ترتيب الأولويات بهدوء، ويفرقان بين الضروري والكمالي، فإنه يتعلم درساً اقتصادياً ونفسياً في وقت واحد، فيعرف أن لكل مورد حدوداً، وأن لكل رغبة أولوية.

ولذلك، فإن التربية الاقتصادية الحقيقية تبدأ من تعلم الإنسان معنى الكفاية؛ فيعرف الفرق بين الاحتياج والاعتياد، وبين الوفرة والأمان، ويتعلم أن الإنسان قد يكون أكثر قوة وثراءً حين يمتلك القدرة على الاستغناء، لا حين يهرع الى امتلاك كل ما تشتهيه نفسه.

ولعل في الحكمة المنسوبة إلى شمس الدين التبريزي ما يختصر هذا المعنى في كلمات قليلة: «استغنِ، فإن من ترك ملك».

وربما كان هذا أحد الدروس النبيلة التي تكشفها الأزمات رغم قسوتها؛ فهي تنتزع من الأشياء جزءاً من سطوتها، وتُعيد تعريف الرفاهية أمام الأجيال الجديدة؛ فيدخر الإنسان دون أن يرتعد، ويقتصد دون أن يعيش في انتظار الكارثة.

وهكذا قد يبدأ القلق رحلته من مضيق بعيد، ثم يسافر عبر أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد والأسواق حتى يصل إلى عمق البيت، غير أن محطته الأخيرة لا تحددها حركة السفن وحدها، فثمة قرار آخر يملكه الإنسان وحده؛ وهو ألا يسمح للخوف بأن يدير حياته.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة